-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

ليلى صليبي

 قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ  لنصّ:

 عصفورُ الأفقِ المعلّقُ  للأديب المبدع "هشام أحمد السح"

بقلم الناقدة :   ليلى صليبي



 

القراءة:


نصٌّ ينهضُ على جمالِ المفارقةِ، حيثُ يزاوجُ الكاتبُ بين فضاءٍ خانق وآخر يتّسعُ للأملِ، فيصوغُ تجربةً إنسانيةً تُترجمُ صراعَ الروحِ مع واقعٍ يضيقُ بها. فمنذُ الجملةِ الأولى تتحوّلُ الغرفةُ إلى فضاءٍ رمزيٍّ فجدرانُها لا تنبتُ أزهارًا، بل “أزهارًا من حديدٍ”، وهي صورةٌ تجمعُ بين دلالةِ الجمالِ وقسوةِ المادةِ، لتكشفَ عن عالمٍ يحاصرُ الحياةَ حتى في أكثرِ رموزِها رقةً.


ويتصاعدُ البناءُ الرمزي عبرَ صورٍ سرياليةٍ متتابعةٍ؛ فالساعاتُ تتدلّى كقطراتِ مطرٍ متجمّدةٍ، والكرسي مصنوعٌ من دخانٍ، والنهارُ يتحوّلُ إلى حبرٍ أسودَ. هذه الصورُ لا تُقرأ كونُها وصفًا واقعيًّا، بل باعتبارِها انعكاسًا لاضطرابِ الدّاخلِ الإنساني، حيثُ يغدو الزمنُ معطلاً، والثباتُ

 وهمًا، والنورُ معتمًا.


ويبلغُ النصُّ ذروتَه في صورةِ “الأملُ يخرجُ من بين أصابعي كعصفورٍ بلا جناحين”، وهي من أكثرِ الصور ِكثافةً وإيحاءً. فالعصفورُ، رمزُ الحريةِ والانطلاقِ، يُجرَّدُ من جناحيه، ومع ذلك يواصلُ التحليقَ. هنا تتجلّى فلسفةُ النصِّ؛ إذ لا يستمدُّ الأملُ قدرتَه من اكتمالِ الوسائلِ، بل من إرادةٍ تتحدّى المستحيلَ.


أمَّا الخاتمةُ، التي تجعلُ العصفورَ يحفرُ “بمدادِ الصبرِ بابًا في قلبِ الجدارِ الأصمِّ”، فتمنحُ النصَّ بعدَه الوجودي العميقِ. فالجدارُ ليس عائقًا ماديًّا فحسب، بل رمزٌ لكلِّ انسدادٍ يواجهُ الإنسانَ، بينما يتحوّلُ الصبرُ إلى أداةِ خلقٍ وعبورٍ، وينتهي النصُّ بإعلان إيماني بأنَّ ما يبدو لامعقولاً قد يكونُ الحقيقةَ الوحيدةَ القادرةَ على إنقاذِ القلبِ من الانكسارِ.


 أسلوبيًّا، يمتازُ النصُّ بلغةٍ شعريّةٍ مشبعةٍ بالرموزِ والاستعاراتِ، تتآزرُ فيها الصورُ لتشكّلَ بنيةً متماسكةً لا تقومُ على الحكايةِ، بل على الإيحاءِ والتأملِ. وقد نجحَ الكاتبُ في الحفاظِ على وحدةِ

 الجوِّ  النفسيِّ، فجاءَ العنوانُ “عصفور الأفق المعلّق” مفتاحًا دلاليًّا للنصِّ كلِّه، إذ يُجسّدُ الأملَ المعلّقَ بين الاستحالةِ والإمكانِ، بين الأرضِ التي تقيّدُ والسماءِ التي لا تكفُّ عن النداءِ.


إنّه نصٌّ يثبتُ أنَّ الكتابةَ لا تكتفي بتصويرِ الواقعِ، بل تُعيدُ تشكيلَه عبرَ الخيالِ، لتجعلَ من الرمزِ لغةً أكثرَ قدرةً على التعبيرِ عن قلقِ الإنسانِ وإصرارهِ على النجاةِ.

تحياتي وتقديري لكم.

النص:


عصفورُ الأفقِ المُعلق


​في غرفتي التي تنبتُ جدرانها أزهاراً من حديد، وتتدلى الساعاتُ فيها كقطراتِ مطرٍ متجمدة، أجلسُ على كرسيٍّ من دخان. حين يضيقُ العالمُ ويتحولُ النهارُ إلى حبرٍ أسود، يخرجُ الأملُ من بين أصابعي كعصفورٍ بلا جناحين، يحلقُ بلا سماء، ليحفرَ بمدادِ الصبرِ باباً في قلبِ الجدارِ الأصم، مؤمناً أنَّ اللامعقول هو الحقيقةُ الوحيدةُ التي تليقُ بقلبٍ يرفضُ الانكسار.

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية