ظاء و ضاد
(راوونه الموت حته نرضه بالصخونة)
نص :: نداء مبارك / العراق
في الخامسة عشر من عمرها، حين اختطفها احدهم وهي عائدة من مدرستِها، ليساوم بها والدها المُتخم بالغنى؛ فتاة لم يعرف الخوف طريقهُ إلى قلبها، شعرت بشئ منه حين وصل بها مُختطِفها الى احد الاماكن المهجورة خارج المدينة، يتفاقم خوفها وهو يدفع بها الى غرفة مظلمة، تجهل مصيرها، هل ستُقتل ام ستُغتَصب؟ ترتعد فرائصها، وترتجف جوارحها من ملامحه ونظراته، فقد يريد الشرَ بها؛ مرت ايام وشهور، وهي على تلك الحال، كل يوم تتوجل من اساءة قد تصدر منه تجاهها، ولكن لم يحصل ما تفكر به، فكان المال مبتغاه فحسب؛
وبمرور الايام تعاطفت "الضحية مع الجلاّد"! بسبب إحساسها بالامان من بعد ايام من الرعب والخوف! واخيراً عثرت الشرطة عليها واعادتها الى والدها؛ الغريب ان الفتاة قامت بإشعال شمعة حيث يرقد جسد خاطفِها !!
فتاة اخرى، وحالة خطف مشابهة للاولى، الضحية "تُبرر"لخاطفِها اسباب جريمته، فقد كان عطوفا معها حتى انه سمح لها بالتجول، لطفاً منه!
موظفي مصرف في ستوكهولم الذين أُحتجزوا كرهائن من قبل لصوص حاولوا سرقة المصرف عام ١٩٧٣ في السويد، رفضوا التعاون مع الشرطة لتحريرهم من اللصوص، لانهم كوّنوا علاقات ودّية معهم اثناء فترة الاحتجاز! لدرجة انهم دافعوا عن مختطفيهم فيما بعد.
المختصون يحللون ما يحصل: "يتكون لدى الرهائن شعور إيجابي قوي أصيل تجاه خاطفيهم، يرفضون من خلاله أن يكون ذلك الشخص هو من عرضهم لذلك الموقف، ويتأصل لديهم شعور بأنه هو الشخص الذي سيمنحهم الفرصة للعيش" كما توصل البعض إلى دراسة الحالة بشكل مكثف ليصل إلى تشخيص حالة قديمة قدم التاريخ البشري والتي اصطلح على تسميتها لاحقا "بمتلازمة ستوكهولم"
تعرّف متلازمة ستوكهولم"أنّها حالة نفسية تدفع المصاب بها إلى التعاون مع المختطِف او المعتدي،فيبدي المصاب ولاءه له، بمعنى اخر: وضع شخص أو أشخاص في موقف لا يملكون معه القدرة على التحكّم بمصيرهم، ويشعرون بالخوف الشديد من التعرّض للإيذاء الجسدي، ظانين أنّ السيطرة تكمن في يد الخاطف، فيلجأ هؤلاء الأشخاص لطريقة ما للنجاة، قد تتطوّر إلى استجابة نفسيّة تتضمن التعاطف معه!!
هناك مجتمعات بالكامل مصابة بمتلازمة ستوكهولم، لانها تُدافع عن "جلادها" وتصنع منه الطاغية وتمهد لسيطرة الخونة واللصوص! لانها تشعر بالامتنان كونها رهينة بيدهم، ولذلك يفسر البعض تعاطف بعض الشعوب مع حكامها حتى بعد سقوطها! كما تفسر لنا "المتلازمة" خنوع الشعوب العربية لعشرات بل مئات السنين لحكم الطغاة ومحاولة اعادة الديكتاتورية الى الحكم.
كلنا سمع بذلك الفقير المعدم الذي يحمل "حذاء عسكريا" على رأسه ليؤكد أنه مع ذلك الرجل الذي أفقره وحنى ظهره وفرض عليه الضرائب الباهظة !!
يقول احد المختصين: علاج متلازمة ستوكهولم يتطلب جهدا مضنياً من المعالجة السلوكية، بهدف تغيير صورة المعتدي في ذهن الضحية، من منقذٍ رائع إلى حقيقته كوحش يقتات على الغباء والغفلة وقلة الحيلة، واعتقاد الضحية أنها ليس بشيء دون سجّانها!
مسك الختام: اغلب الشعوب العربية بحاجة ماسة للمعالجة السلوكية لانها بالتاكيد مصابة بمتلازمة ستوكهولم، كونها (رهائن) لدى حكامها، ولازالت تعلن الولاء لهم وتشعرهم بالامتنان جراء بؤس مايقدمون لشعوبهم ولبلدانهم بعدما اذاقوهم الموت الزؤام!هناك مثل شعبي عراقي : (يراوونه الموت حته نرضه بالصخونه)!!
