-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الرجل المسائي ..لـ محسن الطوخي

 الرجل المسائي

قصة قصيرة

محسن الطوخي



....................
فريدة , وسمر , وأميرة . عرائسه اللائي عرفتهنّ دون أن ألتقي بواحدة منهن . يقول لى : التقيت أميرة صدفة فى محطة القطار .
وتكون بداية لحكاية طويلة , أتخيل قبل أن يبدأها الحوارات الذكية التي دارت بينهما . أستطيع أن أنوب عنه فى الحكي , أنهل من الذاكرة , ومن تفصيلات عشرات السهرات المليئة بالحكايات المعادة والمكررة , وبالمصادفات واللقاءات العابرة . هو الرجل المسائى . ارتبطت زياراته لى بحلول المساء . أسمع عصاه تدق الأرض بوهن . وحذاءه يزحف على رخام الدّرج . حالما يحل أصير أنا ضيفا عليه . يغرق فى مقعده , ينفث دخان سيجارته بمتعة . يمرر المنديل على سطح رأسه الأملس كل بضع دقائق , يشكو من الحر وارتفاع الضغط , ومرض غريب فى صمامات القلب قال أنه يصيب واحداً
من كل خمسة ملايين من البشر . يضحك وهو يشير إلى صدره ( مُبْخَت ) . حين يشرع فى الحكى يرتدى لكل منهن حالة بعينها . لم يخلط بينهنّ قط حتى فى التفاصيل الدقيقة . الألوان اللاتى يفضلنها , والمزاج الخاص لكل منهن . فى حقيبته أشياء صغيرة وتذكارات . اسكتشات على قطع من الورق قال أنها لفريدة . ومشغولات بخيوط التريكو من صنع سمر , وأقلام وميداليات هدايا من أميرة أقلهن جمالا وأكثرهن خفة .
تشيع سمرتها الهادئة فى التهدج الذى يشوب صوته ...
فى زيارتى الخامسة له فى المستشفى أسر لى بصوت مملوء بالشجن :
- اضطررت لصرف أميرة من على باب المستشفى .
أضاف عندما لمته لقسوته : لا أحب لأحداهن أن ترانى على تلك الحالة . أنت لا تدرى ماذا أمثله لهن .
ثم أشركنى معه فى تفحص ملفِّه المرضى الذى احتفظ به داخل دوسيه أنيق , يليق بموظف أرشيف عتيق .
تابعنا سوياً رحلته مع المرض خلال شهور ثلاثة , بدءاً من الكشف الأكلينيكى وصولاً إلى جراحة المنظار التى لم تنته إلى نتيجة قاطعة . قال :
- حتى العينات التى أخذت بالمنظار , لم تكشف جديداً . صرت حقلاً للتجارب .
ضحك ضحكة طويلة مخلوطة بالسعال وهو يقول : انا انسان مملوء بالأسرار .
أتم ضحكته , واستراح من نوبة السعال وأضاف : أليس هذا ماقلته عنى ذات يوم ... فى الأمسية التى سبقت جراحة الاستكشاف حملت إليه ميدالية مصنوعة من أصداف البحر , انتقيتها بعينى أميرة . سألته باسما : من تظن أرسلها اليك ؟
ورفعتها بين السبّابة والابهام .. ابتسم وهو يقول : لابد أنها أميرة .
أومأت موافقاً .
قال وكأنه يستكمل حديثاً بدأه منذ أيام : مع ذلك ماكان ينبغى لها أن ترانى . لا لوم على .
ثم انخرط فى حكاية من حكاياته التى تبدأ ولا تنتهى الا مع بدايات النعاس . تبدأ متوهجة , وتسترسل فى حيوية , وتموت فجأة فى نهاية مبتسرة ترغمه عليها همسات الممرضة بوجوب الانصراف , أو بسقوطه هو نفسه فى النوم . فى الشهر اللاحق عمد إلى تقبل كل الأشياء التى آتيه بها . اسكتشات صغيرة مرسومة على رقاع من النسيج أو الورق , قلانس وجوارب مصنوعة من خيوط التريكو , اقلام وقصّافات وزهور . تثير كل واحدة فيضا من الحكايات .
...
كان على أن أدرك أنه قد أزمع الرحيل عندما كف عن الحكى وقال بجدية بينما أقدم له واحدة من تلك الأشياء الصغيرة : علينا ألا نعتقد بأن شيئا ما قد أهدر . ثم أضاف عندما لزمت الصمت : العواطف كالمادة . لا تفنى , ولا تنشأ من العدم .
...
فى سعيه الأخير لم تظهر واحدة من عرائسه , وتبدّى لي خواء العالم . كأنهن انطفأن بمجرد غيابه عن الوجود . حتى ملامحهنّ التى كنت حفرتها على جدران الذاكرة , تلاشت وانمحت .

عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية