كريم شغيدل؛ تحولات الكائن
كتب / أ . إسماعيل نوري الربيعي
imseer60@gmail.com
ين الغموض و الرمزية ، شعرة رقيقة لا يستبان منها الملامح، يمكن تمييزها عبر ( عين الرضا أو السخط) . و هكذا يمكن أن لك و ببساطة شديدة أن توصم جيل ابداعي كامل بالغموض، بناء على التجليات التي تحسبها في مخيلتك أنت و لا سواك. فيما يحق لك أن تنتقي من كل هذا ، ما يحاكي فيك من نزوع و تطلّع ، لتجأر مناديا ؛ يال الرمزية الهائلة ، و يال التوظيف المذهل و المدهش و الخلاب. (كريم شغيدل) شاعر آثرت الأقدار أن تضعه وجها لوجه مع الحرب. دخلت عليه عنوّة، في عقر داره، و اقتادته بملابس النوم، منحته ( خوذة و بسطالا ثقيلا) لم تعطه سلاحا؟! هي تعلم جيدا أن هذا الكائن الرقيق المسالم لن يستخدمه في قتل بعوضة. عندها صرخ صائحا؛ ( طيب ، امنحيني أيتها الحرب، و قتا لأغسل وجهي؟!). أقول لكم جيل كامل وجد نفسه في لوثة من الخبل و العته و الجنون، و عليه أن يمارس فعل مواصلة الحياة و استمراء تفاصيلها و العيش في كنفها. حرب لو تذكرت عنترة بن شداد العبسي في أحدى صولاتها، لأضحى مادة للسخرية و التندر و الضحك الذي يفطر القلوب. حرب بلغ فيها الحمق و الترّدي و استرخاص أرواح البشر، و التنكليل بأحلامهم و حقهم الشرعي و الطبيعي بالعيش في البيوت، وممارسة أعمالهم كما يفعل الآخرون. لا أن يعيشون في المواضع لثمان من السنوات، تتنزل على أمّ رؤوسهم ما تيسر من القنابل و القنابر و ما تطلقه المدافع و الدبابات و الطائرات.
نصف نهار من هذه الحرب ، تجعلك تتنزل باللعنات على ؛ الداحس و الغبراء، لتدخل في نوبة قذف و ذمّ لكل ما علق بالنفس البشرية من رغبات بالقتل و الإلغاء و الاقتصاص و العقاب و التنكيل. ( كريم شغيدل) ابن مرحلة التحولات المركبة و المعقدة، و الجنون و الصخب و الثورات و السحل و الاقتصاص و الحروب و التظاهرات و الانقسام و صراع الهويات، و التناحر الأيديولوجي و التحزبات و الشعارات. قدره ، حظه، بخته، حصته ، رزقه، طالعه، قسطه، نصيبه. جعل من هذا الكريم أن ينال القسط الوافر من ( المركبات الغزيرة و الوافرة ) من الحروب الساعية للقتل، و الحصارات المتطلعة للمسغبة و الجوع و التقتير و الشح، و الاحتلال الذي جعل من البلاد مختبر تجارب للفوضى التي يراد لها أن تكون خلاقة؟! فاختلق أيها الخلاق و عرّش أيها المعرش، و حلّق أيها المكتسي بالنار و الثلج ، و اغتنم فرصتك الذهبية أيها الساعي في هذه الأرض، بعد أن ( ظل البيت لمطيره، و طارت بيه فرد طيرة).
كريم هو خلاصة العراق و العراقيين الذين كتب الله عليهم أن ( يولدوا ، و يعيشوا و يموتوا )، أولئك الذين لا بواكي لهم، و لا مشفق ولا مترّحم عليهم. كريمٌ و كل من عاش في كنف اليقينيات التي تكلفك حياتك ، إن لم تصفق لها أو تهلل و تتراقص. حيث غزارة الصوابات التي ينطق بها القائد الأوحد و الأعظم، و الحق الطافح و الكثيف لديه. لتكون أنت ولا سواك أضحية للرغبات و الشهوات و الإرادات، التي تعّن على الراغبين بالسيادة و القيادة و الزعامة.
(كريم شغيدل) في لحظة تجلّ حميم مع النفس، و تجمّر شديد مع الذات ، لا يتوان عن استنطاق الواقع السريالي الذي ما انفكت الأقدار أن توغل في تمثيله(يَئِسَ من حياتِه، لكنَّه... ، لَمْ يفكِّرْ بالانتحار، ولا بالهجرةِ إلى بلادٍ أخرى، فَكَّرَ أنْ يتحولَ كلباً، فكرةٌ سديدةٌ، أنْ يتحولَ صديقي كلبا) . ها يا كريم ، هل كتب الله عليك أن تجلس على ( درب اليمرّون؟) و إلى متى يبقى هذا الكريم أن يتلقى صفعات القدر العراقي، و ليس ضربات قدر بتهوفن؟! أن تقضي ثلث العمر حروب، والثلث الثاني جوع و حصار، و الثلث الثالث نهب و خراب. فليس لك و الله سوى التنادي بما صرخ به الملا عبود الكرخي( هم هاي عيشة و تنقضي، و حساب أكو تاليها؟!). لا ضير أن يحلم الانسان بالخلاص من الفتن و الشقاق و الملاحم و الفتن، و لا بأس أن تسعى بكل ما فيك أن تحقق ذاتك، و لكن أن تحلم بـــ (قَدْ يحالفه الحظ، فيُصبحَ K.9، سيتبخترُ حولَ العجلاتِ ، ويتشممُ، مثلَ خيميائيٍ قديم) ، فهذا هو الفحش و الطغيان و الحلم البعيد المنال. اللاواقعية في أقصاها و الجموح في منتهاه، و الراغبة الطافحة بتجاوز المراحل؟ ترى من هذا السعيد الحظ أن يحلم مجرد حلم بأن ينال حظوة كلاب K9 .
ها أنت تجعل من صديقك مدارا للغمز و اللمز، و اللذع والتشنيع، و الطعن و الاعتياب، و التسفيه و السبّ، و الرجم و الذم. على المرء ألا يتخطى الحدود حتى في الأحلام؟ّ! بلى الأحلام هي الأخطر في حساب الممسك بلجام السلطة و القوة و السيطرة و الهيمنة. اجتث الأحلام، عليك أن تطارد أحلام الناس و تعمل على قمعها و وئدها و الاقتصاص منها . هذا ما كتبه ميكيافيلي في كتاب الأمير، و لكن في النسخة المفقود؟! كريم شغيدل بدربته ومرانه و عشرته الطويلة مع القمع و الاعتقالات و الاقصاء و التهميش و الوشاة التي يملؤون الأرض. و بحسه السليم تراه يستدرك؛ (ولو أني أخشى عليه من رغباتِه المسعورةِ) . ها ، حسنا، حسنا. الآن ينتظم النص ليعود مقبولا و ممكنا. طالما توافرت عناصر العرض و شروطها الأساسية. من خوف و خشية و طاعة، و كبح للرغبات و إطفاء للأحلام و تعتيم للآمال و تجرد عن شروط الإنسانية الرئيسة. يال هذا الكريم شغيدل الذي يختصر تاريخ الخوف العراقي المعاصر؛ (عرفته وفياً ويقظاً وحاذقاً، ولطالما تدرَّبَ على إنزيماتِ الخوفِ).
