محسن الطوخي: تهاويم على إيقاع "لفحات أغسطس"
الست امتياز هي بطلة هذه التجربة بلا منازع. فهي محركة الأحداث، بينما حضر الرجل على الدوام في مقام رد الفعل. لذلك سوف نمر عليه مرورا سريعا، قبل أن نفرغ لتأمل هذا النموذج الإنساني الرفيع.
اول مايلفت النظر هو أن الرجل ورد ذكره في القصة على الدوام مشارا إليه بضمير الغائب. بينما ورد اسم الست امتياز ثلاث مرات. مرتين في خيال الرجل صاعدا الدرج، يتأجج صدره بالغضب، وراقدا على سريره بعد أوبته من مغامرته متهيجا مستثارا. ومرة واحدة بلحمها وشحمها مقتحمة خلوته حاملة صينيتها. وغياب اسم الشخصية في السرد يشي بحضوره الباهت في ذهن الكاتب رغم استخدامه كعمود فقري للحبكة. هو ليس اكثر من شاشة العرض التي تدور فوق صفحتها الأحداث. ومما يؤكد هامشيته في التجربة ظهوره السلبي في كافة المشاهد التي صورته. مستلقيا على سريرة نهبا للذكريات والملل، والحر. أو واقفا على باب الست امتياز وقد شدهه عريها، وفتنة جسدها الذي انضجه الصهد والحر، وما تبذله من جهد في دق الكفتة بيد الهون الثقيلة، ثم استسلامه لفراشه في مشهد النهاية مستثارا متهيجا وكأنها المرة الأولى التي يري فيها الست امتياز جارته القديمة. والحق هو أنها المرة الأولى بالفعل. فيمكن للقارىء من خلال الإيحاء بتفاصيل المكان وخصائص البيئة أن يتخيل الصورة الذي اعتاد أن يري بها المرأة، ملفوفة بالملاية اللف. أو تحت الإسدال، في صورة تليق بحشمة امرأة عزباء أو أرملة في حي شعبي. لذلك بدا الذهول الذي سيطر عليه لدى وصوله إلى باب الشقة الموارب مفهوما ومنطقيا. فهي هناك على بعد خطوات، تجلس وقد ضمت أطراف جلابيتها بين سمانة ساقها وأول فخذها. وقد تهدل شحم عجيزتها على أطراف كرسي الحمام، تهوي بيد الهون، فيرتج جسدها في ارتدادات تسلم بعضها إلى بعض ابتداء من ساعدها فصدرها فبطنها فجذعها فساقيها. معذور إذن الشيخ حين ارتج عليه في موقف الصدمة، ونسي الهدف من تكبده مشقة الصعود، ومعذور هو إذ أسعفته اللحظة بحيلة تنقذه من الورطة فتعلل بطلب تلقيمة بن، ثم لاذ بالفرار.
نأتي للست الطيبة امتياز. ولكن هل هي بالفعل طيبة؟
ظاهر الأمر يشير إلى ذلك. لكن قراءة الأحداث تضعنا في شك من ذلك. ولكن هل من واجبنا ان نحاكم الست امتياز هنا في واحة القصة القصيرة بناء على مانستنتجه من إشارات، بدءا من الهبد بيد الهون فوق رأس جارها الطيب. ثم ملاحقته بعد تدبر وترو، ليس بتلقيمة بن فقط، بل بأصابع كفتة الجمبري المحمرة. وفنجان القهوة المزين برسوم روميو وجولييت. أما رائحة جسدها فسنغض الطرف عنها مؤقتا، فالحس الشعبي السليم من الذكاء بحيث من غير المتوقع إن تتعطر امتياز قبل أن تخطر بالصينية متوجهة إلى الشقة السفليه.
لدينا الكثير من النوايا الطيبة، ودوافع حسن الظن تمكننا من تبرئة ساحة الست وإحالة كل تصرفاتها إلى طبيعتها الشعبية المنفتحة على الآخر. لكن لا يمكن لنا أن نفغل الإشارات التي أرسلها لنا الكاتب على لسان السارد ( اللئيم ). وأولها المقابلة بين حركة صعود الرجل في بداية التجربة. وهي حركة نالت اهتمام السارد فأعطاها حقها من التصريح والإيضاح. بينما غلف هبوط زينات بالإضمار ( وكانه ينبهنا إلى عدم إساءة الظن بقدراته )، انظر كيف غلف المشهد بالكثير من الإيحاءات في توجيه غير مباشر لذهن القارىء.
