قراءة نقدية لـ أ.محسن الطوخي، في
قصة (مسايرة وضع)، للقاص عبد الله عبد الاله
القراءة:
هذه كتابة راقية. عرض الأديب عبد الله
النموذج الإنساني بشكل محايد، دون أدنى تدخل منه ككاتب، تاركا الحكم على الشخصية
للقارىء. والمرجح هو أن القارىء سيقع في نفس حيرة الشخصية القصصية. ولن يكون من
السهل الحكم له، أو عليه.
هذا رجل تخلص من قناعاته، وحرق أفكاره
وتراثه ليس عن إيمان وقناعة. بل عن خوف من سوء المصير.
اشتغل الكاتب جيدا على الحبكة. فقدم
علاقة الشخص الحميمية بأسرته. فلديه زوجة محبة، وطفل جميل. ومشهد اجتماع الأسرة في
الاستهلال يعبر عن جو من الألفة والسعادة.
لاحظ أن الزوجة لم تنتقد المظهر الجديد
للزوج بعد أن تخلص من لحيته، وأطلق شاربه، وتزيا بالسروال وربطة العنق. بل إنها
أبدت إعجابها، بل نلمس ارتياحا ورضي في بسلمتها، وتشبيه مظهره بأبطال السينما.
أورد الكاتب تلك العناصر تمهيدا
للانتقالة المقبلة إلى الماضي القريب حيث تنعقد الأزمة بالاجتماع الذي قلب الأوضاع
رأسا على عقب.
لم يسهب الكاتب في تفسير هذا الانقلاب،
وهذه حسنة من حسنات السرد، حيث لم يفقد الخط الرئيسي اعتمادا على الخبرة التاريخية
للقارىء، فالمؤسسات تغير مساراتها وسياساتها كلما ارتقي سدة الحكم حاكم جديد. لذلك
وصفت النص بالرقي في مستهل الكلام لأنه لم يعمد إلى اصطناع الأزمة. ولم يدرها على
هواه. بل انساق مستجيبا لتداعياتها، ولم يغفل في الوقت ذاته التحضير لها بعناية.
للأزمة وجهان: طبيعتها/ ومسارها.
أما عن طبيعتها، فهي أزمة وجود. أخطر
مايواجه المرء هو أن يوضع في قائمة المعارضين لنظام سياسي لا مكان فيه إلا للأنصار،
والمحاسيب. لنا أن نتخيل أبو ناصر بعد تلميحات أبا عمار. مابين دعوة الأخير
.." ما عليك إلا أن تساير الوضع .. وبس ". ما أيسر المطلوب. وما أفدح
نتائج العصيان بعد اختفاء أبو سليم، وطرد الكثيرين.
( العصا.. والجزرة ).
أما مسار الأزمة، فليس المهم فيها خيار
الرجل. بقدر مايهم القارىء اتساق هذا الخيار مع الشخصية، وظروفها التي بيناها، أو
طرحها الكاتب في الاستهلال.
يترتب على هذا الخيار انقلاب حاد في
حياة الراوي، فيبرع فيما يسند إليه من عمل جديد، وتتوثق علاقته بالجهات العليا،
ويمنح الترقيات والهدايا، ويملك سيارة وفيلا. ويسدل الستار تماما على ماسبق من
قناعاته.
فهل انفثأت الأزمة بالخاتمة كما تقتضي
قواعد القص؟.. نعم، لكن في ظاهر الأمر فقط. ماتزال هناك مضغة تؤرقه. فناصر الصغير
مازال على نفوره منه، ومازال يخافه. وهذا يزعجه، ويقض مضجعه. ولا يني الرجل يسأل
نفسه: متى يساير ناصر الوضع؟.
انتهت القصة، ولكن هل انتهت التجربة؟
..
لم تنته بعد... سيقرر ناصر نهايتها.
تحياتي لصديقي الأديب عبدالله عبدالاله
محسن الطوخي
***************************************************************************************************************
القصة
مسايرة وضع .
ينفرج باب الغرفة ببطء ليطل صغيره
(ناصر) ذو العام والنصف، يفتح له ذراعيه بشوق إلى ضمه وتقبيله لكنه ينفر منه،
مهرولا نحو أمه، وملقيا نفسه فوق السجادة (الل ااا اكاااا) تسجد الأم وهي ترفع
صوتها مبتسمة (الله أكبر)، ثم تستوي من وضع السجود (الله أكبر ) تزيحه بيدها برفق
لكنه يتمدد متشبثا بالسجادة (الل اااا اكاااا .. الل اااا اكااااا)...
السلام عليكم ورحمة الله..
السلام عليكم ورحمة الله .
تنقض الأم على طفلها ضما وتقبيلا،
تلتفت نحوه :
- هههه الولد هرب منك يابو ناصر..
ماعرفك ِ
رد باقتضاب وهو يتحسس ذقنه الناعمة :
- قولي ما يريد يعرفني.
- باين عليك نسيت.. كان معاك لحية
يحسدك عليها إمام الحرم المكي..اصبر على الولد ..شوية ويساير الوضع.
يطلق زفرة قوية، وينهض نحو مرآه
التسريحة، يتفقد شاربه الذي أطلقه ينمو لأول مرة، أزعجه انحسار السبغة السوداء عن
منابت الشعر، لكنه ابتسم برضى وهو يتراجع خطوتين يتأمل شكله بالبنطلون وربطة العنق
يلتفت إليها :
- أمس أشبه إمام الحرم، واليوم من؟!
- لا ... اليوم بسم الله ماشاء الله
بطل من أبطال السينما.
اتسعت ابتسامته كاشفة عن صف أسنان
منتظمة، ناصعة البياض بالكاد غادرت عيادة طبيب الأسنان، وحدها الدائرة السوداء
التي بقيت!، رغم نجاح كريمات الترطيب، والتقشير في التخفيف من حدة لونها، وابتعاده
عن السجود على البلاط وقت الظهيره كما كان يفعل سابقا، إلا أنها لازالت بارزة كختم
أسود يتوسط جبهته كلما رآها أوتحسسها تردد على سمعه صوت أبو عمار صديق عمره، ورئيسه
يوم دعاه إلى اجتماع طارئ، وأن عليه إبلاغ جميع الموظفين الذين يعملون تحت إدارته
بالحضور، ولا قبول لأي عذر !.
يومها خرج من الاجتماع دون أن يفهم
شيئا غير أن الوضع تغير، وأن عددهم كان ليبقى على ماهو عليه لولا أبو سليم الذي
رصدت الكاميرات إمارات سخطه، وامتعاضه، كما رصدت تذمر البعض، وقلق البعض الآخر،
ولم تغرب شمس ذلك اليوم إلا وقد اختفى أبو سليم، وطرد الكثيرين، أما هو فقد همس له
ابوعمار وهو يقتاده نحو سيارته:
- تدخلت بنفسي .. المهم تبيض وجهي.
تطلع إليه بخوف، فوكزه برفق في كرشه
الكبيرة :
- بسيطة..ما عليك إلا تساير
الوضع..وبس.
ليعود إلى البيت مغلقا على نفسه باب
مكتبته، يقضي أياما وليال طويلة، مسهدا، يقضم أطراف لحيته، قد جثم عليه شعور
بالخوف، والحيرة، والإحباط أفشل كل محاولاته المتكررة في تخفيف توتره بمطالعة
الكتب، أوإعادة ترتيبها، زادته رعبا الأنباء التي تصدرت نشرات الأخبار عن علاقة
أبو سليم ومجموعة كبيرة من موظفيه بجماعة إرهابية، ليقرر في النهاية أن يخرج بدون
عمامته، ويزاول مهام عمله الجديد التي تغيرت إلى فنية، وسياحية، وترفيهيه...
ليفاجئ نفسه !، ومن حوله بقدراته المتعددة، والمفعمة بالنشاط والحيوية، ونجاحه
الكبير في الترويج، والدعاية، والتسويق... ساعده في ذلك أسلوبه المميز، وصوته
الجهوري، وفصاحته في إلقاء الخطب سابقا، إضافة إلى شعوره بمتعة التغيير الذي
يعيشه، بل وأصبح يساهم فيه بأفكاره المتنوعة، لتكرمه احدى القنوات الوطنية كأحد
الشخصيات الفاعلة في الوسط الفني، والمشهورة على السوشيال ميديا.
لم يصدق يومها حين أخبره ابوعمار (أن
التكريم كان توصية من الجهات العليا، والتي وجهت أيضا بترقيته، ومنحه هدية خاصة)
فكاد أن يطير بسيارته اثناء عودته مساء ذلك اليوم، وهو يزف لزوجته خبر الهدية
ليسمع شهقتها من الطرف الآخر، مطلقة زغرودة طويلة، وهي تهب من جلسة استرخائها تعدو
في أرجاء المنزل تحزم الأثاث، استعداد للانتقال إلى الفلة الجديدة، أما هو فقد قرر
أن يحسم أمره.
ما أن وصل إلى منزله حتى هرع مقتحما
غرفة مكتبته الضخمة، ليحمل نفائس كتبه، وذخائر سلسلة كتب السيرة، والحديث،
والتفسير، والفتاوى.. ويلقي بها في الفناء الخلفي، ثم يطعمها للنار كتابا تلو
الأخر، مبقيا في حضنه على كتاب (مواقف بن حنبل الشجاعة في نصرة مذهب السنة
والجماعة) أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراه، خبت النار وهو جاثم يتصفح الكتاب
بصمت، ودون تردد فتحه من وسطه، ورفعه بكلتا يديه ثم هوى به فوق ركبته لينشطر نصفين
كالعود اليابس، وبدأ في تمزيقه صفحة صفحة لتتعالى ألسنة النار من جديد.
شعر بأنه تخلص مما كان يؤرقه، ويعيق
انطلاقه، لولا صغيره (ناصر) الذي ظل يزعجه
بخوفه، ويقض مضجعه بنفوره منه، وسؤال يثير كل يوم جديد غضبه (متى يساير الوضع) ؟!
.
عبدالله عبدالإله باسلامه.
اليمن / ذمار .

