-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

( ٣٩ ) بقايا إنسانٍ بقلم حسن أحمد الفلاح

 ( ٣٩ ) بقايا إنسانٍ 
بقلم حسن أحمد الفلاح




آهٍ هيلين ! هناكَ غصّةٌ عميقةٌ تنتابني وأنا أفكّرُ بسائقِ العربةِ الذي أبى العودةَ إلى المنطقةِ التي انطلقْنا منها ، ألا تتساءلين عن ذلك هيلين ؟ أجل فادي، كنْتُ أسألُ نفسي كثيراً لكنّكَ كنْتَ أنْتَ الأقربُ إليهِ ! نعم هيلين لقد اخبرني عن قصّتِهِ بينما كنّا نتبادلُ الحديثَ قالَ : إنّهُ يخشى العودةَ ، لأنّهم يريدونَ التّخلّصَ منهُ إلى الأبد ، يريدونَ قتلَهُ لأنّهُ لم ينجحْ بمهمّتِهِ في...  لا هيلين سوفَ أحتفظُ بذلكَ . لانّهُ ألحَ عليّ ألّا أخبرَ أحداً عن هذا الأمرِ ، هيلين حبيبتي أنّهُ يرمقُنا بنظراتٍ فاترةٍ ، لقد كانَ ومازالَ يتملّكُهُ إصرارٌ غريبٌ لمواصلةِ سفرِهِ معَنا ، حبيبتي لم أعتدْ على إخفاءِ أيّ شيءٍ عنكِ، ولكنْ انتظريني إلى وقتٍ آخرٍ سأخبرُكِ عن كلّ شيءٍ ، أريدُ أنْ أعرفَ عنهُ أشياءَ كثيرةً ، بل واريدُ أنْ أجمعَ كلّ شيءٍ عنهُ ، وأعرفُ أكثرَ واكثرَ ، ربّما نفيدُ غيرَنا ممّنْ يقعونَ في نفسِ المأزقِ الذي وقعنا فيه ، أنا مازلْتُ حبيبتي غرِقاً في بحارِ الحيرةِ ، أقلّبُ صفحاتٍ أشْبِعَتْ بالإثارةِ ، سوفَ نكونُ في وضعٍ أفضلٍ حبيبتي ، ولكنْ لابدَ من جمعِ معلوماتٍ أكثرٍ عنهُ ، أنّ هناكَ أموراً مازالَتْ تثيرُ لديّ بحراً من الغموضِ الذي أنهكَ كاهلي ، أريدُ أنْ أتحرّرَ من ذلكَ ، لعلّني أطمئنُ قليلاً عندما تستولي عليّ فيوضَ روحي  وسكينتَها ، أعرفُ أنّ طمأنينةَ الرّوحِ هي التي تجعلُني أكثرَ توازناً ، لقد بدأتْ مشاعرُ الغربةِ عنِ الوطنِ  تتملّكني ، رغمَ أنّني مازلْتُ في آخرِ خطواتي المرتجفةِ أودّعُ حجارَتَهُ بحُرقةٍ ، ها أنا الآنَ هيلين بدأتُ أهجسُ في أتونِ الغربةِ ، أحدّثُ نفسي عن توقٍ جديدٍ للوطنِ يكابدُني بعنفنٍ ، كم تتملّكني رغبةٌ ملحّةٌ كي أتحرّرَ من هجوعي  ومخلّاتي اللذانِ أتعباني كثيراً ، أريدُ أنْ أسيرَ في الزّحامِ كي أنغمسَ مع فوضى الأزقّةِ ، لأنّني مللتُ الخلودَ إلى الوحدةِ ، حبيبتي أتريدِينَ أنْ تسخري منّي إنْ أخبرْتَكِ عن توقي العميقِ إليهِ ؟ أعرفُ أنّكِ تقولينَ : لم تبدأْ بعد في دخولِكَ رحلةِ الغربةِ ، وبؤسِ الفِراقِ ، أجلْ هيلين ، أنا أعتقدُ أنّ الغربَةَ في الوطنِ أشدُّ وطأةّ منَ الغربةِ خارجِهِ ، كنْتُ أشعرُ بغربتي الحقيقيّةِ وأنا في وطني ألتحفُ القبورَ ، ألم تشعري بذلك هيلين ؟ أجل فداء ، ولكنّ الأمرَ أقلُّ وطأةٍ ممّا نحنُ فيهِ الآنَ .. غربةُ اللغةِ ، العاداتُ ، البيوتُ ، السّكّانُ ، القبورُ ، الطّعامُ ، لا أدري ماذا أقولُ لك فداء ؟ نحنُ نمرُّ الآنَ بمأزقٍ ، بل بمآزقٍ مترعةً بالمعناةِ والآلامِ .

لا هيلين حبيبتي أنا الآنَ بدأتُ أتموّجُ بأفكاري ، أنّني أرى المكانَ وعراً حقّاً ، انظري هيلين ! كيفَ أنّ النّاسَ يرمقونَنا بأبصارِهم ؟ ، كأنّني دخلْتُ على واحةٍ ليسَتْ لي ، يريدونَ أنْ يفترسوا هدوئي بنظراتِهم الواهيةِ ، كانَ يمكنُ لي أنْ أبقى تحتَ وطأةِ الموتِ أجدى من ذلك الارتهانِ الكئيبِ الذي جثمَ على روحي ، لماذا أنْتَ متشائم هكذا حبيبي فداء ؟ غداً سوف تعتادُ على ذلك ، سوف تخفّفُ عنكَ وطأةَ الغربةِ ، لكنْ فداء ألا تريدُ أنْ تخبرني عن تفاصيلِ قصّةِ السّائقِ ؟ أجل هليين ! انظري هيلين ، انظري جيّداً ، أرأيتِ ؟ هل أنا بحلمٍ أم بعلمٍ ؟ ، لا هيلين مستحيل ..مستحيل لا لا… 

وإلى لقاءٍ آخر مع 

حسن أحمد الفلاح

عن محرر المقال

Zeena مجلة ثقافية تعني بالأدب والثقافة والفن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية