-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

جذور مقطوعة.. كتبت: أ. زهراء ناجي بقلمها




المكان هادىء عندما فتحت عيني، كانت أمي تنادي علَيَّ حتى أصحو من نومي

_تأخرت على الدوام يا جلال.

أُحس بجسدي لا يقوى على الحركة، كائنات مضيئة تحوم حولي، ثيابها في غاية الروعة، أحكمت السيطرة على صدري، انقضت على رئتي، وأصابع تتشبث بالحياة، ومد الظلام سيفا يقطع الأنفاس، صوت أمي يدندن بأغنية حزينة ورجفت حبالها الصوتيه تبكي دون دموع ..

صباح ١٦/يناير كانون الثاني /٢٠٠٧ /بغداد
وسط الزحام وعويل السيارات، حاولت أن أشق طريقي واستقل الباص للذهاب إلى الجامعة، مضت أربعة أعوام على سقوط نظام صدام، ومنذ ذلك الوقت والقوات الامريكية تجوب الشوارع بين فترة وأخرى، والمخاوف التي تعلوا القلوب في أي حركه غير مسوؤلة؛ تؤدي بحياتك بكل بساطة ببندقية الجندي الأمريكي المُحتل.

تلك المدينة التي كان القانون يسري في كل جوانبها، أصبحت دون حكم، يُطال الموت أبناءها  في الانفجارات أو سلسة الإعدامات التي تمارسها بعض الجهات المعينه تحت طائل التصفيه الطائفية، رؤية الدمار يغطي المكان، وكل شي أمامك أصبح مشوها حتى الاحلام فيها
حاولت أن أُنهي محاضراتي بسرعه لأمضي لمُلاقاة حبيبتي (سارة ) ابنة خالتي، أول فتاة في حياتي أحببتها منذ كنا صغارًا، نلعب في باحة بيت جدي الذي احتضن طفولتي، كنت أكبرها بعام واحد،   ربما لكثرة خوفي عليها من أي يد تطال براءتها، وضعت اختياراتها الجامعية فكان مكانها بنفس الجامعة التي ادرس فيها، برغم نحول جسدي وشكلي الباعث دوما للحزن، فقد حفرت سكين الشقاء على قسمات وجهي فجعلته أكثر جديا.

 أما سارة الربيع لحياتي سكينة الليل بالأنغام الهادئة بلطفها وجسدها المملوء بعنفوان الشباب، وذلك البريق المذهل الذي يصدر من عينيها الزرقاوتين، أمامها أكون مُرغما على الاستسلام، في وهج بريقها عندما أرى خصلات الشقراء المنسدلة على كتفيها تتطاير محلقة بالهواء لتلامس جبهتي، أقترب منها أكثر، أُحاول أن أحتويها خوفا وحبا وشيء من الجنون واللهفة،

_كم تحيرني نظراتك تلك الغامضة التي ترسلها عن عمد عندما تراني عن كثب.

_لست ناضجة بما فيه الكفاية ألا ترين عيونهم حولك، ألم أقل لك حاولي أن لا تضيء أكثر .

_آه من الغيرة، أنت ما زلت أميري الوحيد ولن أرى غيرك أبدا، فأطمئن يا كُلِّ الرجال، سأبقى أحبك حتى أرى شعرك الأبيض،
سأُطيل النظر وأغفو بأروقة الذكريات
وأسرد التفاصيل.

احصد الصيف معك عيد
لأزرع الربيع من جديد
في كل ركن في بيتنا الصغير
كان لي فيه تذكار
فمن غيري في هذه الدنيا تحبك اكثر
تحت تلك اللهفة حاولت ان امسك يدها الصغيرة
اتشح وجهها بنقاب طوق عنقي مددت يدي محاولا ان ابعد الوشاح الذي كاد يخنقني

كأن الصباح عاد من جديد وهدير الموسيقى يصدح في غرفتي، أطراف جسدي تثقل بشكل مفاجئ وضربات بعيدة تباغت الفراش، أنا نصف حالم أو ربما يداهمني النعاس مرة ثانية.
حاولت فتح عيناي من جديد، وجدت نفسي أمام غرفة أمي وهي تنبهني أن لا أقترب من ماكنة الخياطة.
يترائ إلي إني أرى والدي وهو يتناول غدائه، أنا الذي لم أره مسبقا فقط في الصور،   أبي رجلا مُثابرا بنى لنفسه احتراما كان يعمل ويدرس في نفس الوقت، اختار أُمي من بين بنات أعمامه، قد وجدها الحبيبة التي تكمل معه مشوار حياته، فهي تلك  الغزالة الجبليه ذات العيون الكحيلة هكذا كان يسميها
صوت طرقات عنيفة على الباب وأصوات تتعالى من الخارج، ابن الجيران سقط في مجرى تصريف المياه، أبي يهرول خارجا للمساعدة وأمي تمنعه من الذهاب لكن دون جدوى، تقترب مني تحتضني وهي متشحة بالسواد كفنا يوارى عليه التراب، هذا قبر أبي طالما كنت أزوره مع أمي في الأعياد.
حاولت النظر حولي، هناك من ينادي علي صوت يشق أركان بيت عتيق من البيوت البغدادية في باحة البيت، شجرة من السدر تتوسط تلك الباحة التي تحيط بها غرف البيت، ربطت على تلك الشجرة أرجوحة صنعتها أمي من بقايا خرق الأقمشة لتكون مكاني المفضل للعب في زمن طفولتي الغضة، كان الفقر يجري بعمق نهر العذاب في لجة الظلام،  كانت الحكايات سلوتنا وأمي تلك البارعة لا تقل مهارة من أي روائي، تجيد استغلال لحظات الخوف  والجوع في حكايات طويلة لتجعل من تعاستها حلم في نهايات سعيدة، كسر عمودها الفقري وهي منحية على ماكنة خياطة تخيط الملابس لتقوم بتربيتي في ساعات الليل الطويلة، وصوت الماكنة يدق مسامعي، في أحيان كثيرة، كنت أكره تلك الماكنة وأريد تحطيمها، كم كانت الحياة قاسية في أحلام ناقصة، ربما تختار لها نهاية أفضل وأصلح عسى أن أكون أنا ذلك السبيل لتلك النهاية،
كنت أُحلق عاليا بأرجوحتي، أحاول إمساك حلما من أحلام أُمي، اهتزت الأرض حولي، اهتزت وماجت، كان زلزالاً اجتاحه
صوت سارة في لجة الفضاء الشاسع

_انتبه يا جلال.
حشود كبيرة تهرول خوفا والدخان يتصاعد لا أرى شيئا حاولت تحسس مواضع جسدي، وسط فوضى من جثث متناثرة الصورة غير واضحة، غطى الدخان والغبار الملامح والمكان وجدت نفسي وحيدا.

سارة هناك  كعروس في ليلة العرس ناديتها حاولت الزحف إليها، نظرت إلي وهي مبتسمة وانسحبت إلى مكان آخر ...

ضوء شحيح أرى من حولي ،
كانت ملامحي كل ما يربطني في هذا العالم، أكل الانفجار كل تضاريس وجهي ونخر في زوايا اِتَّزاني؛ فلم أعد مثلما كنت
هل أنا ذلك  بطلا الذي ودعت أجمل حلم لله  حبيبة ؟!

هل ما زلت أحلم بمزيد من الحمامات ؟!
وهل تبقى لي روحا تتطلع إلى الجنة في قلب تائه ؟!
في صحراء، استفاق على صراخ أمه وموتها عند رأس ولدها المشوه،
افتقد باحة الدار والأرجوحة ورائحة الحساء في رمضان، وصوت ماكنة الخياطة أيام الجامعة واستجمع الكثير من حب الله، لأُرمم وجهي وارفع بصري نحو المرآة من جديد.

على السادة المسافرين التوجه إلى البوابه رقم ١٢ استعدادا لركوب الطائرة المتجه إلى ....
نظرت إلى بلد خلف الدمار
وحافظة ورق حملت كل أوراق العلاج وجواز سفر وصورة لأمي ....

تمت
القصة بنيت على احداث حقيقة

عن محرر المقال

أيمن قدره دانيال

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية