الشاعرة آمنة محمد ناصر .. تكتب :
قراءة في شعر الشاعرة الفلسطينية نهى عودة
من الغياب إلى الرماد وتصوّف الهوى والمقاومة
قراءة في قصيدتي ' امرأة صوفية الهوى. و صباح الخير أيها الغائب الذي لا يشبهني " للشاعرة نهى عودة
تحية من القلب إلى جميع المشاركين والمشاركات من ملتقى الشعراء العرب فردا فردا وتحية من القلب إلى " ياسمينة عكا" كما أسماها الاديب ورئيس الملتقى استاذ ناصر رمضان عبد الحميد هذه الياسمينة التي أزهرت في ذاكرة الحب. والمنفى فتقمصّت القضية في ضميرها وتصوّرت نافذة تمتد على قضبانها بالرؤية الداخلية والشعر .
لقد أصاب الأديب ناصر رمضان عندما عنون دراسته " بين الشعر والمنفى " وكلّنا يعلم بأن تناول كلمة " منفى " تذكرنا مباشرة بفلسطين وشعرائها . ولم تأت هذه اللفظة عن عبث من استاذ ناصر وهو يعلم هوية الشاعرة نهى وظروف حياتها ومنشئها وولادتها بعيدا عن بلدها الأم . فأجده قد أطلق على الشاعرة لقب" ياسمينة عكا " كمرادفين لأصولها " عكا" واشتهار هذه المدينة بالياسمين ومن ثم عرّف عنها بكلمتين تختصران وظيفتها : الشعر والسبب المؤدي له هو المنفى لذلك فإني اهنىء ذكاء استاذ ناصر بالإختيار لأن المنفى هو الذي يؤدي إلى غزارة الشعر وكثافته لأن الشاعر يلقي ثقله على الحبر ويبحث عن مكانه وهويته اللذين افتقدهما . والشاعرة نهى على غرار كل الشعراء الذين كتبوا ووصفوا المنفى في أشعارهم فالشاعر محمود درويش في كتابه " في حضرة الغياب " قد وثّق معنى المنفى حين قال : " المنفى أن تكون في مكان لا يكون فيك " وقد عبّرت الشاعرة عودة في قصيدتها " صباح الخير ايها الغائب الذي لا يشبهني "
والشاعر نزار قباني الذي كان منفيا عن دمشق وعن حبيبته فكتب عن المنفى فقال : أنا منفي .. وكيف يكتب شاعر بعيدا عن دمشق
الشاعرة غادة السمّان عبّرت عن المنفى في كتابها " كواليس بيروت "
كذلك الشاعرة زليخة ابو ريشة التي عبّرت عنه في كتاب " عناق على تخوم الموت "
لذلك فإن العلاقة بين الشعر والمنفى هي علاقة ولادة اي إن المنفى هو رحم الشعر الحديث العربي الذي تنتمي كتابات الشاعرة نهى إليه .
فالمنفى يعني فقدان المكان من هنا تولد الذاكرة فيكتب الشاعر ليستعيد بيته وحيّه وشارعه بواسطة الحبر . كما أن المنفى يعني فقدان الحبيب والأهل فيوّلد الغياب فيصير الشعر رسالة لا تصل . كما المنفى يوّلد التساؤل عن الهوية والإنتماء " من أنا ؟ ولمن انتمي ؟ هنا تولد المقاومة إذ أن الكلمة تصبح سلاح من لا سلاح له ،خصوصا الكلمة المرتبطة بمعاني القهر . لذلك فإن المنفى يزيد من كثافة اللغة لأن الشاعر ليس عنده ارض فيرمي ثقله على شعره وحبره .
كما يقول قباني : ليس لدي وطنا أعلّق عليه حبّي وبندقيتي
فإن العنوان المرافق للقب يعبر عن هوية شاعرة كثيفة اللغة وعميقة المعاني بسبب منفاها ومعاناتها .من هنا ندرك أن جرعة الوجع في شعرها دسمة .
وقد تناولتُ قصيدتين للشاعرة نهى بهدف الغوص في دلالاتهما " قصيدة صباح الخير ايها الغائب الذي لا يشبهني " وقصيدة " امرأة صوفية الهوى "
فوجدت فيهما المنفى " بشتى أنواعه " والحب في تصوفه فاكتملت الصورة الجمالية عن امرأة لم يحرمها المنفى من الحب لكنه حرمها من إحيائه .
وجدت أن القصيدتين تعبّران عن المنفى ولكن " منفى من نوع آخر
نهى عودة لا تتكلم عن منفى جغرافي مباشر. تتكلم عن ثلاثة أنواع من المنفى متداخلة:
اوّلها المنفى العاطفي حين قالت :
الانتظار لا يكسر أطراف الطريق فقط بل يكسرنا نحن"
أي إنّها منفية من الحبيب. هو "غائب لا يشبهها" فصارت غريبة في علاقتها.
هذا هو منفى القلب. أسوأ أنواع المنافي لأنك تكون منفيا داخل بيتك.
