قراءة الأديب الناقد سليمان جمعة لنص:
قراءة
"مسرح الهواء الطلق"
للأديبة السورية صديقة علي.
يتراءى لي باب السطح الموصد كمارد يصل رأسه للسماء، يسد منافذ النجاة، أصرخ بأعلى صوتي قبل أن يجف حلقي، وما كان لقيدي أن يفك بيد أمي.
أسمع نشيجها، همسها، وقع خطواتها المبتعدة، ثم صفعة باب بيتنا التي أخمدت بقلبي بارقة الأمل... كم كنت أمقت ضعفها واستكانتها، وتفطُر قلبي دموعها.
الجوع والعطش تملكاني، قواي خارت، الشمس تسكب كل قسوتها بي، والسجن سجن ولو تحت الشمس، بت أشتهي عتمة السجون ورطوبتها.
وحدها طيور الحمام تلتقط رزقها بعيدة عني، وتنعم بحرية بأجنحتها في هذه الزرقة المخيفة، وحدي أنتظر عودتها لتؤنسني، أشاغل نفسي بغيوم خجولة، أتابع قطعانها الهاربة، خذلتني، وابتعدت عن قرص النار:
- فقدتُ تعاطفك معي يا غيمة... فممّ خوفك هذا؟
أعود لأريح رقبتي، أراقب الحائط، أعد شقوقه، أقدّر أبعاده، أمنّي نفسي بصبغة المغيب تحتله، وإذ بخيال رفيقي يرتسم عليه، فألتفت يميني حيث تعودت على قدومه من هذه الجهة، إذ كان وحده من يتسلق الحائط الفاصل بين سطحينا دون خوف بل بكل رشاقة وثقة، كنت أشعر بدوار بتتبع قدميه المتبادلتين على حائط ضيق، وأغبطه على جرأته.
اقترب مني وأنا مقعٍ وظهري مستند على جدار بيت الحمام، يدفع بكتفي إلى الأمام، ويمد رأسه خلفي، ليرى يديّ الموثوقتين إلى حلقة حديدية صدئة مغروزة بالجدار. ينصب قامته أمامي، يعقد ذراعيه خلف ظهره، يتابع استجوابه دون أن يسمع توسلي:
- لم فعل بك هذا؟
- ذنبي أنني حِلتُ بين قبضته ووجه أمي ...ثم شكوته لجدي.
- وأين والدك؟
- مات منذ سنتين وشقيقه تزوج أمي.
ارتسمت ابتسامة احتقار واستهزاء واضح على فمه لوى شفتيه وقال:
-وماذا فعل جدك؟
تركني في حيرتي، ولم ينتظر ردي، تسلق الحائط كالعنكبوت، قافزا إلى المقلب الآخر، غير آبه باستغاثتي. ..
هو دائما يفعل أشياء غريبة... وكنت قد عرفته منذ أشهر وهو يطارد حمامات عمي ويهشها عن سطحهم المقابل.
كنا نعد النجوم ونصعد إليها مرات ومرات، نتسامر حتى الفجر، لم يسألني عن حالي وبالكاد يعرف أسمي، يكبرني بثلاث سنوات عمرا وسنين طويلة خبرة وتجارب دنيا لا تناسب سنواته العشرين، بعد إلحاحي أخبرني بشحيح معلومات أنه من السكان الجدد في الحارة.. تذكرت أننا لم نلتق يوما إلا على السطح، الكثير من الغموض يلفه، أسعد بصحبته لكن كنت أتقزم أمامه دائما...إلى أن يناولني من حبوب يلفها بورق ملون، وعندها أشعر أنني ملكت الكون.
شعور خفي بداخلي يقول: إنه سيعود.
رأسي تبلل بزرق الحمام العائد إلى مبيته، يتهادى. فوقي وهديله يحل في قلبي سكينة تنسيني آلام القيد، حمامة بيضاء أثيرة لقلبي تلك التي وضعت بساقها طوقا من الخرز الازرق، تغط على كتفي، تنقر وجهي كأنما تواسيني.
ما يجمعني بعمي حب الحمام فقط، كنت أسعد كثيرا لانحسار الصرامة والقسوة عن وجهه، بصفيره وبتلويح الراية عاليا يجمع الحمام، يدربه على المبيت في بيت صغير، رفوفه خشبية مسودة، وجرن حجري تتزاحم مناقير الحمام على مائِه.
لم يطُل انتظاري كما توقعت ..قفز صاحبي إليّ، وسحب من جيبه مدية صغيرة، لمعت حمرة الغروب على نصلها، وراح يقطع الحبل الثخين، يحرر معصمي، ويدلك يديّ إلى أن غابت زرقتهما. ركضت إلى خزان الماء أرتوي منه يغسل رأسي من مائه، ويجلسني في فيئه أشعر بحنان خفي بوجوده، يفتح كيسا تأبطه طوال الوقت ويضعه أمامي، رحت ألتهم الطعام بنهم وعرفان.
- لم تركتني... ماكنت تحتاج لهذه كي تقطع الحبل.
- كل واصمت... هذه ليست لقطع القيد فقط... وسترى الآن أن الشكوى لا تفيد مع عمك.
حول نظره نحو باب السطح وحدق به مطولا، وهو يعض على شفته السفلى انتابتني قشعريرة؛ هو دائما يفعل ما يفكر به ولم يُشركني يوما، بعد صمت ثقيل لم أجرؤ على قطعه راح يعطي أوامره وعيناه لا تفارقان الباب.
- علينا أولاً جرّ الماسورة الحديديّة هذه، وإغلاق الباب لكن دون أن نصدر ضجيجاً.
بلا اعتراض نفذت، وضعناها بشكل قُطر قاطعت الباب، وحجزنا أطرافها بحديد أعمدة كأنها وجدت هناك لهذا الدور.
- والآن إلحقني.
انطلق كالسهم، يلتقط الحمامات من رأسها ويجز أعناقها، الدم يتناثر على وجهي أدور حوله أرجوه بصوت واهن:
-لا... لا لن نفعل هذا ..؟
- إخرس وكن رجلا ..
أخطف رأسي بعيدا عن مسار مديته، وهو يشق بها الهواء، ومع كل قوس يرسمه.. تسقط عدة رؤوس ...كيف تعلّم هذا؟! ..كنت أتساءل وأنا ألمح علامات التشفي على وجهه القاسي .
..أخذت أتعرق، تصطك أسناني .. وترتجف ساقاي، أتشبث بكتفه بكل ما تبقى لدي من قوة أرغمه على إيقاف معركته.
حدق بعيني لائما وأنفاسه تتسارع كالعائد من سباق طويل بهدوء مدهش لف خصري بذراعه القوية، والمدية الرطبة بيده، والدماء اللزجة محيطة بنا من كل جانب وتحتل ذرات الهواء. بدوت كصعلوك تحت إبطه، وساقني إلى حيث الخزان، غسل يديه، ورشق بالماء وجهي عدة مرات، رحت أشهق، ناولني الحبة وقرّب حفنة ماء من شفتيّ اليابستين، شممت رائحة الدم من راحتيه.
تلاشى خوفي وضعفي، برودة لذيذة سرت بكل جسدي، صرت بلا وزن ..بلا تردد.
قبل أن يجن الليل أنهينا الهدنة عدنا إلى ساحتنا، بنشوة عارمة وضحك هستيري أجزّ أعناق الحمام، منتعشا بطراوتها ولزوجة دمها بين يدي وبارتجافها الساخن.
كنت أقهقه ..وكان يصرخ مشجعا، يملأ السطح حماسنا ويجن مع جنون طرقاتهم وصراخهم .. وتهديداتهم ..ومحاولاتهم خلع الباب .
لم نبالِ بتوسلاتهم نركض جيئة وذهابا بخفة ونشاط، نتابع إسقاط الحمام المذبوح بخزان عمي.
