قصتان قصيرتان جدا
بقلم ؛ أ . فاضل صامد . العراق
زائر
في الحرب الضروس الأخيرة، فقد ساقيه، فارتمى إلى داره، معتزلًا الحياة. لم يعد يشغله سوى هاجس واحد: أن يعثر على من يصنع له طرفين، ليعود إلى المشي كاملًا.
كان هاتفه الجوال زائره الوحيد؛ يقلب شاشته كل يوم، باحثًا عن منقذ، أو إعلان، أو معجزة.
وفجأة، دوّى طرقٌ عنيف على الباب. أخذت الضربات تهزُّه بعنف، كأن أحدًا يوشك أن يقتلعه.
زحف بما تبقّى له من قوة، وفتح الباب...
دخلت الحرب، وأغلقت الباب خلفها.
..
جامعُ الليل
...
لم يولد الفجر بعد، يبدو أن تروس الظلام قد تباطأت.
نهض متفقدًا شاربيه، غسلهما بكثير من الماء، ثم عصر منخريه ليُخرج ما تبقّى من أحلامه. لا يعرف كيف يمشّط شعره، كانت ألبسته أشبه بحصيرة بالية، رثّة، بحجم الأوساخ العالقة على بنطاله. كان مترفًا بهذا الوضع.
عضَّ بضع لقيمات من بيضٍ مسلوق. وعلى حافة الطاولة كانت قطعة خبز رسمت حوافها هيبةُ فأرٍ اقترض منها بعضًا. غمس الاثنين معًا، ثم ارتدى كل شيء وخرج.
ما زال الليل يفرض سطوته، والمدينة غارقة في عتمتها. حمل بعضًا من همه، ومضى خارجًا من وكره، ينحني فوق أكوام النفايات، يلتقط القناني والعلب وكل ما لفظته الأيدي، علَّه يشتري به نهارًا جديدًا.
وحين همَّ أن يرفع الكيس، اكتشف أنه لم يكن يجمع القناني...
كان يجمع الليل، قطعةً... قطعة.

