سامي عبد الحميد
قامة شامخة في ذاكرة المسرح العراقي
لعلَّ من أهم ما يشغل مواطن البحث، ودائرة التقصَّي، في ذاكرة الناقد المُختَصّ وهو يحاول الولوج صوب مجاهل تلك الايقونة البلورية الممتلئة بالمعالم السحرية الخلاقة المعلنة بصورة مُنتج إبداعي بجلّ تصانيفه الفنية المرئية حيناً , أو المقروءة حيناً آخر, أو المختبئة في أحايين أخرى بهيئات وصور مخملية بين الثنايا السرمدية التي يحاذيها الإفصاح, وهو يرنو محفزا أدواته المعرفية لتدوين تلك المعالم بقطبيها المعلن والخفي , وهو يتناول السِفـْر الفنـي الجليل للمبدع العراقي الكبير الفنان (سامي عبد الحميد) بكونه احد أهم المبدعين المسرحيين الكبار, ويـُعدُ أحد أهم أعمدة المسرح العراقي والعربي , ومن جيل النخبة النجيبة الرائدة التي أسست لتدعيم ركائز تسيّـد النتاج المسرحي العراقي على الساحة العرضية التنظيرية العربية على مدى أكثر من نصف قرن.
وعلى الناقد وهو مزمع على سبر أغوار رحلة ذلك المبدع الكبير, أن يكون متمكنا من استحضار أدوات استقراءاته المدعومة بقرائن دلائلية وبناء تحليلي مشفوع بملكة التواصل الزمكاني الفطن ، لعموم مراحل التطور الإبداعي لذات المبدع الذي حقق حضورا مبهرا، ومسيرة متميزة في فنون المسرح العراقي بمجمل ميادينه الفنية المختلفة.
قد تكون الطريقة الى المدخل الاستهلالي أو ربما طريقة العرض البيلوغرافي المؤرخ بالتواصل المعرفي الأصيل لذلك النسيج الفنـي والوعيوي النخبوي في سِفـْر ِ(سامي عبد الحميد) المسرحيّ, ربما تبدو شائكة وصعبة, وفق منظومة التداول النقدي، أولا لسرعة حركة إيقاعه الفني المعملي , وثانيا لتتابع المراحل وتداخلها في تجربته المسرحية الغنية والقيّمة, باعتباره احد كبار النظريين وأحد أفراد الجبلة المسرحية الأولى في المسرح العراقي ، واحد أساتذة التعليم الفني الأكاديمي فيه.
لكنني سأنحى منحاً معرفيا فنيا ونقديا آخر لتحقيق معادلة معلوماتية ابتدائية لكي أصيغ من خلالها مشهدا استهلاليا ناهضا للولوج صوب ذلك الفضاء الفني الفسيح , لهذا المبدع الكبير.
إن من الملاحظ في نظرية الفن عند (أرسطو) إنه لم يدوّن في مجمل تصانيفه المكتوبة الخصبة شيئا عن نظرته لعلم الجمال, وإنما اقتصر على إعطاء فكـرة عن الفن بصـورة (محاكاة) واستثمر ذلك الجهد الفني في استخدام المساهم الكبير (العقل) في ترويض مجمل المكنونات الفنية, ويبدو أن النظرية الجمالية لم يكن قيامها بشكل نظرية عند الإغريق, رغم انه ليس من الممكن نكران أنهم قد عنوا بالجمال وربما كان عنصرا مهما ومكملا وناهضا للثنائي المقدس (الخير - الحق ).