- قبل طرقات امتياز يأخذ بجماع انتباه القارىء إلى تلك المنطقة بالذات. فالرجل يقاوم حصرته كسلا.
- طرقات " لحوحة " ..
- " تسد ضلفة الباب " ..
- " أصابع كفتة الجمبري المحمرة " .
لن أسيء الظن بنوايا السارد، ولكن لا يمكن ألا ينتبه القارىء لدلالة الأصابع في موقف الاشتهاء.
- رسوم روميو وجولييت على الفنجان. ومن عاصر الستينيات من القراء يعرف شهرة طقم صيني روميو وجولييت، وارتباطه بالمناسبات السعيدة
**ونأتي للطامة الكبرى.
" رائحة جسدها "
أظنني أمسكت الكاتب متلبسا.
فكل ماعدا تلك الرائحة يقع في محيط انتباه " امتياز " وهي ترجو أن يكون فيه الكفاية لتحريك " الصنم " المشدوة - مازال - بخطو قدميها الحافيتين على البلاط، وعرقها الواشي بتفاصيل جسدها.
رائحة جسدها إذن وشت بتورط الكاتب في المسألة. هو فقط من يمكنه التقاطها في موقف الرجاء.
ولا يسعنا ان نتجاهل دوى " يد الهون " بإيحاءاته الحسية، وبالنوايا التي حركته:
هل اشتهت امتياز في هذا اليوم الحار اللافح من أغسطس تناول وجبة من كفتة الجمبري؟. اول مايخطر بالبال هو انها وجبة شتوية بامتياز، بما تضخه من طاقة، وما تستوجبه من جهد عضلي لا اظنه مستحبا في صهد أغسطس. وهذا يرجح مع القليل من سوء الظن أنها إنما عمدت إلى تلك الوسيلة لتحريك الصنم الذي يسكن تحت السقف الذي يتلقي الضربات. اغلب الظن أنها لم تكن غافلة عن ظروف الجار الوحيد القابع كالدودة " لا يهش، ولا ينش ". ونحن مضطرون لاعتبارها وحيدة ومقطوعة للظرف الذي وضعتها فيه الحكاية، فالوقت عصاري. حيث تكتمل البيوت بالرجال العائدين من أعمالهم، والأولاد الآيبين من مدارسهم. فإذا وضعنا في الاعتبار الباب المفتوح. حق لنا أن نسيء الظن بنوايا المرأة، خاصة وان السارد لم يفوت الفرصة لتوجيه أذهاننا إلى مايتوجب علينا صرف انتباهنا إليه، .." .. ولم يبق سوى هو و ( الهون ) الذي يستقر في منتصف الصالة صامتا ثقيلا " . توظيف الهون جاء إذن موظفا بادائة الصاخب كدعوة للصعود، وبإيحاءاته كطاعن ومطعون. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فسينتقل ذهن القارىء مباشرة إلى مشهد الرجل قبل طرقات امتياز وهو ممدد، تداعب ذاكرته صورة صينية الومنيوم، يقف قوقها ( منتصبا ) كوب الماء البارد.
هناك حالة من التوتر مضمرة، ومخبوءة، تمور تحت سطح الأحداث التي تبدو في ظاهرها بريئة وتلقائية.
ولو انها كانت كذلك لما نشأت ضرورة لسردها. لكن عين الفنان اللاقطة تنتبه بطبيعتها لما يمكن أن يفوت العين العابرة. ولولا قدرة الفنان على حشد رؤيته بالإشارات الدالة، لما توهج نص كهذا. ولما تجاوز حيز الممارسات اليومية.
ومن اللافت أن الكاتب لم يكتف بالعناصر اللغوية ذات الحمولة الدلالية. ولا بالصورة الموحية. بل استخدم أيضا الحركة.
حركة صعود بدأت بها التجربة، قام فيها الرجل بالصعود مدفوعا بالرفض الظاهري لدقات الهون، بينما يحلق هاجس في الافق بأنه كان مدفوعا برغبة مضمرة.
