إضطراب
عاد إلى المنزل متوتراً، خائفاً، مضطرباً، أغلق الأبواب والشبابيك، أسدل جميع الستائر واختبأ خلف احداهم، مراقباً الطريق بتوجس، مكفهر الوجه. ضربات قلبه تتسارع كلّما استغرق بمراقبة المارّة. أيقظه صوت زوجته: - - ما بك.. لماذا عدت ولم تذهب للعمل؟ ... ما كل هذا الخوف والاضطراب؟ وضع أصبعه على فمه يأمرها أنْ تصمت ولا ترفع صوتها هكذا. - ما بك يا رجل؟ قالت بعد أن أخذتها الحيرة إلى أماكن خطرة تزرع الرّعب في القلب. - لقد رآني اليوم.... عند تقاطع الطريق. قال بصوت منخفض يكاد لا يُسمَعْ لكنّها سمعته رغم ذلك. - كان واقفاً على الرّصيف متكئاً على عمود النور والتَقتْ عيوننا فترة من الزمن اعتقدتُ أنّها دهراً كاملاً. لقد قرأتُ التهديد من نظرته الغاضبة. أكمل حديثه دون أن يلتفت لزوجته، منشغلاً عنها بمراقبة الطريق. بدأتْ الرجفة تسري بجسده رغم تعرقه الشديد. - ربما كنت تتخيل ولم يكن هو! - لم أكن اتخيل... انّه هو لقد تأكدت من ذلك. - وكيف تأكدت؟ - من نظراته الغاضبة.. آه تذكرت، لقد لوح لي بيده، يهددني، رغم وجود سيارة الشرطة قربه لكنّه لم يخف ولم يتردد أنْ يبث الرعب في قلبي. فكرت أنْ انزل من سيارتي وأبلغ الشرطة قبل أنْ يفكر في أن يؤذيني ويؤذي عائلتي لكنني لم أستطع، وجدتُ نفسي أسرع في الهرب منه ومن نظراته التي تتغلغل في اعماق نفسي تشلُّ حركتي وتجعل تفكيري مضطرباً، وأكثر ما أرعبني عندما فكرت أنّه ربما يختطفكم ويهددني بتعذيبكم أو أنْ يقتلكم الواحد بعد الآخر أمام عيني. يا ألهي خلصني من هذا الكابوس الخانق. - وماذا سنفعل؟ - يجب أنْ نهرب قبل أنْ يصل إلينا. تذكر وسط تشتت أفكاره ابنه وابنته أنّهما لم يعودا من المدرسة لحد الآن، فصاح بتوتر على زوجته أنْ تتصل بأخيها وتطلب منه أنْ يذهب إليهما ويأخذهما إلى بيت جدتهما، وحذرها أنْ لا تخبره عما يحدث لهما، وأنْ يبق الأمر سراً لغاية ما يجد حلاً لهذا الموقف الذي لم يتخيل يوماً أنْ يكون فيه. لامَ نفسه بشدة (لماذا مرت كل تلك السنين دون أنْ يفكر بهذا الموقف، ربما لو فكر به من قبل لوجد حلاً وعرف كيف يخرج نفسه وعائلته من هذا المأزق الذي يلتف حول رقبته الآن مثل حبل المشنقة). - انا جاهزة. قالت له بعد أنْ أخذتْ معها بعض الاشياء المهمّة التي لا تثقل عليهما حركتهما. خرجا بتوجس وركبا السيارة بعد أنْ أحكم إغلاق باب المنزل، وانطلق دون أنْ يعرف كيف الخلاص من كل هذا الخوف والتوجس. أوصاها أنْ تنتبه إلى الطريق وتراقبه بحذر شديد خوفا أنْ يتعقبهما دون أنْ يعرفا فيكونا لقمة سائغة بيده. واوصته أن يقود السيارة بتركيز رغم أنّها كانت متأكدة أنّه لن يستطيع ذلك، لكنّها تمنت أنْ يمتلك القليل من هدوء الأعصاب ولا يترك نفسه فريسة للهواجس والقلق. هيمن الصمت عليهما، السيارة مسرعة، يريد العبور إلى الضفة الأخرى من النهر حيث أكثر أماناً هناك في بيت العائلة الكبير. وكلّما اقترب من الجسر الكبير زاد من سرعة السيارة. - انظري! انه واقف في منتصف الطريق شاهراً بندقيته علينا. صاح بصوت مرتفع مما افزع زوجته، وادار المقود بقوة لجهة النهر. وقبل أنْ تقول له زوجته أنْ لا يوجد أحد واقف هناك، انحرفتْ السيارة بسرعة جنونية أفقدته السيطرة عليها، فسقطتْ في أعماق النهر.
مناف كاظم محسن العراق – البصرة

