عاصمة الضباب *
قصة قصيرة
جمال الشمري
تحت وطأة إيقاع السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، وقرع الطبول وجنون البيانو وصراخ الترومبيت، اتجهت ماري إلى المرقص.
يدها المرفوعة باتجاهي كانت إشارة واضحة لأشاركها الرقص.
استهجنت طلبها أولا، فكيف لأرنب مذعور مثلي أن يماهي فرح هذه الحسناء المتحررة من أي هم أو هلع؟!
خطواتها الرشيقة كراقصة باليه جرجرت خطواتي قسرا.
تقترب وتبتعد بكل غنج ودلال، كفراشة برية تهدي السهول تحية الصباح، ثم تهرب بعيدا.
أمسك ذراعها، أجذبها نحوي، فتتلوى بكبرياء، لتبتعد بعدها، معلنة رسم الحدود بيننا.
تهديني حضنها الدافئ، ثم بحركات جنونية كدقات قلبي المتسارعة، كبركان مشتعل،
تنثر عطرها وتبتعد مجددا،
بانتظار خطوة أكثر جرأة مني، لعلها بجنون الرقص هذا تطفئ في داخلي حريق المواجع التي بحت لها بها منذ قليل.
غمرة الفرح هذه لم تنسيني ترقب ذاك التحري اللعين، فهو لازال يتتبعني منذ أن غادرت مكتب الهجرة منذ أكثر من أربع ساعات.
ظله الأسود المتضخم والمتمدد تحت سطوة مصابيح الأزقة، كاد أن يبتلعني عدة مرات.
فأسرع الخطى، مستفيدا من الأزقة الضيقة وضباب لندن الكثيف والشهير.
لا أعلم كيف وصلت إلى هنا والتقيت ماري منذ أكثر من ساعة، وسط أحياء لندن العتيقة، لكن خوفي من الاعتقال كان كافيا لأخذي للجحيم لو اضطررت.
بلطفها وابتسامتها الساحرة، تعرفت عليها،
في تلك الزاوية المعتمة من المقهى.
حجري الفيروز اللذين شكلا عينيها الآسرتين، كانا يلتمعان مع كل ضحكة بريئة.
- آه كم أحتاج لتلك الأجواء،
لكن الوقت غير مناسب، فالتحري لازال يتجهز ، وكأن الاعتقال قاب قوسين أو أدنى.
سمحت لها بفتح صندوق أسراري، عندما سألتني عن سبب هذا الهلع والخوف اللذين يصرخان في نظراتي وقسمات وجهي البائسة والحائرة.
- إنه التحقيق، بسبب أفكاري ورواياتي ، اتهموني بمعاداة السامية.
لو ثبتت التهمة سيتم ترحيلي وفي بلادي لازالت نيران الحرب تستعر
- لاتهتم لهم، تابع حياتك وكأن شيئا لم يكن .
- كيف وهم يتتبعون خطواتي ويعدون علي أنفاسي.؟
- يتهمونكم أنتم العرب بأنكم همجيون وإرهابيون، وستلقون أعدائكم في البحر
أثبت لهم أنك تستحق الحياة وأنك أكثر نبلا منهم.
- كيف ؟؟؟
- بالرقص ، بالفرح ، بالأمل ، بالحياة.
ولازالت الرقصة مستمرة، والحياة عادت لتنبض في عروق كادت أن تجف وتذبل،
صخب ومرح بلا حدود وبلا إزعاجات ولا أدنى اهتمام بما هو آت.
ولازال التحري يراقب ويسجل ملاحظاته.
ولا زلت أحلق في أجواء لا يمكنه رصدها أو الوصول إليها.
غير حافل بما لديه من معلومات، ودعني بنظرة خبيثة وابتسامة ثعبان يتلوى غيظا وضغينة
أشار إلي بامتهان ورحل ....

