قصة قصيرة:
الحمار والدجاجة.
رفيق راشدي
حُمِّل الحمار رزم السنابل المحصودة، كان يمشي ببطء وحذر، اقتفت الدجاجة آثار حوافره وهي تنكش التراب مُقوقأةً ولكنها وحتى وصولها للبيدر لم تضفر بحبة قمح واحدة، حتى أنها حاولت الدنو لتلتقط مااستطاعت بمنقارها ولكن الفلاح نشّها بإلحاح، وما أغضبها هو الحمار الذي ضربها بذيله ساخرا منها.
في المساء دخلت الدجاجة الاسطبل، فوجدته يتناول وجبته في المِذود، فخاطبته بلهجة ساخرة: أنت تقوم بعملك على أكمل وجه؟
أجابها: ابتعدي عني ياأم صوص واذهبي لتبيضي بعيدا عني؟
ردت: لم تسقط ولا حبة قمح من الزنبيل؟
شعر الحمار بالفخر، ولكنه لم يجب.
أردفت الدجاجة: ولكن، ألا ترى بأن الإنسان لايستحق كل هذا التفاني منك؟ تحمل المحصول مرات عديدة جيئة وذهابا، ثم يربطك بالنّورج في قيظ الظهيرة، تظل تدور وتدور، لتدرس الزرع، يحمّل في أكياس على ظهرك، ثم بماذا يكافأك ؟ يعطيك هذا القش المدشّش الذي لايصلح لشيء، حتى النار تعاف أن تلتهمه.
توقف الحمار عن الأكل قليلا، رفع أذنيه لأعلى وقال:
تعرفين، لم أفكر في هذا من قبل، لكن من أين لك هذا الذكاء وأنت لطالما كنت غبية، تكتفين بنبش التربة بحثا عن الديدان والحَبّ، تبيضين إذا تكونت البيضة في أحشائك وتمدّين عنقك للسكين إن أتاهم ضيف عزيز.
ابتلعت الدجاجة غيضها و قالت:
حسنا ياذكي الأذكياء، إذا كنت تراني غبية كما تقول فعليك أن تثبت لي أنك أذكى وأشجع مني؟
-كيف؟ سأل الحمار.
-تمرّد على سيدك غدا، حتى إذا رآك تفعل ذلك، تفطن أنه يظلمك بعدم إعطاءك وجبة تليق بالعمل الذي تقدمه.
فكر الحمار قليلا، ولكن ماذا أفعل؟ أنت تعرفين أنهم يأخذونني صباحا، يحملون ماشاؤوا فوق ظهري ، وما علي إلا السير إلى حيث أقتاد.
- عندي فكرة، ما إن تحمل الزرع المحصود، اقفز لتتساقط رزم منه، وهكذا سيعرفون أنك لا تريد أن تواصل العمل بهذه الطريقة المتعبة.
- صدقت يادجاجة، وهكذا سأُعطى القمح وجبة إرضاء لي لكي أعود للعمل.
برقت عينا الدجاجة، وأجابته على الفور، نعم ، نعم.
في الصباح فعل الحمار ماقررته الدجاجة فما إن اقترب من الوصول إلى البيدر حتى بدأ بالقفزو شتت السنابل على الأرض، لكن الفلاح انهال عليه بالسوط واصفا إياه بالمجنون.
وفي الوقت الذي كان يواصل فيه عملية الدرس، كانت الدجاجة تلتقط القمح الذي تساقطت منه بلهفة مستمتعة بوجبة لم تعرف مثلها من قبل.
دخلت في المساء لإسطبل الحمار وهي تقوقأ فرحة محاولة إغاضته.
ما إن سمع صوتها حتى رفع رأسه، وخاطبها:
هذا جزاء من يسمع كلام دجاجة غبية، لم أجن إلا الضرب المبرح، وحتى القش الذي كنت أعطاه، غاب عني الليلة عقابا لي، اغربي عن وجهي ياوجه النحس.
أنا لست غبية، على الأقل ، أكلت القمح الذي أسقطته وأنت تقفز، ثم قاقت ساخرة.
تفطن الحمار أنّ ماحدث لم يكن إلا حيلة من الدجاجة.
استدار وحاول ضربها برجليه الخلفيتين لكنه لم يستطع، أخذ في النهيق المتواصل غاضبا.
قالت له الدجاجة: اسكت، سيعتقد صاحبك أنها إحدى نوبات الجنون ويضطر لذبحك.
ما إن سمعها حتى دس رأسه في المذود ، بينما خرجت هي تختال إلى الخم فقد كان موعد إباضتها.