وفي محاورات (أفلاطون) يمكننا الإمساك بمحاولات جادة وعميقة في فهم ودراسة طبيعة الجمال , ولكنها لم ترتقي الى مصاف (النظرية الجمالية) المتكاملة , وبهذا يمكن القول بأن الإغريق قـد عرفوا مفردة (جميل) (beautiful) لكنهم لم يعرفوا مفـردة (استطيقي) (aesthetic) التي ظهرت لأول مرة في بدايات القرن الثامن عشر وتحديدا عـام ( 1735 م ) عندما دونها (باومجارتـن) في البحث الذي نشره بعد حصوله على شهادة الدكتوراه , ليجعلها علما خاصا بدراسة (المدركات الحسية) أو علم (المعرفة الحسية) وهي يالتالي نظرية للفنون الجميلة , وعلم المعرفة البسيطة وفن التفكير على نحو جميل , وفن التفكير الاستدلالي , او كما عرفه فيما بعد (كروتشه) بأنه الحدس المباشر أو الوجدان , او كما عرفه (كريت جون ديكاس) بأنه كل ما له صلة بالمشاعر الحاصلة خلال التأمل , اما (سوريو) فيعرفه بقوله , (انه العلم الذي يضع تحت اجناس كلية المعارف الخاصة المتضمنة في النشاط الفنـي) , أما (يوت باركر) فيقول ان الغرض من (الاستطيقا) أو (فلسفلة الفن) هو كشف الخصائص النوعية للفن الجميل وتحديد العلاقة بين الفن والمظاهر الحضارية الأخرى.
ومما تقدم أكون قد وجدت لنفسي مناخا عمليا وعلميا نقديا للكشف عن براهين ومنطوق تلك المعادلة القائمة بين (المدركات العقلية) و(المدركات الحسية) باعتبارهما دلالتين قائمتين مشاركتين وفاعلتين في انتعاش مناخات المُنتج الإبداعي المسرحي , ولعل هذه المقدمة الاستهلالية أو المدخل النظري يسحبني صوب منصة الباحة الرحبة لتجارب المبدع (سامي عبد الحميد) لدراستها ، ومن ثم لمحاولة تناول تجربته الفنية المسرحية على مدى عقود فنية خصبة خلت , باعتباره من المعنيين والمهتمين الأكاديميين في التعامل المختبري مع قطبيّ تلك المعادلـة الناجعـة (المدركات العقلية) و (المدركات الحسية) والجمع بين النظريات المسرحية الكلاسيكية والنظريات الجمالية بإشكالها وكينوناتها الحديثة المختلفة ابتدءا من تعاليم (أرسطو) والعـروض المسرحية (الكلاسيكيـة القديمـة) و (مسرح العصور الوسطـى) ومـرورا بـ(العصـر الاليزابيثـي) و(الكوميديـا دي لارتي) و(المذهب الرومانسي) الحديث و (الطبيعيـة) و (الواقعيـة) و(المذهب الرمـزي) و(المذهب التعبيري) و(مسرح العبث) و(المونو دراما) و(المسرح الفقير) و(مسرح فيزيائية الجسد) وانتهاءا بـ(السيمائية) باعتبارها جلّ الاستثمارات الدلالية الموزعة على مختلف العناصر المكونة للتعبير اللساني في اللغة الطبيعية , او على وفق تعريف (كريستيفا) بأنها منهجا للعلوم الانسانية وتطبيقات (سوسيو- تاريخية) ومجموعة انظمة دالة.