أما المنفى الثاني فهو المنفى الذاتي / منفى الهوى
حين تقول :فاستكبرت الأطياف عن الرجوع فيك و"لم أكن سيئة"
يعني أنها منفية من ذاتها القديمة. "المرأة التي كانت تحب". قتلتها وتركت رمادها.
هذا منفى نفسي: أن لا تعود قادرة على الرجوع لنفسها الأولى.
وثالثا نجد المنفى الفلسطيني المستتر عندما تقول :
"عطر الحدود المُشبعة بالقهر " فنحن شهداء أرض"
إن الفاظ "الحدود" و "القهر" و "الشهادة" ليست عاطفية فقط.بل هي
مفردات فلسطينية. الشاعرة الفلسطينية لا تستطيع أن تفصل جرحها الشخصي عن جرح وطنها.
حتى وهي تتكلم عن الحب، "الحدود" تلاحقها.
وهنا لا بد من القول بأن الهوية الفلسطينية ليست مباشرة وشعاراتية بل استعارية وباطنية كلفظة الحدود المشبعة بالقهر . ذكر الشهادة " نحن شهداء الأرض " والإنتظار الذي يمثل الحالة الفلسطينية الأبدية انتظار العودة كانتظار الحبيب اما الرماد هو نتاج القصف والحرق هنا الغضب العاطفي لذلك فنحن نستدل على هوية نهى من دون أن تصرخ فهي لا تقول : انا فلسطينية بل تقول انا امرأة تعيش على حدود وتنتظر وتُقصف ونصلّي وهذه فلسطين بنفسها .
لذلك فإننا نجد معنى المنفى مضاعفا في شعر نهى وهنا تزيد المأساة لأنها تعاني من منفى في الحب و منفى في الوطن.
من حيث الادوات الشعرية والتقنيات فقد كان المنفى متجسداً في " لغة الغياب "
لأن القصيدة الاولى قائمة وموجّهة إلى : أيها الغائب ( المنفى يبدأ بالغياب )
كما أيضا في "لغة الحدود فتقول : تضربني الأمواج فوق حدود شواطئ الرمل". فالحدود هي رمز المنفى الأول.
كما في "لغة الرماد" بقولها : وأتركك رماداً " المنفي لا يمتلك بيتا، بل رماداً فقط.
لذلك فهي تلجأ إلى الكتابة كعودة إلى ما تبقّى
: عدتُ إلى الكتابة ما تبقى من شغف"
تماماً كما عاد درويش للوطن بالقصيدة، عادت نهى لنفسها بالكتابة.
لذلك فإننا نستخلص بأن قصيدتي الشاعرة نهى لا تمثلان منفى من " فلسطين إلى الخارج " بل منفى " من الحب إلى الرماد " ومن الذات إلى الذات من هنا تعزّز
عمق التجربة الفلسطينيية.
حتى لو كانت الشاعرة في بيتها، فهي منفية.
لأن "الحدود" و "القهر" و "الانتظار" يسكنونها.
فصارت قصيدة نهى هي جواز سفر تعبر به منفى إلى منفى... حتى تصل إلى نفسها.
وإذا كانت قصيدة " صباح الخير ايها الغائب الذي لا يشبهني " تعبّر عن التحول من الغياب إلى الرماد فإن قصيدة " امرأة صوفية الهوى " تعبّر عن تصوّف في الهوى والمقاومة .
تمثل قصيدتا "امرأة صوفية الهوى" و "صباح الخير أيها الغائب الذي لا يشبهني" للشاعرة الفلسطينية نهى عودة نموذجاً لشعر النثر النسوي المعاصر. تتجاوز القصيدتان حدود الغزل التقليدي لتصلا إلى مصاف التجربة الوجودية التي تربط بين الوجع الفردي والوجع الجمعي، وتقدم "الكتابة" كفعل مقاومة
ونجاة.
تنتمي القصيدتان إلى "قصيدة النثر الصوفية المقاومة وهي أحد تيارات شعر النثر العربي الحديث.
من حيث الشكل ( لا وزن ولا قافية ) بل تعتمد القصيدتان على الإيقاع الداخلي والتوتر الناتج عن اختلاج المشاعر وتناقضها في ذات الشاعرة ويبدو ذلك بتقطيع الجمل اي استخدام الجمل القصيرة كأنها محاكاة للأنفاس المتقطعة للحزن واستخدام لغة كثيفة رمزية تنقل المفردات الدينية إلى حقل العاطفة في " صلاة ، شهيد ، مراسيم ، رماد "
ودون شك ترمي الشاعرة من خلاله
. تحويل التجربة الشخصية إلى تجربة كونية، والجرح الفردي إلى جرح جماعي.
كما استخدمت المفارقة الصوفية بالقول : ألعنك بالبكاء وبالصلاة الجمع بين النقيضين : اللعنة وتقديس الجلاّد
كذلك قد لجأت إلى التناص الديني : كل مراسيم الحياة وهنا تحويل العلاقة إلى طقس مقدّس
ونجد محاسبة لقلبها ولكن تعود وتقول : لم أكن سيئة وقد عبّرت عن غضبها وسخطها " سأحرقك وأتركك رمادا "
من حيث المضمون
القصيدتان تمثلان مرحلتين في رحلة واحدة:
من العتاب إلى الإحراق :
.صباح الخير أيها الغائب": مرحلة المواجهة
وكأنها تبدأ بديباجة الإفتتاح في الرسالة قبل أن تنتقل إلى الهدف الذي هو
كشف زيف الانتظار.
الانتظار لا يكسر أطراف الطريق فقط بل يكسرنا نحن
أما في قصيدة " امرأة صوفية الهوى. " تتجلّى مرحلة التجاوز أو بما يعرف بتحويل الحب إلى عبادة ثم إلى زهد . لتعلن الفناء والتحرر عندما تقول : وأتركك رمادا " والرماد هنا يذكرنا بطقوس هندية وطقوس قديمة من حرق المتوفي ونثر رماده اوالإختفاظ به .
والرابط بين القصيدتين هو الإنتقال من " امرأة تنتظر " إلى " امرأة تختار وتحرق "
ومن دون شك قد انتفضت بعدما عبّرت عن نفسها بالضحية باستعارة
« تضربني الأمواج فوق حدود شواطىء الرمل "
وبعد التكرار الذي يدلي بحالة الإنهيار النفسي والإنكار بقولها : " لا احسر ..لا أحسر "
لذلك فإن " الصباح " ليس أملا بل وجعا متجددا فهي تقول : صباح الكسر الذي لن ينجبر " هي عاجزة عن تغيير واقع . والذي يعيقها يتجلى " بالحدود " التي ترمز للحدود الجغرافية والحدود العاطفية والنفسية معاً
أما الرماد فهو رمز الفناء الصوفي اي محو الآخر وبقاء الأثر . أما المرافىء فهي رمز الأمان الزائف الذي يعيد الذات إلى دائرة الجرح .
أما عن علاقة قصيدة " امرأة صوفية الهوى بالتصوف العاطفي وليس الديني فهي تمر عبر ثلاثة مقامات : المحبة والفناء في المحبوب " اذوب في فلك المظلوم " مقام الزهد في الوصال " فاستكبرت الأطياف عن الرجوع فيك " وهنا نستذكر زهد زليخة في حب يوسف بعدما أصبح قريبا منها فاستغنت عن حب العبد بالرجوع إلى المعبود .
أما المقام الثاني فهو مقام الشهادة في سبيل القضية أو الحب .
إن التصوف هنا آلية دفاعية بدل الإنهيار قدّست الشاعرة انهيارها .
أما من حيث التحليل النفسي أو السيكولوجي فإن القصيدتين توثقان مراحل الحزن الخمس وفق علم النفس من الإنكار والغضب ( ألعنك ) إلى المساومة ( كلما هممت أنساك يأخذني الحنين إليك ) الإكتئاب واليأس ( الإنتظار يكسرنا ) إلى آلية القبول ومواساة النفس ( لم أكن سيئة – سأتركك رمادا )
إلى التسامي ( تحويل الألم إلى إبداع عندما قررت الرجوع إلى الكتابة ( ساعود إلى كتابة ما تبقى
من شغف)
إن الشاعرة نهى عودة وبمقارنتها مع شاعرات فلسطينيات حديثات نجد أن مفهوم التصوف قد اختلف ففي كتاب زليخة ابو ريشة " عناق عند تخوم الموت " نجد التصوف الوطني حيث أن الحب صار فلسطين فهي تقول : أحبك كما أحب فلسطين وفي شعر نهى تصوف فردي حيث أن فلسطين صارت ممثلة بالحبيب المكسور لكن القاسم المشترك بينهما هو استخدام رمزية الشهادة والحدود .
أما مقارنةً مع الشاعرة غادة السمّان في كتاب كواليس بيروت فنجد صوت المدينة ثورة وأنثى صارخة تحرق الرجل في العلن مستخدمة لغة سريالية- أما الشاعرة نهى فنجد فيها انثى راهبة ، انثى صامتة تحرق الرجل في المحراب والصلاة مستخدمة لغة همسية . القاسم المشترك بينهما هو الكتابة كأداة إنقاذ من الجنون والقهر .
وفي خلاصة القول ،
تقدم نهى عودة في هاتين القصيدتين نموذجاً "
للمقاومة الصامتة فهي
لم تحمل بندقية، بل حملت قلماً ولم تواجه عدواً خارجياً، بل واجهت "الغياب" داخلياً.
فانتصرت بأن جعلت من الهزيمة منسكاً، ومن الجرح صلاة، ومن النسيان شهادة
وبذلك أضافت إلى الشعر الفلسطيني النسوي بعداً جديداً هو
الروحي في الختام ، مبارك لكما هذا العمل " استاذ ناصر والشاعرة نهى " أن يصير الإنتظار درباً مرئيا ترى فيه الشاعرة نهى بأمّ العين حبيبها اي وطنها فلسطين وأن لا يبقى حلمًا فقط في وجدانها ومن هنا حتى اقتراب تلك الساعة نحن بانتظار المزيد من الإبداع والعطاء مع كل محبة .
الأحد ٥ تموز ٢٠٢٦

