-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

أفكار بصوت مرتفع ... زينب كاظم

 أفكار بصوت مرتفع

زينب كاظم




وشاح الصبر والأناقة

السواد في مدرسة أهل البيت عليهم السلام

يرتبط اللون الأسود في الوجدان الإنساني بمهابة خاصة، فهو ليس مجرد غياب للألوان، بل هو جامعها وعمقها الذي يمنح النفس شعوراً بالوقار والسمو، وفي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) يتجاوز ارتداء السواد أبعاده الظاهرية ليصبح ثقافة بصرية وفكرية تجمع بين الرقي الأخلاقي والمواساة العقائدية الواعية. 

فرغم أن المشهور في الأحكام العبادية العامة هو كراهة اللبس الأسود في مواطن محددة كالصلاة، إلا أن هذه الكراهة تزول تماماً وتنقلب إلى استحباب ومظهر من مظاهر النبل والوفاء عندما يتعلق الأمر بإحياء أمر آل محمد ومواساتهم في أحزانهم، حيث يستحيل السواد هنا شعاراً لتعظيم شعائر الله ودليلاً على المودة التي جعلها الله أجر الرسالة.

وتزخر الروايات الشريفة بالشواهد التاريخية والأدلة المعتبرة التي تؤكد أن السواد كان لباس الصفوة في أوقات الحزن العظيم، وقد تظافرت النصوص لتخرج هذا الفعل من دائرة العادات إلى أفق التشريع المدعوم بالإقرار المعصوم. ومن أبرز هذه الأدلة ما رواه الشيخ البرقي في كتاب المحاسن (ج2، ص420) بسند معتبر عن عمر بن علي بن الحسين قال: (لما قُتل الحسين بن علي (عليه السلام) لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح وكن لا يشتكين من حر ولا برد وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يعمل لهن الطعام للمأتم). وفي هذا التقرير الفعلي من الإمام زين العابدين (عليه السلام) دلالة واضحة ومباشرة على مشروعية هذا اللباس وحسنه، إذ لو كان السواد في الحزن مكروهاً أو محرماً لنهى عنه الإمام وهو المعصوم المفترض الطاعة، بل إن إعانته لهن وصنعه للطعام يضفي مشروعية مباركة على هذه المأتمية الموشحة بالسواد

. كما تضافر هذا النقل الروتيني مع ما ورد في بعض المقاتل والمصادر التاريخية عن أم المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها) أنها لمّا بلغها مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ضربت قبة في المسجد وارتدت السواد إعلاناً للفجيعة، وهو ذاته المظهر الصامت والنبل المهيب الذي التزمت به العقيلة زينب (عليها السلام) والنساء الخَفِرات من آل بيت رسول الله عند دخولهن الكوفة.

أما ما قد يتوهمه البعض من وجود تعارض بين هذا الاستحباب وبين الأحاديث المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كراهة السواد، كقوله (لا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون)، أو ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (لا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون)، فإن التدقيق الفقهي والروائي يكشف زيف هذا التوهم. إن الأحاديث النبوية التي نهت عن السواد أو نصت على كراهته لم تكن ناظرة قط إلى قضية الحداد أو إظهار الحزن على مصاب آل محمد، وإنما جاءت لعلة واضحة صرحت بها المتون وهي عدم التشبه بأعداء الله. فالسواد في تلك الحقب التاريخية كان شعاراً لملوك الجور كفراعنة مصر، ثم صار لاحقاً راية ولباساً رسمياً لبني العباس الذين اتخذوه رمزاً لسلطانهم السياسي وظلمهم؛ فنهى الأئمة عن لبسه في الحالات الاعتيادية لئلا يتشبه المؤمن بظاهر الفاسقين والظالمين.

وعليه، فإن علة الكراهة تنتفي تماماً عندما تتبدل النية والغاية، ويتحول ارتداء السواد من كونه محاكاة لأصحاب السلطة والدنيا، إلى مصداق جلي وعظيم من مصاديق المواساة وإظهار الحزن المأمور به في قول الإمام الصادق (عليه السلام) (شيعتنا منا، خُلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)، وقوله(أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا).

وبناءً على هذا الفهم المنهجي، أفتى فحول وعمالقة الفقه الجعفري على مر العصور بزوال الكراهة التنزيهية في الصلاة وغيرها إذا كان لبس السواد بداعي الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام)، بل ينقلب الحكم إلى الاستحباب لما فيه من نصرة معنوية وتعظيم للشعائر. إن ارتداء السواد في منابر الحزن الحسينية هو إعلان عن هوية ثقافية ترفض النسيان، وتتخذ من هذا اللون المهيب رداءً يفيض بالوقار والشموخ والاحتشام، ليعكس ارتقاءً في الذوق الإنساني الذي يعبر عن حزنه الرسالي بطريقة بصرية موحدة تعيد صياغة الأناقة لتبدأ من طهارة الروح وعمق الولاء.


عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية