-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

أ.د. لطفي منصور كَلامُ الْعُيُونِ

 أ.د. لطفي منصور
كَلامُ الْعُيُونِ




قُلْنا في كَلامٍ سَبَقَ إنَّ أَجْمَلَ ما في الْإنْسانِ وَجْهُهُ، وَأَجْمَلُ ما في الْوَجْهِ الْعَيْنانِ .

لا تَقْتَصِرُ وَظِيفَةُ الْعَيْنَيْنِ عِنْدَ الْإنْسانِ عَلَى الْبَصَرِ، فَالْحَيَوانُ يُشارِكُنا في هَذا. فَبَرِيقُ الْعَيْنَيْنِ يَشِعُّ أَلَقًا وَجَمالًا وَسِحْرًا وَراحَةً وَرِضًا لِلنّاظِرِ إلَيْهِما. وَقَدْ نَجِدُ هَذا عِنْدَ بَعْضِ الْحَيَوانِ كَالظِّباءِ وَالْقِطَطِ وَالدِّيَكَةِ وَغَيْرِها.

هُناكَ وَظِيفَةٌ أُخْرَى لِلْعَيْنَيْنِ لا نَجِدُها عِنْدَ الْحَيَوانِ ، فَهِيَ خاصَّةٌ بِالْإنْسانِ ، فَهُما يُعَبِّرانِ عَمّا في قَلْبَ الْإنْسانِ وَضَمِيرِهِ وَكَثيرٌ مِنَ النّاسِ مَهَرَةٌ في قِراءَةِ الْعَيْنَيْنِ وَسَبْرِ ما في داخِلِ صاحِبِهِما.

قالَ شَوْقِي وَيُعْجِبُنِي قَوْلُهُ: مِنَ الْكامِل

وَتَعَطَّلَتْ لُغَةُ الْكَلامِ وَخاطَبَتْ 

عَيْنَيَّ في لُغَةِ الْهَوَى عَيْناكِ

لَوْ نَظَرْنا في الشِّعْرِ الْعَرَبِي في جَمِيعِ عُصورِهِ نَراهُ يَعِجُّ في وَصْفِ عُيُونِ الْمَرْأَةِ وَتَشْبيهِها بِعُيونِ الْمَها، وَلَمْ يَأْتِ هَذا مِنْ فَراغٍ ، فَالنِّساءُ كُنَّ يَضَعْنَ الْخُمُرَ عَلَى وُجُوهِهِنَّ، والْخِمارُ لَهُ فَتْحَتانِ لِلْعَيْنَيْنِ فَلا يَبْدُو مِنْهِنَّ إلّا سَوادُ الْعَيْنَيْنِ  فَشَبَّهُوهًُا بِعُيونِ الْمَها.

قالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: الطَّويل

تَصُدُّ وَتُبْدِي عَنْ أَسِيلٍ وَتَتَّقي

بِناظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ

(شَبَّهَ امْرَأَةً مُتَمَنِّعَةً، كَشَفَتْ عَنْ خَدِّها النّاعِمِ، وَقَدْ حَمَتْ نَفْسَها مِنَ النّاظِرِينَ بِعَيْنَيْنِ واسِعَتَيْنِ كَعَيْنَيْ وَحْشٍ مِنْ وُحُوشِ وَجْرَةَ لَهُ جِراءٌ داهَمَهُمْ خَطَرٌ)

وَذَكَرَ الشُّعَراءُ أَثَرَ سِحْرِ الْعَيْنَيْنِ  عَلَى النّاظِرِ إلَيْهِما. قالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: الطَّوِيل

وَما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي

بِسَهْمَيْكِ في أَعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ

وَقالَ ذُو الرُّمَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسِبُهُ إلى الْفَرَزْدَقِ : الطَّويل

وَعَيْنانِ قالَ اللَّهُ كُونا فَكانَتا

فَعُولانِ بِالْأَلْبابِ ما تَفْعَلُ الْخَمْرُ

(كُونا: تامَّةٌ لا تَعْمَلُ)

وَفي مُطالَعاتي في الْأَدَبِ الْقَديم وَقَعَ بِيَدِي كِتابُ "الْأُنْسُ والْعُرْسُ"لِلْوَزيرِ الْحُسَيْنِ بنِ مَنْصُورٍ الْآبِي (ت ٤٢١هج) صاحِبُ مَوْسوعَةِ "نَثْرُ الدُّرِّ". 

كِتابُ الْأُنْسِ كِتابٌ قَلَّ مَثِيلُهُ يَعِجُّ بِقِطَعٍ شِعْرِيَّةٍ لِشُعَراءَ كَثيرينَ في مَوْضوعِ دَلالَةِ الْعَيْنِ عَلَى ما في ضَمِيرِ صاحِبِها. فَاخْتَرْتُ بَعْضًا مِنْها لِتَعْريفِ الْقُرّاءِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الشِّعْرِ النّادِرِ.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُعاوِيَةَ: البسيط

(يرجِعُ نَسَبُهُ إلى جَعْفَرِ بنِ أبي طالِبٍ: خَرَجَ في آخِرِ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ في الْكُوفَةِ فَقُتِلَ سَنَةَ ١٢٩هج)

- اَلْعَيْنُ تُبْدِي الَّذي في قَلْبِ صاحِبِها

مِنَ الشَّناءَةِ أَوْ وُدٍّ إذا كانا

(الشَّناءَة: الْبُغْضُ)

- إنَّ الْبَغِيضَ لَهُ عَيْنٌ يُقَلِّبُها

لا يَسْتَطِيعُ لما في الْقَلْبِ كِتْمانا

- وَعَيْنُ ذُو الْوُدِّ ما تَنْفَكُّ مُقْلَتُها

تَرَى لَها مَحْجَرًا بَشًّا وَإنْسانا

(الْمُقْلَةُ: شَحْمَةُ الْعَيْنِ الَّتي تَجْمَعُ الْبَياضَ والشَّوادَ وجَمْعُها مُقَلٌ)، الْمَحْجَرُ : بَيْتُ الْعَيْنِ ، إنْسانُ الْعَيْنِ: الْبُؤْبُؤُ)

- وَالْعَيْنُ تَنْطِقُ وَالْأَفْواهُ صامِتَةٌ

حَتَّى تَرَى مِنْ ضَمِيرِ الْقَلْبِ تِبْيانا

وَقالَ آخَرُ: البسيط

- لا تَسْأَلَنَّ صَدِيقًا عَنْ مَوَدَّتِهِ

وَانْظُرْ إلى طَرْفِ عَيْنَيْهِ إذا نَظَرَا

- فَإنْ رَأَيْت بِعَيْنَيْهِ مُداوَمَةً

بِالْبِشْرِ نَحْوَكَ فَاحْمَدْهُ إذا ذُكِرا

- وَاسْتَشْهِدِ الْقَلْبَ وَانْظُرْ أَيْنَ مَوْقِفُهُ

مِنْهُ تَجِدْ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِهِ أَثَرَا

(الضَّمِيرُ في مِنْهُ يَعُودُ إلى الْحَمْدِ. أَيْ إذا حَمَدْتَهُ يُجازِيكَ بِالْجَمِيلِ.

وَقالَ مَنْصورٌ الْفَقِيهُ (هُوَ أبو الْحَسَنِ بنُ إسْماعيلَ بنِ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ شاعِرٌ أَديبٌ مُجِيدٌ، أَصْلُهُ مِنْ رَأْسِ الْعَيْنِ بِالْجَزيرَةِ قَدِمَ مِصْرَ وَتُوُفِّيَ فيها سَنَةَ ٣٠٦هج) مِنُ مُخَلَّعِ البَسيط

- وَإنَّ في دَهْرِنا أَفاعٍ

     لَيْسَ لِمَنْ ساوَرَتْ طَبِيبُ

- فَلا يَكُنْ فِيكَ بَعْدَ هَذا

      لِواحِدٍ مِنْهُمْ نَصِيبُ

(ساوَرَتْ في البَيْتِ الْأَوَّلِ : وَثَبَتْ لِلنَّهْشِ)

وَقالَ آخَرُ: الوافر

- وَلا تُكثِرْ عَلَى ذِي الضَّغْنِ عَتْبًا

وَلا ذِكْرَ التَّجَرُّمِ لِذِّنُوبِ

(الضَّغْنُ : الضََغينَةُ وَالْحِقْدُ، التَّجَرُّمُ: اقْتِرافِ الْجَرائِمِ)

- وَلا تَسْأَلْهُ عَمّا سَوْفَ يُبْدِي

وَلا عَنْ غَيْبِهِ لَكَ بِالْمَغَيبِ

(غَيْبُهُ لَكَ: استِغابَتُهُ لَكَ)

- فَإنْ يَكُ في عَدُوٍّ أوْ صَدِيقٍ

تُخَبِّرْكَ الْوُجُوهُ عَنِ الْقُلُوبِ

(اسمُ يَكُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ يَعودُ إلى الْغَيْبَةِ)

إلَى هُنا.

عن محرر المقال

Zeena مجلة ثقافية تعني بالأدب والثقافة والفن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية