من جنس العمل.. بقلم / علي الشافعي
جفرا و يا هالربع ترعى ف مرج اخضر
ما صارت زارع بصل يحصد قصب سكر
مقطع من أغنية (جفرا ) المشهورة في التراث الفلسطيني , وتغنى على انغام المجوز مع الدبكات الشعبية , اضافة الى زريف الطول والدلعونة والسامر , والجفرة ــ يا دام فضلكم ــ هي انثى الماعز التي بلغت عامها الثاني , وتشبه الغزالة في نفورها وجمالها وحذرها , يقابلها (الثنية ) من الضأن . وترمز الجفرة للصبية الجميلة الناضجة . وقد سكب الشعراء على هذا الوزن اعذب ألحا نهم؛ من الغزل الى حب الوطن والمناسبات الاجتماعية الى الحكم والامثال .
اما المثل الذي ورد في الشطر الثاني فقد تداوله العرب على مر العصور يصيغ مختلفة كقولهم : انك لا تجني من الشوك العنب , ما تزرع تحصد , وكما تدين تدان , و من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا , وما تزرع جميز وتنتظر منه تين ... الخ .
اما الذي ذكرني به فهو حوار ساخن دار بيني وبين كل من ابنتي وكنّتي اثر سماعهما قصيدة (الله يسعد هالمسا ) , وهي قصيدة مهداة للسيدة الفاضلة لام العيال بمناسبة عيد الأم , اعترافا بفضلها علينا ( زوجا وبنين وحفدة) . لفت انتباهي يومها شدة انفعالها بالموضوع وحماسهما وتحفزهما لمنا قشته , فصاحتا بلسان واحد : بابا هل هذا الكلام عن قناعة ام مجاملة ؟ وتغامزتا بخبث , تقصدان المجاملة او السياسة :( النفاق الاجتماعي ) بلغة العصر . واردفتا : ما سمعنا احدا من أزواج هذه الايام يذكر زوجه بخير , ويعترف بفضلها حتى لو اضاءت له أصابعها كالشمع .
قلت في نفسي : فرصة لعلي أقدم لهما درسا عمليا في فنون التعامل مع الأزواج , وهذا افضل من النصائح المباشرة , ففي أيامنا هذه النصيحة ثقيلة , فدار بيننا هذا الحوار التالي , وساترك الأمر لحضراتكم لتحكموا وتجيبوا على تساؤل البنتين : هل انا مجامل ؟ وهل رجال اليوم ينقصهم الوفاء والاعتراف بالجميل ؟ بعد ان تصلوا على سيدنا النبي :
قالتا ــ لله أبوهما ــ بابا أنت مجامل زيادة عن اللزوم . قلت : لماذا اجامل وكيف , الذي يجامل اما خوفا او طمعا او تقربا من ذوي المناصب والجاه , وأنا الآن على سفر أتزود له بالعمل الصالح وليس المجاملات . قالتا : لا أحد من أزواج اليوم يعترف بجميل زوجته , قلت : سأسالكما بعض الأسئلة بشرط الإجابة بصراحة . قالتا : أسأل . قلت : لا أصدقكما حتى تقسما وتغلّظا بالقسم , فربما تجاملاني او تنافقاني , وعادة ما ينافق الابناء اباءهم لينالوا حظوة او حاجة . وبعد أن أخذت عليهما العهود والمواثيق قلت : أنت تزوجت حديثا وانت مقبلة , إذا تقدم شاب لخطبة صديقة لكما به كل المواصفات الطيبة لكنه من ذوي الدخل المحدود , قالتا : نوافق بشرط ضمان سبل الحياة الكريمة . قلت : هذه عبارة مطاطة , إذ ان سلّم الاولويات تختلف من فتاة لأخري , فمنهن سلم أولوياتها الموضة والملابس , وأخرى الفسح والمطاعم والرحلات والبرستيج , وثالثة يروقها السماع وخاصة الاطراء لكل ما تقول وتعمل , لكن ما علينا : طبعا الفتاة أثناء الخطوبة والتجهيز يسترعيها الصالونات و معارض بدلات الأفراح وصالات الأعراس , فتضع في مخيلتها فستان فرح رات مثله على الممثلة الفلانية او النجمة العلانية , فإذا قال الخطيب : انت تستحقين اجمل منه لكن مقدرتي المادية لا تقوى على استئجاره فماذا تقول : قالتا تحاول إقناعه إنها فرحة العمر , وانها تلبسه له لتشرفه امام اهله واقاربه , قلت : واذا لم يقتنع , وكانت الظروف اقوى منه , قالتا : توافق مع لوية بوز وتكشيرة , قلت : أذكر أن والدتكما ذهبت مع والدتها للسوق واختارت أرخص فستان , وعادت في قمة الفرحة ,تتحدث عن جماله حامدة شاكرة , لكن ما علينا , طيب إذا اعترض ايضا على الصالون وقال إن أمه اختارت صالونا شعبيا حسب الامكانات ودفعت عربونا , قالتا : يكبر بوزها وتعطيه محاضرة في التبعية ( ابن امه) , قلت : لكن والدتكما لم تعترض وخرجت من الصالون أبهى النساء وأزينهن , لكن ما علينا , طيب إذا قال لك أنه اختار صالة في حي شعبي او مقر جمعية خيرية مقدور على أجرتها لإقامة حفل الزفاف , قالتا : يا رب والصالة ايضا , الله يعينها يمكن تعيد النظر في حياتها معه . قلت : على زماننا ما كانت اخترعت الصالات بعد , لكن ما علينا , لندخل الآن في الجد :
طبعا على الزوج أن يوفر البيت ويؤثثه كاملا ؛ من غرفة النوم إلى الجلوس والسفرة فالكهربائيات والثريات والسجاد , قالتا : أكيد فهو الزوج وهو صاحب البيت , قلت : ولكن الاثنان يتقاسمان النفع , لكن ما علينا , وطبعا تعرفان أن غرف النوم تتفاوت في السعر من 500 الى 5000 , فاذا كانت إمكاناته لا تسمح الا بالتي ثمنها 500 ؟ قالتا الغالي سعره فيه, قلت : لكن الإمكانات لا تسمح قالتا : تبقى حسرة في قلبها طول العمر , غرفة النوم لها خصوصية , قلت لكن والدتكما لم تحصل عليها ولم تعترض ,اذ كنا على سفر , حتى اذا ما وصلنا الى القرية التي عينت بها , عمدت إلى ورشة إعمار أخذت من صاحبها بعض الألواح الخشبية والمسامير وصنعنا منها سريرا , واشترينا خزانة بلاستيكية بقينا نستعملهما قرابة ست سنوات , وعندما ترقينا اشترينا غرفة مستعلة , لكننا ربينا وعلمنا وبنينا , وحان وقت رد الجميل .
صمتتا ولم تتكلما قلت : وإذا كان غير قادر على توفير الثلاجة والغسالة الفل والفرن والدفاية والخلاط والميكرويف والمكواة , وإنه فقط يمكن أن يوفر الضروريات وإنه يمكنها استخدام أغراض مطبخ العائلة , فما اول رد لكما ؟ قالتا : وهل ستسكن مع الأهل ؟ قلت : مؤقتا حتى تتحسن الأحوال , فيشتري بيتا أو قطعة أرض يقيمان عليها بيتهما , فما رايكما ؟ قالتا : (موت يا حمار ليجيك العلف ) , مالذي يجبرها على هذه العيشة , صراحة : من حقها أن تعيد النظر في مواصلة الدرب معه , قلت : لكن والدتكما صبرت 15 سنة قبل أن ترى ذلك البيت , وكان جزءا من ثمن قطعة الارض من صيغتها , وأنتما تريانها كم هي متعلقة بحجارة بيتها , متفانية في خدمة أفراد أسرتها رغم كبر السن واعتلال الصحة .
أقول ــ يا دام عزكم ــ إذا كان هذا راي شريحة كبيرة من البنات في هذا العصر , وإنه من حقها أن تعيد النظر في حياتها مع شريكها بسبب ظروف خارجة عن إرادته , أليس من حقه هو أيضا ــ حسب هذا الراي ــ أن يعيد النظر هو في حياته معها , إذ كيف نطالب بالوفاء من لم يجده في شريكة حياته . طبتم وطابت أوقاتكم
