آخر الاشجار
أ . عدنان هادي - العراق
كنتُ أُربّي في دمي جناحين،
وأسمّي السقوطَ تدريبًا على الطيران.
كنتُ أقفزُ بين الأغصان،
لا لأبلغ شجرةً أخرى،
بل لأقيسَ اتساعَ الفراغ.
وكان أبي،
آخرُ الأشجار،
يقفُ جالسًا عند باب البيت،
كأنَّ التعبَ اخترعَ له هيئةً جديدة.
يحدّقُ في الشمس،
لا لأنها تغيب،
بل لأنها تحملُ النهارَ معها،
وتتركُ الظلالَ ترعى خرائبَ القلب.
كلَّ مساءٍ
كانت الأبوابُ تُغلَقُ ببطء،
فيرتجفُ الهواءُ من حوله،
كأنَّ الليلَ حيوانٌ
يلتهمُ الطرقَ المؤدية الى الغد.
ينامُ،
ولا ينام.
يضعُ أذنَه على الأرض
لعلَّه يسمعُ خطى الشمس
وهي تعودُ من منفًى بعيد.
وحين يفتحُ عينيه
يرى الجرحَ وقد صارَ وطنًا،
وصارَ الدمُ لغةً
تتحدّثها الجدرانُ والأيدي والوجوه.
أمّا هو،
فلم يعد يملكُ إلا نظارته،
يرفعُها مثلَ مصباحٍ صغير
في وجهِ العتمة،
ولا يقوى
إلا على تأجيلِ الانكسار

