أحلامٌ ملوَّنةٌ ....... يعجنها الصَّبرُ .. نص / مرام عطية
خلفَ صمتهِ الكبيرِ وطنٌ بحجمِ السَّماءِ ، غرَّتهُ معقودةٌ ، عيناهُ داميتانِ ، جراحهُ خلجانٌ ومحيطاتٌ ، أوجاعهُ غاباتٌ لا تنتهي ، و سحبهُ الماطرةُ جفَّفها لهيبُ القذائفِ والصواريخِ ، بلابلهُ المغرِّدةُ اغتصبها الجلادونَ بمدياتِ الجهلِ ، أسرابُ البجعِ الوادعةُ نهشتْها أظافرِ الحقدِ ، و نجومهُ العاشقةُ استباحتْها طائراتُ سادةِ الحربِ الظَّالمينَ
تؤلمهُ شظايا التَّاريخِ التَّليدِ المكسورُ في شرايينهِ
و انتظارُ البُنِ على شرفاتِ قريتهِ أحبةً اعتادَ أن يسقيهم من ركوةِ الصباحِ ، كما يعذِّبهُ اختباءُ جوقةِ عصافيرَ اعتادتْ أن تزقزقَ بين أضلاعهِ ، وطفولةٌ مهشَّمةٌ بين فكي ذئبٍ بشريٍّ لا يملك سبيلاً لإنقاذها .
يمسحُ دمعةً مكابرةً على أجفانِ عشبِ الرَّجاءِ
اليصرخُ على الأرصفةِ المنسيةِ التي ناهضها الترابُ ، وعلى الأسطحِ الترابيةِ اليسقيها من دنانهِ الشِّتاءُ العطوفُ ، وبين شقوقِ المنازل التي حولتها الحربُ إلى أنقاضٍ .
يتعبهُ ذاكَ الموروثُ المخلوطُ بالعفونةِ المتكئُ على كتفيهِ ، لا يدري أيرميهِ جانباً أم ماذا؟ ويمشي خفيفاً
ليعجنَ من جديدٍ صلصالَ باقةٍ أحلامٍ ملوَّنةٍ شذيَّةِ الفوحِ نديةُ الكؤوسِ طحنتها رحى الحربِ الضَّروسُ ؟!
تراهُ يلملمُ بللورها المتناثرِ في الطرقاتِ ، ينأى عن إهمالها رفقاً بقلبٍ يفترضُ أنْ يحملَ أبناءهُ حينَ تتلاطمِ الأمواجِ ، وتعصفُ الرياحِ إلى شطِّ الأمانِ
قال لي النَّسيمُ : لا تطيلوا المكوثَ أمامهُ ، ولا تقسوا في السؤالِ ، فقط انثروا أوراقَ الوردِ وقطفةً من الحبقِ بين جيدهِ و عينيهِ
فقد حدثتني دموعهُ الْيَوْمَ أنَّهُ سيرتدي ثوباً مطاطياً عريضاً للصبرِ يتسع لكلِّ أحزانهِ ، ويبتاعُ أكياساً جديدةً تكفي لكلِّ خيباتِ وخرائبِ هذا الوطنِ المدمى بعدَ أن ضاقتْ الصناديقُ العتيدةُ بجثامينِ فراشهِ .
___________