وربما يبقى ثمّة سؤال يجول في الذاكرة الحيّة التي راقبت بفطنة تلك الرحلة الفنية الطويلة هل استطاع (سامي عبد الحميد) أن يهضم كل تلك التعاليم الاستقرائية والتنظيرية والفلسفية عبر تلك الرحلة الشاقة ابتدءا من بواكير اعماله المسرحية آبان اوائل الأربعينيات من القرن المنصرم , حيث قام بتجسيد دور البطولـة في مسرحية (انا الجندي) في مدرسة التفيض الاهلية في مدينة (سامراء) التاريخية وهو ما يزال لا تربطة اية وشائج عملية وطيدة بفن المسرح , او حينما جسد دور (والد كليانت) في مسرحيـة (البخيل) لـ(موليير) في مدينة (الديوانية) في حنوب العراق التي انتقل اليها ليكمل دراسته الاعدادية فيها , وحين انتقل الى بغداد لاكمال دراسته في كلية الحقوق أخذ يتردد على دور السينما وراح يشخص ادوار الممثلين أمام المرآة لتترسخ في ذهنه ملكة تلك الصنعة الاخاذة (التمثيل) ومن ثم اتيحت له فرصة مشاهدة الممثل الكوميدي (جعغر لقلق زاده) بعدها التقى بزميل رحلته الفنان (يوسف العاني) الذي شكل حينذاك فرقة مسرحية اسماها (مجموعة جبر الخواطر) وعبرها اختـاره الراحل المبدع (ابراهيم جلال) ليجسـد دور (انطونيو) في مسرحية (تاجر البندقية) لـ(شكسبير) ثم اختاره ذات المخرج فيما بعد لتجسيد دور (فاسيلي) في مسرحية (اغنية التم) لـ(تيشكوف) لفرقة المسرح الحديث وفـي عـام (1956) وبعد تسنمه ادارة قسم المسرح في مصلحة السينما والمسرح التي كان يرأسها المبـدع الراحـل (حقي الشبلي) أشرف على الكثير من نتاجاتها الفنية ، وبعد هذه المرحلة المبكرة من رحلتة الطويلة ازداد تعلقه بذلك النشأ السحـري (المسرح) فجسد العديد من الادوار المهمة على صعيد المسرح والتلفزيون والسينما واخرج العديد من الاعمال المسرحية الخالدة في فرقة المسرح الحديث والفرقة القومية للتمثيل وتعامل مع كبار المخرجين المبدعين امثال ( ابراهيم جلال ) و ( قاسم محمد ) وغيرهم , ولا يفوتنى ذكر تجاربه الرائدة مع الفنان التشيكلي الخلاق ( كاظم حيدر ) وتعاونه المثمر مع الكاتب المبدع ( عادل كاظم ) وتعاونه الجاد مع نخبة من الشباب المسرحي الذي استطاع ان يثبت جدارتة وينمي ايقاع ذاته المبدعة الخلاقة في الحركة المسرحية العراقية والعربية امثال المبدعين ( كاظم النصار ) و ( حيدر منعثر ) وغيرهم من الشباب المبدع .
ويبدو ان لا مجال هنا لحصر جميع الأعمال المسرحية لهذا المبدع ( ممثـلا ) و(مخرجا) و( مُنظرا ) ولكني سأذكر في هذا السياق وعلى مستوى التمثيل واستحضر من الذاكرة لعلها تسعفني وقد جاوزت الخمسين بنيف من طلع نخلي المتطاير , بأنني قد أتيحت لي فرصة مثالية قبل سفري الى المغرب أوائل السبعينات من القرن الفائت ان احضـر عـرض مسرحيــة (المتنبي) للمخرج الراحل الفـذ (إبراهيم جلال) وعبرنا حينها حدود القصر الجمهوري الذي كان محاط بمجموعات من رجال الحرس الجمهوري وهم مدججين بأسلحتهم وسرنا بمحاذاة الحدود المحيطة بمنطقة كرادة مريم , وحينما خرجنا من العرض وأنا اشعر بفخر سرمدي, ممتلئ بالدهشة والصدمة والفضول ، ومغلفا برغبة عارمة ولذة خلابة في ان اجتهد كي أكون ممثلا مجيدا كالذي رأيت , ومتمنيا بذات الوقت بأن تـُعاد الكرة ثانية كي يتسنى لي رؤية ذلك ( السامي المتنبي ) منتصبا شامخا وهو يردد ابيات المتنبي بصوته الجرسي الخلاب الممتع.
(تمرست بالآفات حتى تركتها تقول
أمات الموت أم ذعر الذعر )
نقلني هذا الصوت عبر حواسي وملكاتي الروحية والعقلية والدلائلية الى عبق الكوفة الجليل، بل وأطاح بنواصي قصائدي في حضرة تلك الباحة المسرحية الأخاذة , وهذا ما يمتاز به هذا (الممثل) الخارق باعتراف الخشبة أولا , وجملة النقاد بالإجمال ثانيا ، والجمهور المتلقي ثالثا .
بعد هذه التجربة نقلني الى عالم ( الاكريولوجيا ) السحري عبر الرقـُم الطينيـة حينمـا اخـرج مسرحيـة ( كلكامش ) وبالرغم من انه كان مسجلا وثائقيا ومؤرخا للملحمة اكثر منه مخرجا منتجا للأشكال الصورية المبهرة ، وقد يحسب لهذه التجربة إحياءها لملامح مسرحة التاريخ العراقي القديم , وهو في ظني اول من تعرض لهكذا تناول ممسرح باستخدام الأسطورة وإخضاعها لمقومات العرض المسرحي , رغم ان الملحمة المنقولة الينا عبر الراحل ( طه باقر ) لا تحمل مقومات النص الادبي ، او الخطاب المسرحي .
ولو رجعنا للسؤال آنف الذكر , لقلنا وبكثير من الفخر بان ( سامي عبد الحميد ) كان وما يزال منظرا كبيرا وممثلا مجيدا , ومخرجا يسجل تاريخه الطويل أعمالا مسرحية مهمة يوثقها سجل المسرح العراقي والعربي ، ولقد تحصن بملكات إبداعية متميزة عبر دراسته الأكاديمية لفن المسرح في لندن , وافـاد بها الكثيـر من الأجيال اللاحقة التي اكتسبت من خبرته الوافرة عمق الدراية وراحت تسبر اغوار التجارب وتحليل النظريات القديمة والحديثة لتقدم لنا من خلال نخلته الفكرية الباسقة الوارثة الظلال اطاريح أكاديمية ناضجة في مختلف فنون المسرح في الدراسات العليا تحت اشرافه وتخرج من تحت جلبابه العديد من الأجيال المبدعة من المسرحيين الذين يدينون له بالعرفان والفضل اولا ً والمعرفة والعلم ثانيا ً ,
لقد كانت الخصوصية الأسلوبية والطرائقية المتفـردة في فـن الإخراج والتمثيـل المسرحـي عند الفنـان ( سامي عبد الحميد ) قد شكلت محوراً مهماً، ومناخاً خصباً لدى العديد من المهتمين بشؤون المسرح العراقي والعربي وقد أثبتت هذه (التجارب) عافية المسرح العراقي المرئيـة التي أسهمت بالتالـي فى تطويــر وإثراء الملكات الفنية والفكرية لدى العديد من طلبة الدراسات العليا في كلية الفنون الجملية , كما نمت هذه التجارب قدرات وملكات العاملين في المجالات التقنية الفنية , وأسهمت في إخصاب ونمو الأداء التمثيلي لدى المعنيين بهذه التجارب ذات الصبغة المهارية العالية في فن التمثيل , فضلا عن أنها قد فعلّت حركة النقد المسرحى العراقي والعربي وأثرته , بالاضافة الى ان هذه التجارب كانت قد أطرت لموضوعية انتخاب النص المسرحى العالمي والمحلي الذى من خلاله استطاع ذات الفنان ان يفجر ملكاته الابداعية الفكرية والحسية والجمالية والدلائلية , ليحصل في الكثير من تجاربة العرضية , على ادق حالات الاستجابة المثلى من قبل المتلقيين على مستوى النخبة وجمهور الحضور بالعموم , وعلى مستوى النقاد المسرحييـن , وأثرت بالايجاب أيما تاثير في المناخات المسرحية العراقية والعربية بالاعم الأغلب .
واخيرا يبقى الفنان الكبير الراحل (سامي عبد الحميد) قامة شامخة من قامات المسرح العراقي والعربي ، ومفخرة عراقية صرفة ، ومفكرا مبدعا وصاحب رؤية وملكة فنية (عقلية - حسية - جمالية - دلائلية) خصبة خلاقة امتزجت في بوتقتها جلّ النظريات والتجارب القديمة والحديثة , وحسبنا القول بانه كان قلبا رهيفا ينبض بالحُبّ والوفاء لباحة المسرح العراقي.
سعدي عبد الكريم/كاتب وناقد مسرحي

