فضاءٌ حرّ
الحلقة رقم " 1 "
الدكتور بومدين جلالي - الجزائر
سلامُ السلامِ عليكم ومودّة التواصل في احترام ووئام لكم منّي أجمعين ... وبعد : بكلّ حبور؛ يطيب لي أن أقدّم لكم نفسي : أنا بومدين جلّالي، أكاديميّ وأديب عربيّ جزائري، مختصّ في الأدب المقارن ومهتمّ بقضايا الحياة، لي دراسات وإبداعات منشورة ورقيا وإلكترونيا، وسأعرض عليكم مستقبلا بعض اهتماماتي من خلال نافذة "" فضاء حر "" وهذا لا من أجل متعة الكتابة والقراءة فقط، ولا من باب البحث عن التأثير والتأثر المجرّدَين، وإنما أفعله بهدف التواصل والتحاور والتفاعل والتفكير معاً في غد آخر يختلف كثيرا أو قليلا عن حاضرنا العربي الذي يمكن أن نطلق عليه مجمل التوصيفات المتوفرة في اللغات الإنسانية ما عدا الجودة بمختلف دلالاتها القاموسية وإحالاتها المجازية الممكنة. والفضل في فتْح هذه النافذة يعود إلى الأستاذ عدنان محسن المهداوي الذي اتصل بي من العراق ملتمسا أن أساهم في "" مجلة دار العرب "" و"" صحيفة الوطن الدولية ""، ولو بالقليل، فوافقت بشرط واحد تختصره الحرية المشار إليها في وسْم العنوان. وأوّل موضوع سأتناوله، من دون إطناب مملّ ولا إيجاز مخلّ، هو " الكتابة " ... فما أكثر الكُتّاب العرب من الجنسين وفي مختلف مجالات الإبداع والبحث، لكنّ الكتابة بمعناها الإبداعي الجميل وبمعناها البحثي الصارم غائبة أو تكاد أن تكون غائبة إلا فيما ندر، والنادر لا يقاس عليه. لغة الكتابة رديئة إلى درجة التدني عن مستويات اللهجات الدارجة هنا وهناك، الأفكار مسطّحة مستهلكة يعافها العام قبل الخاص، التحكّم في أجناس الإبداع ومناهج البحث من مستحيلات ثقافتنا الراهنة، إدراك منتجي هذه الكتابة اللاكتابة ومنتجاتها لواقعهم وموروثهم وانفتاحاتهم على غيرهم يكاد أن يساويَ بلغة أهل الرياضيات الصِّفْر، رؤاهم الاستشرافية المستقبلية لا شمس فيها ولا قمر، غايتهم الأولى والأخيرة هي أنهم كتبوا من غير أن يكتبوا بحثا نافعا أو إبداعا رائعا أو أي شيء يحفظ لهم ماء الوجه إن كان في بعض الوجوه ماءٌ أصلاً، وقسْ على ذلك من مثالب الكتابة المعروفة وغير المعروفة بعد ...وهذا له دلالات متعددة؛ منها انتفاخ الأنا المنتج بنرجسية مفرطة مؤسسة على عقد الفراغ؛ ومنها احتقار المنتج للمتلقي في شكله الفردي والجمْعي، ومنها عبثية الوجود نتيجة القطيعة بالسلف والخلف معاً، ومنها ضغط مساوئ اللحظة التاريخية الراهنة ... لا أيتها الأوانس، لا أيتها السيدات، لا أيها السادة ... فالكتابة - أوّلا - وعيٌ بصيرورة اللحظة الوجودية الحضارية وطبيعة الصراع فيها، وهي مختلفة جدا عن اللحظات العادية، وجلّ كتّابنا اليوم لا علاقة لهم بهذا الوعي الضروري، أو وعيهم معكوس، أو مشوّه، أو ناقص... والكتابة - ثانيا - رؤية استشرافية تؤسس لغد مختلف مساير للتطور البشري بما له وما عليه، وفاعل فيه من موقع تواجد الكاتب وقدراته وانتمائه وقناعاته في الحياة ... والكتابة - ثالثا - مسؤولية ذاتية وثقافية وحضارية يتحملها الكاتب بحريته دون أن يمليها خضوع لقوة مهيمنة في عصر القوة المهيمنة سياسيا وعسكريا وتقنيا واقتصاديا إعلاميا وغير ذلك ... والكتابة - رابعا - إتقان لأداتها، ولا أداة للكتابة خارج اللغة بتفرعاتها المعرفية المتعددة وتراكماتها التاريخية المعبرة عن الانتماء والهوية والمسار والطموحات، إذ في مجال البحث فالمطلوب هو الرصانة والدقة والإحاطة بجزئية الجزئية وهذا يتأتّى من زاد كبير ورؤية واضحة وعقل متدبّر، وفي مجال الإبداع فالمطلوب هو المَلَكَة الجمالية ذات الصقل بصناعة منمازة ... والكتابة - خامسا - رسالة ذاتية مجتمعية حضارية، لها غايات مباشرة وغير مباشرة متدرجة في الزمان والمكان بحسب الظروف والضرورات ... وبناءً على هذا؛ فالكتابة وعي ورؤية ومسؤولية وإتقان ورسالة. ومن لا حظ له في هذه العناصر فهو يكتب لأكل بعض الخبز - بما لهذا المنحى وما عليه - أو ملْء بعض الفراغات مؤقتا، ولا شيء غير ذلك . مع الإشارة إلى أن هذه المكونات الرئيسة في صناعة الكاتب يمكن أن تكون مهتزة أو ناقصة قليلا أو كثيرا عند الشباب، وهذا أمر طبيعي ومعقول جدا، والزمن المساند بالاجتهاد كفيل بحل الإشكالات التي لا علاقة لها بالملكة. أما خارج عصر الشباب فاهتزازها أو نقصانها هو الذي يجعلنا نفهم فهما عميقا لماذا قسّم العرب القدامى أهل الشعر إلى شاعر وشُوَيْعِر وشُعْرور، وهكذا في بقية أنواع الكتابة ... وإلى اللقاء في الحلقة المقبلة ......................... تحياتي. أ. د / بومدين جلالي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سلامُ السلامِ عليكم ومودّة التواصل في احترام ووئام لكم منّي أجمعين ... وبعد : بكلّ حبور؛ يطيب لي أن أقدّم لكم نفسي : أنا بومدين جلّالي، أكاديميّ وأديب عربيّ جزائري، مختصّ في الأدب المقارن ومهتمّ بقضايا الحياة، لي دراسات وإبداعات منشورة ورقيا وإلكترونيا، وسأعرض عليكم مستقبلا بعض اهتماماتي من خلال نافذة "" فضاء حر "" وهذا لا من أجل متعة الكتابة والقراءة فقط، ولا من باب البحث عن التأثير والتأثر المجرّدَين، وإنما أفعله بهدف التواصل والتحاور والتفاعل والتفكير معاً في غد آخر يختلف كثيرا أو قليلا عن حاضرنا العربي الذي يمكن أن نطلق عليه مجمل التوصيفات المتوفرة في اللغات الإنسانية ما عدا الجودة بمختلف دلالاتها القاموسية وإحالاتها المجازية الممكنة. والفضل في فتْح هذه النافذة يعود إلى الأستاذ عدنان محسن المهداوي الذي اتصل بي من العراق ملتمسا أن أساهم في "" مجلة دار العرب "" و"" صحيفة الوطن الدولية ""، ولو بالقليل، فوافقت بشرط واحد تختصره الحرية المشار إليها في وسْم العنوان. وأوّل موضوع سأتناوله، من دون إطناب مملّ ولا إيجاز مخلّ، هو " الكتابة " ... فما أكثر الكُتّاب العرب من الجنسين وفي مختلف مجالات الإبداع والبحث، لكنّ الكتابة بمعناها الإبداعي الجميل وبمعناها البحثي الصارم غائبة أو تكاد أن تكون غائبة إلا فيما ندر، والنادر لا يقاس عليه. لغة الكتابة رديئة إلى درجة التدني عن مستويات اللهجات الدارجة هنا وهناك، الأفكار مسطّحة مستهلكة يعافها العام قبل الخاص، التحكّم في أجناس الإبداع ومناهج البحث من مستحيلات ثقافتنا الراهنة، إدراك منتجي هذه الكتابة اللاكتابة ومنتجاتها لواقعهم وموروثهم وانفتاحاتهم على غيرهم يكاد أن يساويَ بلغة أهل الرياضيات الصِّفْر، رؤاهم الاستشرافية المستقبلية لا شمس فيها ولا قمر، غايتهم الأولى والأخيرة هي أنهم كتبوا من غير أن يكتبوا بحثا نافعا أو إبداعا رائعا أو أي شيء يحفظ لهم ماء الوجه إن كان في بعض الوجوه ماءٌ أصلاً، وقسْ على ذلك من مثالب الكتابة المعروفة وغير المعروفة بعد ...وهذا له دلالات متعددة؛ منها انتفاخ الأنا المنتج بنرجسية مفرطة مؤسسة على عقد الفراغ؛ ومنها احتقار المنتج للمتلقي في شكله الفردي والجمْعي، ومنها عبثية الوجود نتيجة القطيعة بالسلف والخلف معاً، ومنها ضغط مساوئ اللحظة التاريخية الراهنة ... لا أيتها الأوانس، لا أيتها السيدات، لا أيها السادة ... فالكتابة - أوّلا - وعيٌ بصيرورة اللحظة الوجودية الحضارية وطبيعة الصراع فيها، وهي مختلفة جدا عن اللحظات العادية، وجلّ كتّابنا اليوم لا علاقة لهم بهذا الوعي الضروري، أو وعيهم معكوس، أو مشوّه، أو ناقص... والكتابة - ثانيا - رؤية استشرافية تؤسس لغد مختلف مساير للتطور البشري بما له وما عليه، وفاعل فيه من موقع تواجد الكاتب وقدراته وانتمائه وقناعاته في الحياة ... والكتابة - ثالثا - مسؤولية ذاتية وثقافية وحضارية يتحملها الكاتب بحريته دون أن يمليها خضوع لقوة مهيمنة في عصر القوة المهيمنة سياسيا وعسكريا وتقنيا واقتصاديا إعلاميا وغير ذلك ... والكتابة - رابعا - إتقان لأداتها، ولا أداة للكتابة خارج اللغة بتفرعاتها المعرفية المتعددة وتراكماتها التاريخية المعبرة عن الانتماء والهوية والمسار والطموحات، إذ في مجال البحث فالمطلوب هو الرصانة والدقة والإحاطة بجزئية الجزئية وهذا يتأتّى من زاد كبير ورؤية واضحة وعقل متدبّر، وفي مجال الإبداع فالمطلوب هو المَلَكَة الجمالية ذات الصقل بصناعة منمازة ... والكتابة - خامسا - رسالة ذاتية مجتمعية حضارية، لها غايات مباشرة وغير مباشرة متدرجة في الزمان والمكان بحسب الظروف والضرورات ... وبناءً على هذا؛ فالكتابة وعي ورؤية ومسؤولية وإتقان ورسالة. ومن لا حظ له في هذه العناصر فهو يكتب لأكل بعض الخبز - بما لهذا المنحى وما عليه - أو ملْء بعض الفراغات مؤقتا، ولا شيء غير ذلك . مع الإشارة إلى أن هذه المكونات الرئيسة في صناعة الكاتب يمكن أن تكون مهتزة أو ناقصة قليلا أو كثيرا عند الشباب، وهذا أمر طبيعي ومعقول جدا، والزمن المساند بالاجتهاد كفيل بحل الإشكالات التي لا علاقة لها بالملكة. أما خارج عصر الشباب فاهتزازها أو نقصانها هو الذي يجعلنا نفهم فهما عميقا لماذا قسّم العرب القدامى أهل الشعر إلى شاعر وشُوَيْعِر وشُعْرور، وهكذا في بقية أنواع الكتابة ... وإلى اللقاء في الحلقة المقبلة ......................... تحياتي. أ. د / بومدين جلالي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البريد الإلكتروني : b.djellali@yahoo.fr