وحركة هبوط انتهت بها التجربة، هبطت فيها امتياز بعد تدبر وروية مدفوعة ظاهريا بواجب الجيرة، بينما يحلق هاجس مشابه بأن مايحركها كان هاجس مشمول بالرجاء.
ولابد ان المشهد يحتوي على شواهد تجعل من فكرة ( الانتروبيا ) حاضرة في مجال المقارنة. فباعتبار المنزل القديم فضاء مغلقا، يمكن تصور حركة الصعود والهبوط باعتبارهما حركة طبيعية تلقائية تمثل انتشارا للطاقة يسعى إلى تحقيق التوازن في هذا الفضاء المغلق. فامتياز المتأججة بالطاقة، والرجل الخامل الكسول يسعيان بشكل غير مقصود إلى وضع حد لحالة التوتر وصولا إلى الاسترخاء، أو التجانس الذي تسعى إليه الأنتروبيا.
هذه فكرة جانبية قد لا يتجاوب معها إلا خريجي الأقسام العلمية. لكنها على أي حال جالت بخاطري ورأيتها تحقق انسجاما مع القواعد التي تحكم الكون. وهل الإنسان إلا كون مصغر. .. " وتحسب أنك جرم صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر " . البيت معروف ومنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب.
على العموم.. لا يهم إن كانت امتياز قد نجحت في تحريك ابو الهول، ودفعه إلى تجاوز الخط الوهمي الفاصل بينهما، فما يهمنا هو( شرف المحاولة ). وبراعة العرض. والاقتراب من المحظور . ولا يتصور احد اننا في مقام محاكمة امتياز من وازع أخلاقي. وإلا نكون قد جانبنا أصول التناول. بل الأحرى هو أننا نضع محاولات الكاتب في تمييع المشهد في ميزان القدرة الإبداعية. والسؤال الذي ينبغي ان يراود القارىء. هل نجح الكاتب في تحريك امتياز بحيث لا تطالها شبهة عبث او مجون، رغم انها لم تدع وسيلة إغراء إلا واستعملتها؟
وهل نجح في نتف ريش الرجل الطيب، بحيث يجعلنا نقبل بأريحية تنحيه عن الباب المفتوح، والسماح لامتياز بالدخول؟
الإجابة في الحالين هي نعم..
محسن الطوخي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة القصيرة
لفحات أوغسطس
سيف البدوي
لفحات أغسطس
--------------------
دماغه ثقيلة ثقل ذاك (الهون) النحاسي الذي لم تكف جارته عن الدق به فوق راسه حتى هرست مخه ..
لم يكن مدركاً لحقيقة ما هو عليه ، أكان نوماً أم يقظة ! .. كل ما يدركه أنه حزين ، وأن هذا (الهون ) الذي يهبد السقف فوقه .. أرحم من تلك الذكرىٰ التي تتسكع داخل روحه بخطواتها الثقيلة بلا توقف . كمن ضل طريقه في متاهة .
عليه إذن أن يتخلص من طرقات (الهون) في جمجمته أولاً .. ثم يفرغ لتلك الخطوات التائهة في مسارب روحه .
أنزَلَ ساقيه عن السرير الذي يبخ صهداً .. باسطاً صفحة قدميه على البلاط الرحيم ، ثم تشبثت يده بدُرج التسريحة الذي صار من الصعب إغلاقه منذ سنوات .. ونهض .
لم يَدَعْ لنفسه فرصة لأي تفكير أو تدبر أمر .. فتح باب شقته ، ثم تشبثت يده بعود الخشب الذي يكتسي به الدرابزين المعدني للدَّرَج .. وصعد لينهي أمر (الهون) ، حتى لو اضطره ذلك لأن يُمسك بيده الثقيلة و يهبدها- ولو مرة واحدة - في رأس الست ( امتياز ) .
تجمد أمام باب شقتها المفتوح ، بينما كانت تجلس وسط الصالة شبه الفارغة، المفروشة بمشمع ذو وردات حمراء كبيرة وأوراق خضراء مفلطحة ، وقد اختفى كرسي الحمام تحتها اختفاءً مريباً ..مُحْكِمَة على طرف جلابيتها ما بين سمانة ساقها و أول فخذها .. ويدها ذات الأصابع المكتنزة المبرومة قابضة بعنفوان أنثوي على يد (الهون) الذي تهوي به فيرتج كل هذا الجسد تباعاً في ارتدادات تُسلِم بعضها إلى بعض ابتداءً من ساعدها فصدرها فبطنها فجذعها فساقيها .. لتستقر في نهاية المطاف إلى بلاط الصالة .
رفعت رأسها و قابلته بابتسامة زادت وجهها ـ المتوقد ـ حُسناً ، وأفسدت ما انتواه وعزم عليه عزماً حين قرر الصعود إليها !
كانت قد هَبَّت واقفة حين رأته ، وأسرعت نحوه بقدمين حافيتين مستدقتين ، أما هو – والذي خَبِرَ فتنة خطو امرأة بقدم حافية - كان قد أُسقط في يديه حين استقرت أمامه بجسدها الذي ينز عرقاً تحت جلابيتها التي لم تعد صالحة لستر أي شيء !
كان لا بد أن يقول شيئاً .. أي شيء .. وإلا فلم يجرح ستر بيوت الناس في نهارٍ حارٍ كهذا .. تلجلج قليلا .. ثم طلب منها معتذراً ( تلقيمة بن ) ، فخبطت بكفها على لحم صدرها ثم أشارت بسبابتها إلى عينها ( من عيني .. حاضر )
كان يتفادى النظر إليها بعد أن استدارت تخطو بقدميها الحافيتين خطوات متعجلة نحو المطبخ ، لكنه نظر .. ورأي .. حتى اختفت .. ولم يبق سوى هو و ( الهون ) الذي يستقر في منتصف الصالة صامتاً ثقيلاً .
حين عادت لم تجده ، فَخَطَت على البسطة ونزلت درجتين ونظرت من بين قضبان الدرابزين الحديدية لتجد بابه مغلقاً .
كانت ساعة العصر قد انقضت .. وهو يجلس على طرف السرير بلا حركة منذ نزوله من شقة الست ( امتياز ) ، تطارده صورتها و مشيتها وعرق جسدها ، ثم مدد جسده على السرير .. مستسلماً لكل شيء بلا قيد أو شرط ، حتى غفا .
ربما لم تكن سوى غفوة استغرقت دقائق معدودة .. أفاق منها على رائحة البن التي تتماوج من دكان "ابراهيم الجمل" تخترم جمجمته ونخاشيشه ممتزجة برائحة العطارة المعتقة المنبعثة من تلك الدكاكين الصغيرة كعلب الكبريت بسوق العطارين .
كان حزيناً .. وحيداً ..و جائعاً .. انفردت به ذكريات تلك الأيام حين كان يتململ من نومة العصاري فيجدها جالسة بجواره وبيدها ورقة من الكرتون ( تُهَوِّي ) على جسده المدد وقد لوحته لفحات اغسطس .. ثم تبتسم له واضعة يدها تحت ظهره فيعتدل ، فتناوله كسرة الخبز الناشف ، المبلول بالماء ، وقد (حَنَّته ) بطبقة رقيقة من الجبن الأبيض المالح ، وعلى صينية المونيوم يقف منتصباً كوب الماء البارد ، و بجواره قهوته المرة في الفنجان الأبيض برسمة دقيقة لروميو وجوليت .
يدرك أنها ليست هنا ، وان مثانته ستنفجر خلال دقيقة أو دقيقتين .. وأن عليه النهوض وحيداً بلا يدها .. والمرور عبر تلك الصالة الساكنة ، شبه المظلمة، نحو الحمام .. ليفك حسرته ، لكنه لم يفعل ، ولم يحركه إلا طرقات لحوحة على الباب يبدو له من وقعها أنها لم تكن لأول مرة ..
كانت الست ( امتياز ) تسد ضلفة الباب المفتوحة وبيدها صينية من الألمونيوم ، وقد استقر فوقها طبق تراصت به أصابع كفتة الجمبري المحمرة ، وبجواره فنجان أبيض برسوم دقيقة لروميو و جوليت ، و كنكة نحاسية يتصاعد منها بخار لطيف عَبِقَ برائحة بن ممتزجة برائحة جسدها .
---------------
من مجموعة : لفحات أغسطس (تحت الطبع)

