قراءة تأويلية لنص الأديبة
الدكتورة راوية الشاعر الموسوم " لدي نصوص سيئة السمعة"
بقلم الشاعرة والأديبة/ شـــــذى البــــراك
" لـــدي نصــوص سيـــئة السـمعـة"
"اختراق اللامعقول لشيفرات الواقع بمكر إبداعي مضيء"
نص يقدح زناد التأويل من العتبة. يصعقنا بغرائبيته، ويدير دفة ملكاتنا الحسية وهو يتشح بسخرية سوداء في التصريح الصادم" لدي نصوص سيئة السمعة"، فهو بمثابة بيان شعري يستفز لدينا عنصر الإثارة، ويجرنا من أعناقنا لنلح إليه.
وعلى نار هادئة ينضج الحرف في النص لإبراز المعايير المقلوبة، لنرى أن الشاعرة تضع الزمن في مرايا سوداء، ليس لأن العيب في الزمن، بل لانقلاب المعايير في مجتمع يقمعها ويئد حضورها، إنها امرأة متمردة تثور على نفسها لتترجم رفضها الواقع.
لعل النص شهادات إدانة لكل المظاهر التي تخرق البنية الإنسانية والمجتمعية، والتي تقع تحت سلطة التخدير أو تخدير السلطة.
إنه ببساطة صرخة عالية خارج أبجدية اللامنطق التي حولنا.
ثيمة النص متعددة وذات إيقاع صاخب برؤاه وانفعالاته وصوره التواصلية..
ورغم تعدد الثيمات إلا إن إيقاع النص واحد منذ بدء القصيدة حتى نهايتها.
غارقة في التشكل الفلسفي تارة والنقد اللاذع المغني بدلالاته من خلال الاستعارات والتشبيهات تارة أخرى.
إننا نقف أمام نص خلاق متعدد الرؤى. بارع في تصوير المشهد السياسي والاجتماعي.
أغلب صور النص ذهنية مكثفة ومبتكرة.تخلق مفارقات وجماليات جديدة تثير الدهشة والجدل في آن معا.
أنها تشير إلى بوصلة عمياء يقدها خجل المرتابين، حين تغرق الأزقة بالنعاس. كناية عن الغفلة التي تغرق بها عامة الناس.
و" انفراط الدكاكين" إشارة إلى تعدد الاتجاهات والإيديولوجيات التي تعصف بالمجتمع. كالسفينة التي يكثر ملاليحها فتغرق، كما في المثل الشعبي.
يلسعنا الحرف بجذوة الألم وهو يرسم المعاناة من الواقع السياسي والاجتماعي برمزية عميقة ومؤثرة.
إنها تكتب عن الشوارع المظلمة، فالظلام هنا رمز للظلم والخواء الداخلي والعمى الوجداني، وهنا تناص مع الآية الكريمة " إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".
هذا الظلام الذي تشاكسه المصابيح، وهنا إشارة إلى أزمة الوعي التي تؤدي إلى أن يكون الظلام هو المتسيد الحاكم في المشهد.
و هيستريا وعد انزوى وهو يفترس براءة البياض ونبل الخلجات في ذاكرة الغدر.
وتمضي الشاعرة في رسم الواقع بسخريته السوداء، مع أن سمة النص تتسم بتناسق الصور والاستعارات والتشبيهات الرائعة.
//,تشاكسها المصابيح//
//وعد باع سخونته//
//نعاس الأزقة//
// عرق الأقمار على
جلد الأرصفة المرتعبة من التحديق//
//فحاكم البلاد يرش الأرض بالشهداء//
ونحن تبرع في بذر الخطوط السوداء..
على فداحة الصور//
إنها تترك أثرا موجعا في الوجدان. تطعن الحلم بهفوة حاكم يقدم الأبرياء قرابين لنزعته الاستبدادية.
وتتوالى الصور المؤثرة.
إنها توثق نكوصنا ونحن نبحث في أيامنا عن محطات للتراخي والكسل ونؤطرها بقفشات، بينما صدى التطرف يقدمنا وجبات دسمة لموت مؤجل.
فالمجتمع هو من يسوغ للواقع السياسي والاجتماعي المتردي...
وتستمر الشاعرة في نقدها اللاذع في إبراز هذا الواقع في ظل دستور يدعي أنه يستقي مبادئه من قيم السماء، باستعارات لطيفه، حين تلجىء الحاجة المرأة التي فقدت المعيل في ظل هذا النظام الذي يقع على عاتقه تأمين الحياة الكريمة، فتضطر إلى أن تنفق مياسمها في أزقة التشرد..فتقول:
//ألوح للمنابر بفساتيني القصيرة..
وشعري المعجون بالتشرد//
ثم تعطف الشاعرة إلى رؤاها الفلسفية مترجمة أحاسيسها بين أتون الأسئلة المشتعلة، ربما عن الوجود وماهيته وأقدارنا التي لا تأخذنا إلى ركن وثيق، وانكفاء الأجوبة التي تعربد دون وضوح للرؤية في مستقبل مغلف بالغموض.
أنها تؤطر الموت المجاني بفلسفة التاريخ الذي تستل منه استنطاق إحدى الآت الحرب القديمة كناية عن الفتن التي تعصف بنا وامتدادها الزمني عبر التاريخ.
// أفسر للنشاب حنكة الأقواس//
من خلال الحس الجمالي، يصبح النص مشروعا للتفكير، إذ لا نهاية للإشارات التي ترافق النص.
النص&&&
لدي نصوص سيئة السمعة
لأني ببساطة..
أكتب عن الشوارع المظلمة..
التي تشاكسها المصابيح
عن مقعد فارغ
ل..وعد باع سخونته ل قميص متمرد
أكتب عن قبلة يقدها خجل المرتابين
من نعاس الآزقة وانفراط الدكاكين
أرسم عرق الأقمار على جلد الأرصفة
المرتعبة من التحديق
لدي نصوص لا دخل لها بالصيت
ف.حاكم البلاد يرش الأرض بالشهداء
و نحن نبرع في بذر الخطوط السود
على فداحة الصور
نقلب التلفاز بحثا عن عطلة مؤقتة
ونترك الأخبار تخبز أيامنا
التي تفوح منها المبتات المؤجلة
لدي نصوص لا يحترمها الدستور
فأنا ألوح للمنابر بفساتيني القصيرة
وشعري المعجون بالتشرد
لا أفصل بين قيامة الأسئلة
وعربدة الجواب الأخير
أكافح جدا كي يظل المعنى عاريا
تلفه اللغة بشبقها المستورد
يموت نصل الممحاة في
سطر صادح
ل يحيا غول المسافة في
نص أخرس
أفسر للنشاب حنكة الأقواس
عن قدسية تربط بين انحناءة الصبر
و ضراوة الألم
لا أملك خيمة واحدة
أنا النازحة إليك من أول غزوة للعطر
ف حين تكون العيون خنادق
نناور..نناور جدا حد
السقوط
لدي نصوص لا تباركها الشاعرات
المرأة في بلدي تخافها
شراسة التدوين
يسلبها الميراث غناء
الشراشف البيض
ينكرها التمرد على المألوف
نصوص تكتب بمرارة
الطمأنينة
التي تفشل في إسكات جوع المحاولات
نصوص مريبة
هلاكها في عقول تشرب
بلادة الرفوف
وتدعي حكمة الأولين
تغمس أمي فيها فرشاة الندم
كي يدوم رونق الكذبة الأولى
السمعة التي يلمع على ظهرها اسمي
اسمي المطعون ب زخرفة الندب
على قطعة قماش معلقة
على جدار غريب
لدي نصوص سيئة السمعة
كهذه الكتف التي تحمل
جثث اللاجئين من الأمل
راوية الشاعر

