برعم للشغف
تقول الحكاية إنّ أنثى السحاب مدّت يدها لرجل عجوز فأنبتت في قلبه سهل قمحٍ، وإذ سألها عمّا تخفيه بين الضلوع قالت: إنه حزنٌ لو أمطرته على هذه الأرض لملأها شوكاً. إذ ذاك قبّل العجوز جبينها فأمطرت ورداً، كانت قبلتُه برقاً اهتزّت لها أعماقها فسقت وروت وارتوت. كان العجوز ينقش بقايا حلم على باب الدار، يتجول على شفة المدن البكماء، لا ينطق حرفا؛ كي لا يخدش صمت الريح. يمضي بثياب زاهدٍ نحو اللامكان، ينثر صلوات الضلوع ترانيم سكيْنة، وإذ التقيا تبادلا الضباب. غريبان، يحتسيان رذاذ البحر كانا، ويوغلان في المواجع. تهمهم الكلمات بين أصابعهما؛ ليرسما فرحَ اللحظة المُختلَسةِ من عيون المدائن. يتشاطان القهوة والسجائر وتفاصيل شكوى الروح، يتلمسان انحناءات جسد سمكة منحت روحها لموجةٍ راحت تُراقص بشبقٍ حبيبات اليابسة، وتجهش الأعماق بالنشيجِ، قبل أن تستسلم ليد صيّاد راح يتأملها بفرحٍ.. لم يكن جائعاً لكنّه ربما كان يمارس هوايته، يختبر قدرته على الإغواء. ويقول الراوي: إنّ تلك الصبية عادت يملؤها الشغف بالحياة، وأما العجوز فقد شعر بألم بين ضلوعه، كان هناك برعم صغير يُولد.
حسن عبد السلام ابو دية/ فلسطين

