-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

انعتاق الصفر ... للكاتب عبد المجيد الخولي. مصر

 انعتاق الصفر

للكاتب عبد المجيد الخولي. مصر 



كان "آدم" يسكن القاع، ليس قاع المدينة فحسب، بل قاع الروح. كان يقتات على الكراهية كما يقتات الغريب على فتات الخبز، معتبراً أن العالم مدين له بثمن سنوات البؤس التي قضاها خلف جدران اليأس. كانت فكرة الانتقام هي المحرك الوحيد لجسده الهزيل؛ خطة محكمة لتدمير كل من ساهم في صياغة مأساته، حتى لو عنى ذلك إحراق المدينة بمن فيها.  بالنسبة له، كان البشر مجرد أرقام في معادلة ظلمه، وهو الصفر الذي سيضربهم جميعاً ليمحو وجودهم. وسط هذا السواد، ظهرت "كريمة". لم تكن تملك الكثير، لكنها كانت تملك ما يفتقر إليه هذا الصفر. 

في الليلة التي كان يخطط فيها لضربته القاضية، كان البرد فيها يقطر ملوحةً على جراحه، وقف في الزاوية المعتمة، يراقب "كريمة" وهي تفتت رغيفها الأخير، ليس في فمها، بل في كف طفلٍ غريب، كان الجوع قد رسم على وجهه خرائط من الشحوب، كانت تبتسم، ولم تكن ابتسامتها سوى سخريةٍ في نظره، من منطق البقاء، دنا منها كظلٍ ثقيل، وصوته يخرج كحفيفِ أفعى تسكن الأنقاض: "تطعمين الغرباء من جوعك؟ ألا تدركين أن هذا الرغيف هو حصنك الأخير ضد العدم؟" لم تلتفت إليه، بل ظلت عيناها معلقتين بوجه الطفل الذي بدأ يسترد بعضاً من ملامحه البشرية. مسحت على رأسه برقةٍ جعلته يشعر بوخزة غريبة في صدره، ثم رفعت بصرها إليه. لم يكن في عينيها عتاب، بل هدوءٌ مرعب يشبه سكون البحر قبل أن يبتلع السفن. قالت بصوتٍ هامس، لكنه اخترق جدران قلبه المتصلب: "الرغيف في يدي قيد يا آدم.. لكنه في فمه حرية. أنا لا أطعم جَسده، أنا أشتري لنفسي مساحةً في هذا العالم الضيق، مساحةً لا يطالها سوى من يجرؤ على إفراغ يده." ضحك بمرارة، ضحكةً جافة خلت من الروح: أنا أفرغتُ يدي من كل شيء لأحرق العالم، وأنتِ تفرغين يدكِ لتُحييه؟ نحنُ نعيش في قاعٍ لا يعترف إلا بالأنياب." اقتربت منه قليلاً، فاصطدمت رائحة الخبز المتبقية في ثوبها برائحة الكراهية العالقة بملابسه. وضعت كفها النحيلة على ذراعه المتشنجة، وقالت بيقينٍ غريب: "أنت تسجن نفسك في 'الأنا' لكي لا تشعر بالألم، لكنك في الحقيقة تموت وحيداً في زنزانةٍ لا جدران لها. جرب لمرة واحدة أن تكون 'الجسر' لا 'الهاوية'.. وحينها فقط ستعرف لماذا أبتسم وأنا جائعة." في تلك اللحظة، ساد صمتٌ ثقيل. كان الصفر في داخله يهتز، ولأول مرة، شعر "آدم" أن خطة انتقامه الكبرى ليست سوى خيطِ دخانٍ تافه أمام تلك القطعة الصغيرة من الخبز.

عبد المجيد احمد الخولي

جمهورية مصر العربية


عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية