-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

جراح برسم الضماد .. بقلم / أ. حسن ابودية

جراح برسم الضماد .. بقلم / أ. حسن ابودية

إهداء: إلى نِصالٍ عرفت طريق القلب فطعنته.

سأخبرك ذات يوم عن مدن تبتلع مدناً ، و إنسان يفترس إنساناً، و عن رجال تقضمهم لقمة العيش و يعودون في الأماسي الحزينة في توابيت وقد جمّدت المُبرِّدات دماءهم.
سأخبرك.. أنّ الوطن لم يتسع لهم أحياءَ، أتراهم يقتصون منه إذ يعودون له جثثاً يستلمهم الأهل من قسم الشحن؛ ليقولوا كلمتهم الأخيرة بصمت: كم أنت عاقٌ يا وطني!
سأخبرك...

......
سأخبرك ذات يوم عن ذاتي، وكيف نثرتها بين أصابع الريح فتاهت عبر أزقة الغياب، و يصدف أن نتلاقى فألقي التحية عليها بحيادية تامة.
مَنْ أنتَ؟
لست أدري.
مجرد روح تائهة مرّت من هنا فالتقينا.
سأخبرك، عندما يحين الوداع الأخير أنّني كنت ثملاً في أزقة أيامي، أتجرع عمري. ربما لأحلمَ بأني على قيد الحياة.
سأخبرك، كم كان الحلم لذيذاً كخبز الفقراء، كحبة تين أيقظها في الفجر منقار عصفور لتعلم كم هي شهية!
ماذا أيضاً؟
لا شيء بعد، أحتاج لغفوة قد أصحو منها فأصادفُني على كرسي مهجور.. فأتعانق معي، و أبكي بين ذراعيّ شوقاً إليّ.

.......
سأخبرك ذات مساء، كم رتّق الغريب قلبه بالصور لعله يحيا! و كم مدّ ذراعيه لمواسم فرحٍ لم يكن يدري أنه موءود! و أنّ ذاكرةً مزحومةً بالمواجع لا تعرف الابتسامة لها طريقاً.
سأخبرك، عن درب الآلام و كيف نسير فيه، و الأيام رحى تطحننا فلا ندري أين المفر. نعضّ على شفة الوجع لئلا نُسمعُ الأحبة بعض الأنين، و ليتهم يعلمون فلا يجلدون ظهر الغياب بسياطٍ كأنها الجمر إذ يلامس حد الروح؛ فلا هو يحرقها و يحيلها رماداً ولا هو يتركها تُنبتُ في جنباتها بعض البراعم اليانعة.
سأخبرك.. عني، وعن كلماتٍ أدمنها وجع النسيان، و دمعٍ كان وحيداً يتخفى في عتمة الرمل؛ لئلا يخدش ما تبقى من هيبة صورة معلقة على جدار الغرفة الفارغة حتى من الأنفاس.

.......

سأخبرك ذات مساء، أن البحر بلغ سدرة الصدق إذ لامس القدمين الحافيتين، و أنه خطّ على الرمل غَيْرته في عُجالةٍ، فتراقص القمر على وجه موجة من أمواجه كأنه يقاوم الغرق. كان صادقاً حتى في وجعه.
سأخبرك..
عن كلماتٍ قد يلهو بها الصِّبْيَة فتغدو رصاصات تنشر فوق القلب عتمة تبتلعها عتمة، و فوقها عتمات تُغيّم، فلا تجد الشمس مَشْرِقاً إلّا الجرح، و سياط الحرف تنكأ الذاكرة كلما آبَ الشفاء.
و ماذا بعد..
سأخبرك إن التقينا، أنّي لم أعد أنا، و أنّ الحرف كان قاتلي.
سأخبرك..

......

سأخبرك ذات يوم أن الفقير يحتاج لعمرين كي يرتّق جراحه، إذ لطالما كان الأفق يضيق بحلمه، و يأتي الجرح بحجم الحلم، بحجم ما نسج في العتمة من حكايا لشمسٍ خذلته ولم تشرق. فما أقسى أن يمسي الفجر امتداداً للظلام!
و تكون الحكاية، حكاية بدء و انتهاء. أصعب الطرق هي التي لا نصل نهايتها رغم أنها انهكت القدمين، و على جنباتها نزفت الروح نسغها.
سأخبرك ذات يوم كم كانت واسعة سهول القلب إذ أنبتت يانع العشب تحت قدميك! وكم كان لظى صحرائك قاسياً! قدّ شغاف القلب فأذبل براعمه، يا لوهن خيوط حلم نسجته ذات يوم! يا... و يستمر الندب حتى أبلغ برزخ العمرين، لحظة الانعتاق من حلم.

........

سأخبرك ذات مساء عن رحيلٍ مدّ ذراعيه للضلوع، وعن جندي لم يعد من معركته الأخيرة، عادت خوذته فقط، و قال الرفاق أن وصيته لأحبته أن يزرعوا فيها أزهارهم التي يحبون.
كل جهات الأرض ضاقت بجثمانه، وحدها خوذته وجدت طريقاً تعبر منه لتبقى شاهده على زمن الرجال الرجال..
سأخبرك أيضاً.. أن القصيدة هي خوذة الشاعر و أنها إذ تأتي تثير زوبعة أسئلة ليس آخرها : هل يموت الشعراء حقاً، أم أنهم في برزخ بين حياتين، و أن القصائد حياة ثانية؟
في الزمن الرديء، نزرع ورداً في بقايا القنابل احتفاءً بالحياة، فيتوه التأويل إلى استخفاف بالحرب. و لا يدرون أن سلاح الشاعر كلمات.. و أن مقتله قد يكون فيها.
سأخبرك.. كم شاعر مات بكلمة طائشة!