كلّت قبضاتهم، وانسحبوا فهدأ الكون من حولي. سقطت على ظهري تلفّت حولي لم أجد رفيقي، وكأن السماء قد سحبته، فعدت إلى النجوم...
عند الفجر نهضت مستندا على حافة الخزان الطافح، كدت أتقيأ إذ خطر لي أن أمي ستشرب منه، أصابني دوار، وأنا أتابع دوامة الماء الأحمر حول الحمامة البيضاء الطافية بطوقها الأزرق.
.....................
//__القراءة
نص ثري بالتفاصيل ..
يرسم المكان حيث يتحرك المعنى ليقترح حياة له قابلة للحدوث وممكنة ..
ولذلك جاء النص مصداقا للعنوان ..مسرح في الهواء الطلق:
فديكور المسرح لغة صامتة يقرؤها المتلقي فتضفي زمنية على الحدث وتجليه ..وكذلك المشاهد السينمائية .
فالكاتبة حققت الاثنين معا الديكور الصامت /المتكلم..والمشهد الحاضر مع مشاعر الشخصية .
الفتى يصف الشقوق في الحائط والباب كيف يتراءى له ..ومن فوقه رف الحمام الذي يحلق حرا وهو سجين والحمامة بالخرز الازرق التي تواسيه بنقرها له وبعض الغيم الذي يعاتبه كيف تركته غيمة .. ويصف كذلك صديقه كالعنكبوت وهو يتسلق الجدار وكالبهلوان وهو يقطع فوق الحائط..
كل ذلك مع فعل الصراخ والضيق وكل شيء يبين كحاجز..
مما سبق نرى الكاتبة تحضر المسرح للحدث
وما هذه البنية المعرفية؟
هي تمثيل ظاهرة لابرازها وانشاء موقف منها ..واقتراح مستوى آخر لها يمكن ان تعيشه.
في المسرح يظهر الفتى وهو مقيد كالحيوان الى حائط بيت الحمام ..
ويظهر صديقه
اما البقية فوراء الكواليس الام ..الزوج الذي حل محل الاب الميت وهو شقيقه ..والجد ..
ولكن اثرهم يعيشه الفتى والصديق..
اذن ..المسرح في الهواء الطلق ..
"الطلق " اي ظاهر للعيان
والحدث يجري على مسمع مما حوله ومرآه.
هنا لا بد من اشارة الى امر مهم لدور الكتابة الادبية الفنية الافتراضية..
لماذا يغيب عن المشهد دور الموسوعة المعرفية التي تمثل الرأي العام الاخلاقي ؟
لماذا يغيب دور القانون والسلطة في كبح ومعاقبة المتجاوز ؟
سؤال فرضه العنوان..
من الجمهور الذي يحضر التمثيلية ويشاهد؟
اذن،
البنية الاساس هنا هو البيت والاسرة والتعنيف للمرأة وللولد .. من قبل زوج الام كدور زوج الاب بعد وفاة الام .
الزوج /العم
يعنف الام فيتصدى له الفتى ابن ال١٧ سنة
ويشكوه لجده ..فيعاقبه بتقيد يديه الى حلقة مغروزة في حائط بيت الحمام..على سطح البيت..
الام عاجزة عن انقاذه الا البكاء..
الذي يتسرب الى الفتى في وثاقه.
ما الذي سمح للزوج ان يعنف زوجته التي كانت زوجة اخيه وما الذي سمح له بتقييد الفتى؟
هو مستبد ظالم ؟
جهل الاسرة تعيش غربة الاب وتشتت الاسرة .. الجد عاجز لانه لم ينقذ الولد..
بنية داخل جدران الاسى ..
بينما بنية اخرى وهي الحمام ..التي يقتنيه الزوج ويدلله والفتى يسارك عمه ذلك انه يحبها لانها حرة ..وتواسيه..
ولكنها تزعج الجيران.
الحمام اليف لطيف رمز سلام ..وحرية ..في فضاء المسرح الظاهر وفي الداخل قساوة اضطهاد وتعنيف..والفتى موثوق اليدين..
القيد للمجرم والمرتكب وليس لمن يدفع عن الام الاذى والعنف والاهانة .
.. هنا كذلك يثير الفتى بنية اخرى هي السجن ورطوبته التي هي ارحم مما يعيشه..
المشهد هذا يتبعه مشهد صديق الفتى.. يأتي اليه مجتازا كل الحواجز ويحضر كمنقذ كمخلص .
يحاور الفتى ولا ينتظر اجوبة ..وهو كان قد عود الفتى على تناول حبوب مشبوهة ..وهنا استحضار خراب آخر للاسرة بسبب عنف الزوج ..البديل..
يغيب يحضر مدية
يقطع الحبل ...يحرر الفتى ...يبدأ بذبح الحمام
يثور عليه الفتى لانه يحب الحمام والسلام ..ولكنه لم يمتنع ولكنه كان يمارس انتقاما مزدوجا وبتشف ٍلصديقه ولازعاج حمامات الزوج..
القوس الذي يرسمه وهو يذبح هو وهم لغضبه الشديد .. كل محاولات من في البيت لم تنجح لانه سد الباب ..وبعد ان ناول الفتى من حبوبه بادر يشاركه في الذبح
ورمي الذبائح في خزان الماء..
هذا الجنون اوقعه ارضا ..نظر ..غاب الصديق عن سطح المسرح..
خاف الفتى ان تشرب امه من الماء واحزنه منظر الحمامة بالخرز الازرق وهو طائفة على الماء بدمها..
ما الذي يحاصر الفتى ؟
ما الذي يحاصر الام ؟
ما الذي يحاصر الصديق؟
ما الذي يحاصر الزوج؟
هذه الحصارات كانت تتحرك لتفك حصارها .
فالزوج مبهم الا ان طبيعته كذلك سمح له مجتمع غائب وقانون غير سال..ان يمارس ساديته على زوجة .وهو بعرف المجتمع كشاش حمام اي بلا ذمة ولا ضمير ولا تقبل له شهادة.هذا العرف اعطاه مساحة ليكون عنيفا ..ومن اقرب اليه هم اهل بيته وجيرانه. .
ويحاصر الام موت زوجها الاول وعادات تزوجها من اخيه ربما ..
ويحاصرها ضعفها وخوفها على ولدها ..
ويحاصر الفتى حبه لامه ولابيه فحاول ..ويحاصره هذا الاضطهاد والحبوب التي يتناولها ..وان يرى في صديقه امنا وسلاما.
والصديق يحاصره جار مزعج والادمان ..وجراته.
كل حصار له نافذة..
الزوج عنفه يعوض له نبذ المجتمع له ..فيحقق سلاما زائفا
والفتى نافذته ان يتصدى له ويحمي امه .
والام البكاء ..والصديق
قوته ...
الصديق هو منقذ مزيف
انتقم من الزوج بذبح الحمام ..وغاب
هذا الغياب او ترك الفتى على مسرح الجريمة والانتقام يزيد في الطين بلة .. ولكن وعي الفتى المتأخر وخوفه ان تشرب امه من الخزان اي ان يزيد عنفه عليها لانه سوف لا يرى الا ابنها على المسرح.
ولكن هل الحاجز الذي منعه من الوصول وانقاذ طيوره هو علامة انه لن يصل اليه ..
هل التخدير قد منح الفتى القوة في ان يشارك في الانتقام ..ولكنه يحب الحمام ..فهل يقتل ما يحب..؟
اسئلة كثيرة تتوالد من بنى النص . لغياب المرجعيات التي تحمي الاسرة من التشتت والضياع ...
النص يحاكم المجتمع الذي ينتمي لموسوعة معرفية اخلاقية معطلة عن العمل ومنظومة قانونية غير ساهرة على ابناء شعبها..
فالزوج والصديق
الذي حل بديلا ضيع الاسرة والصديق الذي جاء منقذا ضيع الفتى واغرقه في مشكلته.
اذن العادات كانت مخطئة والاستعانة بخارج لا يحترم رموز السلام كان خطأ.
سليمان جمعة..لبنان في ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٢

