-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

لماذا يقتلون " زهرة ؟ ؟ .. بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونه )

لماذا يقتلون " زهرة ؟ ؟ .. بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونه )

قصة قصيرة

------------------------------------

( أخر ما جادت به قريحة الكاتب ؛ ولم يسبق نشر النص من قبل ) ..
إهداء :
إلى كل " زهرة " تحمل بيدها " زهرة " ..
وإلى كل " زهور " و " زهرات " الحرية في كل مكان .

تقديم لابد منه:
" زهرة  " هي طفلة عربية .. من فلسطين .. من مصر .. من سوريا.. من اليمن .. من تونس .. من ليبيا.. من العراق .. من أي بلد عربي آخر ...
( الكاتب )
------------------------------

(( من يروي الزهور؟؟!! ))
ابنتي "زهرة " طفلة رائعة حقاً ، أنا لا أقول هذا لأنها ابنتي ، فالجميع يشهدون بذلك .. " زهرة " بلغت الخامسة من عمرها قبل أيام قلائل ، ولم نحتفل بعيد ميلادها كالعادة ، فالظروف الراهنة اجتثت الكثير من العادات والتقاليد الواردة إلينا من بلاد العجم أو الروم أو بلاد العم سام أو من بلاد الدب القطبيّ .
" زهرة " طفلة " جميلة رائعة الحسن ، جذابة بلا حدود ، براءة الطفولة بأجل معانيها مرتسمة على محياها ، تصدح بالموسيقى الهادئة عندما تفتح فمها لتتحدث ، فكانت مثاراً لإعجاب البعيد والقريب ، لجمالها الغريب ، وذكاءها العجيب ، وروعة حديثها ، وعذوبة نطقها الذي يصب في القلوب قبل الآذان .
لست أدرى لماذا تعلقت " زهرة " بسميّها من النباتات، وكأن بينهما علاقة خفية ، فلن أنس أول يوم وقع بصر "زهرة " على زهرة متفتحة في حديقة جارنا القريب ، اكتسى وجهها يومئذ بابتسامة لا أظن أني شاهدتها قبلاً على وجه إنسان ما ، شعرت بروحي تزغرد لفرحة صغيرتي وسرورها.
كانت لم تتعد السنة الأولى إلا بقليل من عمرها وقتئذ ، سارعتُ إلى تنحية الزهرة المتفتحة بعيداً عن متناول يدها خشية عبثها بها وإتلافها ، تكهرب الوجه الملائكيّ الصافي وامتزج بغضب وألمٍ لم أشاهد مثله على وجه إنسان يوماً ما ، بكت بكاءً مراً أليماً ، نظرت نحوى بعتاب ، كأنها تستنكر ما حدث وما بدر مني ، حاولت أن تنطق بحروف وكلمات لتعبر عن سخطها رغم عدم معرفتها لغة الكلام بعد ، تقدم جارنا مبتسماً ، وكان يراقب الموقف عن كثب ، مد يده إلى الزهرة ، قطفها ، ناولها لابنتي مبتسماً ، اعتقدت جازماً بأنني سأجمع قطع الزهرة المتناثرة بعد قليل ، تناولت طفلتي الزهرة بيد مرتعشة ، وسرعان ما عادت إشراقة الأمل العذبة والابتسامة الملائكية الجذلى إلى محياها ، نظرت نحو جارنا بعينين مبتسمتين غارقتين بالدموع وكأنها تشكره وبعودة السعادة إليها ، أحسست بأن الدنيا بأسرها تشاركني السعادة.
أمسكت " زهرة " بالزهرة اليانعة بين يديها برفق وعناية ، ربتت عليها بلطف وعذوبة ورقة ، رفعتها إلى شفتيها، قبلتها بحرارة ، أدنتها من أنفها ، راحت تشم عبقها الذكيّ بتلذذ وشوق ، نظرت حواليها وكأنها تبحث عن شيء ، اصطدم بصرها بما يشبه الكأس الزجاجيّ ، أخذت تسير نحوه بتؤدة، تمسك بالزهرة بعناية وحرص.
وصلت الإناء الزجاجيّ ، مدت يدها الرقيقة لتضع فيه الزهرة برفق وبطريقة سليمة.. عادت تبحث بناظريها حولها ، لعلها تبحث عن شيء آخر ؛ فشاهدت دورقاً للمياه على منضدة بعيدة ، أخذت تسير نحوه بسرعة ممسكة بحرص بكنزها الثمين ، واستندت إلى المنضدة بيدها ، حاولت أن تصل الإناء دون جدوى.
أسرعتُ للمساعدة، تناولت دورق المياه بيد ، وحملت " زهرة " باليد الأخرى .. أطبقت " أزهار" على الإناء بكلتا يديها، تحاول انتزاعه من بين يديّ ، وكأنها لا تريد أن تدع لي فرصة مشاركتها صب المياه في الإناء الزجاجيّ فرضخت لطلبها الخفيّ مكرهاً متوقعاً سقوط الإناء وتحطمه ، أخذت تصب الماء بتمهل وعناية وحرص ، لتروي الزهرة الجميلة ، فلما تم لها ذلك دفعت بالدورق إليّ ، وتنهدت مبتسمة وكأنها أدت واجباً مقدساً!! .
لم نصدق - والجيران - يومها ما حدث ، ولكنه حدث ، ومنذ ذلك اليوم بدأ تعلق " زهرة " بالزهور والورود ، ومع مرور الأيام والأعوام ، أخذ تعلقها يزداد بشكل كبير بهذا الأمر ، بدأت الأصص تزداد يوماً بعد يوم ، فأفردنا لها ركناً لا بأس به من "الفراندة " المطلة على الشارع العام ، فكان جل همها وكل وقتها مكرساً للعناية بالزهور ، وريّها الدائم ، والحرص عليها.
كانت " زهرة " بوجهها الملائكيّ البديع ، زهرة فتانة تطل من بين الزهور والورود ، فأصبحت وزهورها صديقان حميمان لا يفترقان سوى القليل من الوقت ، فكونا ثنائياً عجيباً ، فتراها تجلب الماء لتروي الزهور والورود بعناية وحرص ونظام ، أو تراها تضع قليلاً من التربة في إناء أو هي تنتزع بعض الحشائش المتطفلة ، أو ترفع بعض الأوراق الجافة ، فأصبح المشهد الخلاب جزءً لا يتجزأ ومعلماً رائعاً من معالم الحيّ ، فتعود الجميع عليه.
كان الجيران يقفون اللحظات واللحظات ، يراقبون المشهد الرائع عن بعد ، وبعضهم يفضل متابعة المشهد الرائع عن قرب .. يراقبون " زهرة " في غدوها ورواحها بين أواني الزهور والورود، وعنايتها بالأصص المتراصة ، لا تأبه بالعيون المتطفلة ، ولا تلتفت للنظرات المراقبة ، تقوم بواجبها بكل ثقة واعتداد ، وهمة ونشاط.
بدورها ، لم تكن " زهرة " بخيلة وأنانية بالاستحواذ بالتمتع بالزهور والورود ، فقد تقذف بوردة زاهية إلى إحدى الجارات ، وقد تهدي زهرة متفتحة إلى أحد الأطفال ، ولا أنكر بأنها كانت تتحفنا بين الفينة والأخرى بمجموعة لا بأس بها من الأزهار والورود الخلابة ، فتضعها في الإناء الزجاجيّ بنفسها ، وتصب الماء عليها ، وتقوم بتنسيقها بطريقة فنية بعناية وحذق.
في أصيل ذلك اليوم ، كانت " زهرة " تقوم بواجبها اليوميّ بسعادة وشغف ، تروي أزهارها وورودها وتعتني بها ، تلمسها بحنان وترتب وضعها بطريقة فنية مميزة ، تربت عليها ببراءة ، تناغيها ، ترويها بالماء من يدها والحنان من قلبها ، وبراءة الطفولة كل البراءة على محياها ، والابتسامة المشرقة الوضاءة تغطي وجهها الملائكيّ.
" زهرة " بدورها كانت مهتمة بمتابعة مجريات الأمور .. أسرت لي برغبتها العارمة بالمشاركة في " مسيرة العودة " التي كان يقوم بها الآلاف والآلاف ...
بدوري ؛ حذرتها من مغبة الخطورة الجمة التي قد تلحق بها فيما لو قامت بالمشاركة ... نظرت نجوي وابتسامة طفولية بريئة تغطي محياها وهتفت بي برقة :
" لماذا تحرمني من ذلك وها أنت تشارك بالأمر وبفعالية ؟؟ ".
بدوري ؛ فقد شعرت بمدى الحرج الذي تعرضت له .. ولم أحر جواباً ... ولم يكن بوسعي سوى أن أبتسم لها ابتسامة عريضة وكأني بذلك أعطيها إذن المشاركة .. مع مجموعة لا بأس بها من التعليمات والأوامر الصارة المشددة .
... بعد لحظات ... كنا نغادر المنزل سوية للمشاركة .. ولكنها لم تنس أن تحمل بين يديها .. بعض " الزهور " .
في المكان .. كنا نذوب وننصهر بالكتل البشرية الهادرة ..
ارتفع النداء ، ودوى الصخب والضجيج في كل الأرجاء ، وهدر الأزيز كالفحيح الصاخب ، واختلطت الأشياء بالأشياء ، لتكّون سيمفونية صاخبة نشاز ، وعم الاضطراب والفزع مخيماً على المكان مسيطراً على الجميع ؛ بعد أن قام قناصة العدو وجنوده برشق الجموع الحاشدة بالرصاص الحي بشتى أصنافه وأنواعه .. مع زخات متتالية من قنابل الغاز القاتل .. وقنابل الدخان السام ..
تراكض الجميع هنا وهناك ، بعضهم يحتمون من الموت المدوي في كل الأرجاء ، وبعضهم يبحثون عن الموت ويطلبونه بإلحاح غريب.
وتناهى إلى مسامعي صوت بعيد ، قريب ، حبيب ، ولكن لم أعهده بمثل هذه النبرات ، ولكنه صوتها ، نعم صوت " زهرة "..
- أبى .. أبى .. أدركني ، أدركني بسرعة.
أخذت أعدو ناحية مصدر الصوت ، حيث " زهرة " ، ملبياً للنداء ، مستطلعاً للأمر ، فلعل الخوف قد أصابها عند سماعها فحيح الأزيز المقيت ، أو لعلها شاهدت أحداً يصاب أو يستشهد .
ووصلت إليها ، وهالني الأمر، فلقد كانت تحاول جاهدة الاحتفاظ بين ساعديها ببقايا " الزهور " وقد اصطبغت واصطبغ المكان باللون الأحمر ، وتناثرت " الزهور من حولها، وتطايرت الدماء عليها من كل صوب وحدب  وكأنها ترويها .
.. تناولت يديها الصغيرتين بين يديّ ، أتحسسها .. أتفحصها ، لم أحس سوى كتل لحمية مهلهلة ملتهبة.. الدماء .. الدماء تتدفق بغزارة ، أين ذهبت أصابعها ؟؟!!.. أين ذهبت راحتيها ؟ كيف تلاشت ؟ كيف هذا ؟؟ هل كان هذا جزاءً لها وعقاباً، لذنب اقترفته بحمل الزهور ؟! وهل صدر فرمان بعدم حمل الأطفال للزهور؟!!
وصحوت من أفكاري على صوتها الواهي الرقيق:
- أبي ، لماذا فعلوا بي ذلك؟!! .. إنني لم أفعل شيئاً، لقد كنت أحمل الزهور.
أخذت أضمد جراحها العديدة بلا وعي ، أربت على رأسها وكتفيها بحنان بالغ.
وتابعت السيمفونية الملائكية الحزينة عزفها:
- أبي .. ليس المهم يديّ.. المهم أن لا تموت زهوري، فهل حدث لها مكروه ؟!
أسرعت إليها أحملها بين يديّ.. أهرول بها إلى خارج التجمع الكثيف ، أقذف بنفسي داخل سيارة الإسعاف ، التي انطلقت مسرعة تخترق المكان مولولة ، لم نكن وحدنا ، كان هناك العشرات والعشرات ، جلسنا إلى أرض السيارة المكتظة بالشهداء .. الجرحى والمصابين والدماء تتدفق من كل صوب ، تناهى إلى مسامعي الصوت الملائكيّ البريء الواهي:
- أبي ، وهل كان هؤلاء يحملون الزهور أيضاً ؟!!
لم أدرِ  ِبمَ أُجيب طفلتي البريئة .. اكتفيت بالنظر إلى وجهها الملائكيّ البديع رغم اصفراره ، وشبح ابتسامة على وجهها ، مزقت قطعة قماش من ثوبي أربط بها يدها ، وقطعة أخرى لليد الأخرى ، وألف قطعة للأيادي الأخرى الممتدة من حولي .
وقبل أن تغيب عن الوعيّ .. وعن الحياة ، كان الصوت الملائكيّ يتمتم ببطء شديد:
- أبي .. لقد فقدت كلتا يديّ ، فمن سيروي الزهور ؟؟
... (( أبي .. لماذا يقتلون " زهرة " ؟!! ))....

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية