أنا.. وجاري النصراني .. بقلم / سهى الطائي
حين تشرقُ شمسَ المودةِ تتآلفُ القلوبُ وتتصافحُ الارواح دون بحثٍ عن الجذور كلّْ انسانٍ ونبتته الخاصة وأينما زُرِعَ نبت ومع اختلاف الأجواء من صفارها ونقائها قد تهب رياح موسمية صاخبة تقتلع النبتة والزارع
وربما تحمل بذرات ترابها نصلا لقتل الاوبئة واطفاء نار الامراض
فتهطل حبات المطر نقيةً رقراقةً عذبةً تحيي الأرواح وتجعل الانسان انسانا من جديد ..
هكذا وكل يوم أخرج من صرحي الممرد لأرفع هامتي بوجهه مبتسما يهلل ويرحب برؤيتي لا ارى فيه الا ضحكةً باسمة وراءها تقدير او ربما استلطاف ممزوج بألفة الأرواح
اتجاذب معه أطراف الحديث كل يوم او بين يوم وآخر كنت اتذكر بحضرته جيران الطفولة حيث كنت أقطن في ذاك الحي النصراني الذي تحيطه الكنائس من كل جهة وبين قلبي ونبضي المختوم برهبةِ الاذان كنتُ أسردُ له تفاصيلَ قرعِ أجراسِ الكنائس من حولنا ووقعها على قلوبنا ؛ وبصدفةٍ جميلةٍ اكتشفُ أني كنتُ بنفس منطقته وحيِّه ؛
فتهللَ وجهُه ضاحكا يذكرني باسماء ربما قد نسيتُها وقد أتذكر القليلَ منها لفارق العمر بيني وبينه ..
حدثتُه مرةً أني كنتُ أجلُّ اباهم القس وأقدِّره حين يهطل على الدور كل يوم أحد وكيف كنت أصفِّقُ مع الاولاد مرحبين بطلته البهية وهيبته غير العادية ولباسه الموسوم بالوقار المختوم بالرهبة مرددين "جاء أبونا القس "
"جاء أبونا القس "
كنتُ أغار منكم جدا فهناك من يسأل عنكم كلَّ حين ويتفقد أحوالكم وكنتُ أقف متسمرة بباب دوركم أرمقكم بنظرات الغبطة الممزوجة باللوعة .. كنت اتمنى ان يدخل دارنا دون دعوته لاحظى بجلال زيارته دون عطف أو شفقة !!
فقال مقاطعا .. أنا متاكد أنَّ تردده بزيارتكم لخوفه من رده وعدم الترحيب به ! فقلت ربما لكن حينها كان لا مجال للخوف فالتآلف كان كبيرا والمودة كانت بأعلى سماواتها ..
أتذكر أني في مرة دخلت على أمي البسيطة أسألها وأنا خائفة من التوبيخ او الصراخ فربطت شجاعتي المعهودة بناصية رأسي ودخلت أطلق رصاصاتِ أسئلتي لثقتي اني سأصيب الهدف وستكون أمي هي ضحية أسئلة حمقاء بريئة .. فقلت لها بكلمات معدودة ..
"لم ليس لدينا أب كأبينا القس ليزورنا كما يزور جيراننا؟ "
فصمتت أمي قليلا ثم قالت اخرسي ولا تتفوهي بأشياء حمقاء مثلك !!
هنا ضحكت ضحكة المنكوبة ؛ وركضت لألعب مع صديقي العتيد الذي يرتدي سلسلة تحمل علامة الصليب أهداني إياها لحبه ومودته ..
..
