فلسفة التحنيط (( 7 )) .. كتب: يحيى محمد سمونة
[ في هذه السلسلة "فلسفة التحنيط" لا زلت أطرح عليكم أيها الأحباب رؤية جديدة في التفكر و النظر عند إنشاء و تسطير العلاقات، و لعل هذه الرؤية الجديدة تكون بمثابة بديل سوي لرؤى كنا قد درجنا عليها و تركت بصمة سلبية في حياتنا ]- يحيى -
إن "العلم" هو العامل و الأداة الأهم في الفلسفة الجديدة التي تتوخى الخير للمرء عند تحريره لسلوكه، و هو - أي عامل العلم - يعد البديل السوي عن عامل "المعرفة" الذي كان و ما زال يشكل أساس البناء في عموم العلاقات، و بمقتضاه -أي بمقتضى عامل المعرفة- كان يتم تحرير سلوك الأفراد عموما.
في واحدة من المقولات التي أعجبتني لمفكر غربي، قوله: " لا يمكن للرياضي أن يكون رياضيا سويا إلا أن تكون لديه موهبة شعر و أدب " - طبعا فإن المقصود بالرياضي هنا أي: من يحتكم في سلوكه و أفعاله إلى قوانين الحساب و الرياضيات - بمعنى أنه لن يكون المرء متوازنا في تسطيره لعلاقاته إلا أن يجتمع العقل و القلب معا في حل معضلاته و في تسوية أموره.
الذي دفعني إلى هذه المقدمة أن أحد الأصدقاء كان قد تعقب منشوري السابق بإشكال مفاده أنني - بمحاولة التفريق بين العلم و المعرفة - ألزم نفسي بما لا يلزم ! .. و يبدو أن صديقي قد رفض المصادقة على قولي بوجود فارق كبير و كبير جدا بين سلوك يقوم على أسس علمية و سلوك يقوم على أسس معرفية، فهو يعتقد أنه لا وجود لفارق بينهما في الأصل!
يقول صديقي: أو ليست المعرفة هي شكل من أشكال الفهم الصحيح الدقيق السوي لأحوال المادة / الحسية و المعنوية / و تقلباتها ؟! فكيف إذن لهذا الفهم السوي أن يسوق الأفراد نحو سوء و فساد ؟! ثم كيف تريد لسلوك الأفراد أن يقوم على أسس علمية و تقول بأنه هو الحل الأسلم في الوقت الذي نرى فيه أمريكا التي يقوم سلوك أفرادها على أسس معرفية نجدها تهيمن اليوم على دول العالم قاطبة و تفرض وجودها بالقوة عليهم ؟!
قلت: تقوم الرؤية العلمية للأمور إنطلاقا من قراءة سديدة للحركة الملازمة للأشياء - علما أنه لا وجود لشيء في الوجود لا تلازمه حركة - فهذا القراءة الواعية لحركة الأشياء تجعل القارئ لها على درجة عالية جدا من وعي و فهم لمجريات الأمور، و هذا يعني أنه يمكن للمرء بإدراكه التام لمجريات الحركة الكونية و ما ينجم عنها من أحداث أن يكون على قدرة باهرة في تسطير علاقات قوية و متينة تجعله و تجعل مجتمعه عموما على درجة عالية من قوة و عظمة!
و إذن مفتاح قوة و عظمة الأفراد و المجتمعات قراءة واعية لمجريات الحركة الكونية، ينجم عنها تسطير بديع و صائب للعلاقات، و ينجم عنها مجتمعا قويا يعرف كيف و متى يستثمر قدراته و مقدراته على نحو سوي و سليم و سديد
أيها الأحباب: أريدكم أن تتمعنوا جيدا في قول الله تعالى: ( و إن من شيء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم )[الحجر21]
مع التساؤل هنا عن المراد بكلمة ( معلوم )
و لماذا هي بلفظة" معلوم " و ليست بأية لفظة سواها؟