.......

سأخبرك ذات يوم كيف يصبح الوطن حلماً، و على العابرين إليه أن يسيروا فوق سهول من الشوك، ليس مصادفة أن يتقارب لفظ الشوق والشوك، فكلاهما يدمي، و إن كان الشوق يدمي أكثر.
في الرحلة نحو الذات نقف طويلاً عند العتبات، ربما لا نستطيع الولوج، و ربما نُمنع منه وفي الحالتين تصبح العتبة أقصى ما يصله عاشق متيّم جاء يحمل صلواته و ترانيم موجعة يبحث عبر دمعه عن لحظة أمان يلقي برأسه فيها على ساعد مفتوح كأنه السهل. فيزداد وجعاً إلى وجعه إذ يرتد خائباً، يجرُّ بعضه بعضاً نحو دروب ألِفته و لم يستطع أن يألفها في الغربات. هناك يغدو كميّت يحمل كفنه بانتظار أن يصادف في مكان ما حفرته الأخيرة.
و سأخبرك، أن الباكين على آثاره سيكونون كُثُر، و لن يكون بمقدوره أن يزأر فيهم أن لملموا دموعكم و ارحلوا؛ لأنه إذ ذاك سيكون على عتبة جديدة لم تألفه بعد.
ستسمع الدنيا عندها عن رجل حرٍّ أدار ظهره للدنيا ويمّم قلبه نحو نصل السكين، و سأخبرك إن التقينا أيّ مدىً يصله عندما نذهب إليه مقبلين.

.......

سأخبرك ذات مساء كم كان يقتلني السفر عبر مطارات لا تعني شيئاً سوى المزيد من تمرين الروح على الاغتراب! "مسافر بلا حقائب" أنقّب عبر الأحافير عن فرحٍ يرتشف حزني، و يرتجف شوقاً للعناق.
تذكّرني المدائن دوماً أنّى ذهبتُ سأجد بعضي قد مرّ هنا، و تنكأ في أعماقي جراحَ سؤالٍ يفتشُ عبر أوراقي الرّسميّة عن نهايةٍ تليق بشاعرٍ غير الأرصفة، و غير أوراقٍ بيضاء ترك عليها مساحة لحلمٍ يراوده كلّ مساءٍ.
هو أفقٌ يمتدُّ كسهلٍ أزرق أمام العينين، فلا ترى فيه غير أشواك الطريق، و وخز الأسئلة المؤجلة.
ما أبعدني عنّي! تهمس حروفي المبعثرة بين السطور، و بين أوراقٍ تستنزف دمي و أنا أُصلبُ على سطورها، فأسكبني كأس نبيذ لعاشقة تحمل الطيب للقبر الفارغ إلّا من الصلوات.
هنا قيامتي الكبرى، وهنا الرحيل بلا حقائب، و هنا مدنٌ تُشرع أوامر السّفر ليبقى القلب في حالة انتظار.
بيدين فارغتين ألجُ سيرتي الذاتية، و بمثلهما أغادر.

.....

سأخبرك ذات يوم، أن الفؤاد إذ يَزّلزل يُخرج أثقاله جروحاً و نزفاً، إذ ذاك يفغر فاه دهشةً دهرٌ زعم أنّه طبيبٌ بارع لما يصيب الروح من انكسار. و سيعترف أنّ الرحيل في الفراغ فراغ.
مدّ يدك لأبايعك على الشقاء أيها الغريب، قالت الطرقات، و عمال المطارات. و مدّ الغريب يده ليغدو القريب البعيد، واضعاً عظامه بين حجري الرحى ليصنع منها فرحاً لأحبته، فكانت رجولته في العطاء.
سأخبرك ذات يوم أنني أسقي الياسمين دمعاً و أروي الذكريات لتبقى نضرة، و لست ممن يُخجلهم الدمع، فقمة رجولتهم في دمع يغالب العين فيغلبها.

......

سأخبرك ذات يوم كم كنت أشعر بالسكينة وأنا أحضن ذاتي فيك! كان بعضي يحتضن بعضي ليحلق بأجنحة من عبق أنفاسنا عبر أفق لا يعرف الصهيل فيه نهاية.
هناك كنّا نخيط للقصيدة قوافيها، و ننسج حلماً يُدفِئنا من صقيع الخيبات، و كنّا نزركشه بالضحكات والهمسات ، و كنّا.. و كنّا..
العناق نصف اللهفة وكلّ الوجود، وإغماضة جفنٍ بسلام.
سأخبرك أنّى كنتِ أنّ الرحيل أدماني، و أن لاشيء يُبرِئ نزفي إلّا بعض أنفاس لم تزل عالقة بين أحضاني.
.....

سأخبرك ذات مساء، أنّ صوت الموج لم يعد لذيذاً، إذ عاد له طعمه المالح، و بُحْته لم تعد تثير الشجون، كالنحيب أضحت، يطلق صوته تحت قدميّ، فيتلاقى نحيبان.
الأماكن المضمخة بلهيب الذكريات توقد الجمر فيّ، و تعلن التمرد على النسيان، و أنا كالتائه تبحث ذاتي عن ذاتي، فأغصّ بالحنين.
كان للموج رقصة فرح و موسيقى ينثرها لأقدام حافية تتعانق على خديه، و غدت عويلاً يطلقه البحر فيهشّم أضلاع السكينة، و يراقص ظل عشاق مضوا قبل اكتمال الحكاية.
و للحكاية بقية سأسردها عليك ذات يوم، و سأخبرك حينها كم كان جرحي عميقاً و أنا أمارس الاحتضار في الانتظار.
سأخبرك.

اللوحة للفنانة الفلسطينية: فاتن حوشية

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية