{اجتياح قلب}
جلسْتُ في الحافلة المتجهة إلى وسط البلد،
كان يومًا ربيعيًا جميلًا
يشعرني بالدفء والحنين إلى استمرارية العيش وسط ظروف الحرب والدمار الذي نعيشه.. نظرت إلى الوجوه، الكل عابس وبعضهم شارد.. ومن زجاج النافذة ، شاهدت عند ذاك الحاجز شبابًا لاتتجاوز أعمارهم العشرين عامًا،
يأكلهم الخوف والبرد طوال الوقت، ومع ذلك ابتسامتهم لاتفارق وجوههم..
كم هم أقوياء ، ينتهكون هذه اللحظات بالضحك و الابتسامات..
انتبهت من شرودي عندما ارتطمت الحافلة بكومة من الأحجار والساتر الترابي؛ الكل تطايرت منه بعض أغراضه التي يحملها إلى تحت الأقدام
إلا أنا؛ لأن حقيبتي كانت معلقة بكتفي، لكن وجدت تحت قدميّ حقيبة أوراق (كلاسور) على مايبدو تخص طالب جامعي، انحنيت وأخذتها وعندما رفعت رأسي: قال شكرًا..
وكأنني سمعت عزف كمانٍ منفرد وسط ضجيج أبواق الحرب..
التقت عيناي بعينيه، تلعثم الصمت... واصبح بداخلي ضجيجًا كما ساعة الولادة والموت..
ثوانٍ وكأنها دهرٌ بنيت بها كل ما كنت أحلم به من لحظات سعادة..
أخذ الحقيبة، تابعته بنظري جلس على المقعد الذي بجانب مقعدي..
كان صوت دقات قلبي يفوق صوت مذياع السائق ونشرة الأخبار التي لا تنتهي عن تصدي جيشنا للعدوٌ..
ولكن أنا !؟ كيف يتصدى قلبي لذلك الاجتياح الذي داهمه على حين غرة !!
وقفت الحافلة وسط البلد، كان الكل ينزل مسرعًا، إلا هو !
بدأ يتلكأ لكي أنزل أنا أولاً. ثقلت خطواتي. كنت أسمع دقات قلبه من خلفي تتغلغل في حنايا روحي كنسيم صباحٍ مشرقٍ بعد ليلة شتاء متخمة بالبرد والعواصف الثلجية..
نزلت من الحافلة. كنت أمشي شاردة، أحاكي تلك اللحظة التي عشتها أكانت حقيقة ؟ أم وهمًا انتابني ؟!
زلقت قدماي في حفرة لم ألمحها. وقبل أن أهوي بها كليًا, إذ بأيدي قوية تنتشلني وتحملني كما الأم الحنون عندما تلتقط صغيرها حين يقع على الأرض..
عاد لقاء العيون؛ وبدأت ضربات قلبي تعزف لحنًا كنت أسمع عنه في روايات الحب!!..
واحدة بواحدة: قالها وهو يضعني على الأرض لأقف بقرب قلبه، كم تمنيت أن ينام جسدي بين يديه الى مالانهاية...
عاد ضجيج الصمت بداخلي
تسمرت في مكاني.. كان في صوته نبرة حب وهو يغادر
بعد سؤاله إن كنت بخير؛
مشى عدة خطوات ونيفًا من الوقت..
انحلت عقدة لساني.. لمحته يغيب بين الزحام صرخت بأعلى صوتي ليسمعني:
شكرًا.
فوزية الكوراني / سوريا

