-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

نجاح إبراهيم .. قديسةُ منائرِ الخلود .. قصي الفضلي

 نجاح إبراهيم .. قديسةُ منائرِ الخلود

كتاب ( أصابع السرطان " خيانات الجسد " ) 

رؤي - قصي الفضلي






وفيه إهداء خاص : 


إلى المبدعين الذين خانتهم أجسادهم ، وبقوا مدى الألم ، يكتبون  ، ويرشحون عطاء رغبة في الحياة . أردت أن أوقد شمعة احتفاء بأرواحهم التي لا تغيب ، وأعمالهم الخالدة التي ستبقى مابقي الأدب . 


وحمل إهداء أكثر خصوصية إذ كتبت  : 


يخون الجسد  ، الأهل ، الأصدقاء ، لكن ثلاثة  لا يعرفون الخيانة  : الله والوطن وفرح مخبوء ، يأتلق كما الخرز الملون في عينين انكوى أمامهما الغياب . 



وفيه إهداء شخصي لكاتب السطور : 


صاغته بأناملها  المبدعة الرقيقة ، حينما شرفتنا الأديبة القديرة نجاح إبراهيم بزيارتها إلى العاصمة الحبيبة بغداد وهي العاشقة لبغداد وكل مدن عراقها بلدها الأول روحيا وبعمق انتماء صادق . 

 


   زمن البحث والاستقصاء 


خمس سنين ،  بذلت من عمر عطرها  في البحث ،  زمن تأمل ، اكتشاف ، طرح أسئلة حوارية استقصائية  وفق مفهوم  الاستقصاء العلمي الذي عرفه الخبراء : (  على انه نشاط استقصائي منظم ،  الغرض منه الكشف عن علاقات بين الأشياء والأحداث ووصفها. كما يعّرف الاستقصاء العلمي أيضا على أنه " القدرة على استقصاء منظم يدمج قدرات التفكير الاستقرائي بعد أن اكتسب الشخص معرفة نقدية وواسعة ) وهنا عبر منجزها .....


 تطرح المؤلفة الدكتورة نجاح أبراهيم

 ( أسئلة مجنونة لاهبة ) : 


كيف يستمر الحبر في إغواء المبدع ، ليستأنف الكتابة  ، وهو بين أصابع مرض لايرحم  ، وحضرة موت قاس يأبى إلا أن يأتي .؟ 

كيف يذلل الألم العقبات ، ويمد جسورا أمام الأفراس اللاهثة المحمحمة لتواصل المجيء  ، بينما يظل ينزف وينزف حتى آخر قطرة في الدواة .. ؟ 

وأية كتابة تكون ..؟ 

ما طعمها  ، ما رائحتها  ، ما لونها ، وما شكلها  .. ؟ 

ولم لم تخن  - بعض المبدعين - مثلما خان الجسد  ، وظلت عند حسن ظن المبدع بها .. ؟ 

وهذا المبدع الذي صادق الحبر أزمانا  ، المحترق منذ الشرارة الأولى في غابة الإبداع  ، لماذا لم يلق بأسلحته  كالباقين  ، ويسلس القيادة لطعنة الزمن  ، ويرمي وراء  ظهره الأفكار النبيلة التي يحمل  ؟! لماذا  أبى فعل ذلك  ، واستمر ألما واحتراقا وعطاء  ، بينما الموت قريب منه  ، يجلس على طرف السرير في المشفى ، يراقبه بعينين متحفزتين شهوانيتين  ، يتابع كل نأمة تصدر عنه ، يحصي عليه أيامه ، سويعاته ، دقات  قلبه ، أنفاسه ، دون تعب أو نعاس . 


*


المرأة الإنسانة النازفة وفاء لهم 


في منجزها الروحي كتاب ( أصابع السرطان " خيانات الجسد " ) الصادر عن اتحاد الكتاب العرب عام 2014 

 تبحث بين ذخائر  رفات القديسين لتستخرج ما خبأ و  كَنَزَ  لوقت حاجتنا إليه ،  إذ تفيض سيرهم  وما يختص بهم ، ليس برائحة الكافور  - الكفن  – التراب  - بل   نتنسّم رائحة الجسد الإنساني العابق بعطر حياة تولد - أثر  - حياة ،  محملة بقاروات طيب لكل رحلة من رحلاتهم  تحملها  في عمق روحها الشفيفة .

ذاتها نجاح إبراهيم تتنقل في فصول كتابها تحمل وصفات دواء تدواي الضعف حينا .. وتسكن ألما في معظم الأحيان  ، تقف بقامتها  لتوجه لنا دعوة  اقامة   قداس تطهير  مفتوح  بلا حدود ،  نغسل ذواتنا بماء الألم  ونشاطرها وجع  مخاضات عديدة .

وأنت تقرأ في سطورها عن عتمة الموت  وأسبابه ، تتلمس نور لمعان وجه تلك المرأة الإنسانة النازفة وفاء لهم ،  فقد ارتدت ثوبها الأبيض الناصع المزخرف بعبارات الوفاء  ، تعتصر وجعها  بغية أن تبتسم ،  لهم ،  تبعث  لهم رسائل  البخور تعطر محطات - المرض - الألم -    توزع  مناديل الشفاء ،  وترتل لهم لتطرد روح المرض الشريرة . 


وتقول قديستنا : 


( وضعت نفسي  مكان أحدهم - وعلى كل كاتب أن يضع نفسه بهذا الموضع - وألححت على نفسي بالسؤال : عم كنت سأكتب ..؟ وهل يمكن أن تخصني الآلهة بما خصتهم ، فأمارس غواية الحبر  بهذا الشغف مثلما فعلوا ، فأغتنم الكتابة ، ولاشيء غير الكتابة ، أمتطي صهوة التحدي  ، وأمضي قدما في مقارعة الأفراس اللاهثة .. ؟ أم سألقي بحبري وبياض أوراقي وأستسلم ..؟ 



الموت قادم نحوهم 


-  بلا  شك هو زمن اللا  عودة للجسد ،  اذ تشير عقارب الغياب إلى لحظة  أن الموت قادم لا محالة ... وهو توقيت لحظة اعلان انطلاق مقاومته .

اذن لا مناص ان الموت قادم نحوهم ، لكن ، هل ارعبهم وهز دفاعات الحبر وتوقف اليراع  ..؟ ، هل نال من روح العزيمة و الاصرار  ..؟ هل فيهم من رفع  الراية البيضاء معلنا لحظة الاستلام للمرض ..؟ 

وصوَّر أفلاطون   " الموت  " ( كخلاص يسمح للنفس بأن تتحرَّر من سجنها الجسدي وأن تتعرف إلى مصيرها. من هنا جاء قوله: "تعلُّم الفلسفة هو تعلُّم  ، الذين هم جميعًا محكومين بالموت"، على حدِّ قوله، أن يتجنبوا إضاعة الوقت وأن يفكروا  بالخلاص. ) .. اما " شوبنهاور  " قال : ( بأن انتصار الموت ليس كاملاً في النهاية ) .

وقال الكاتب يوسف جزراوي : (إرتبط مفهومُ الخلودِ

 بالموتِ، فهما متلازمان، فالخلودُ -حسَب الكثيرين- هو حياةٌ ما بعد الموت. لكنني هنا أودّ تسليطَ الضوءِ على الخلودِ الحياتي المُكتَسَب من حجْمِ أعمالِ المرءِ ونوعيةِ رسالتِه على هذهِ الأرضِ.

والبونُ شاسعٌ بين خلودِ الحياةِ وخلودِ ما بعد الموت في العالم الاخر. أودُّ هنا التأكيدَ على خلودِ ما قبلَ الموتِ(خلود الإنسان في الحياة من خلالِ أعمالِه)


*


نجاح إبراهيم  .. قيمة أدبية  عربية كبرى


 تعد المؤلفة نجاح إبراهيم قيمة أدبية عربية كبرى من خلال عطاء ثري يغمر شريحة واسعة من زملائها ، من خلال نقد جمالي ، كتابة مقدمات دواوين ، توجيه ونصائح ، وتشجيع ،  و كامتياز خاص أخذت على عاتقها البحث عن فك شفرات سر الخلود  ، وسقي  نبتة البقاء وازاحت الثرى عن شواهد قبور  لتمنحها  ألقاب منائر الخلود  .. و هنا قول أوردته القديرة نجاح إبراهيم في مقدمة كتابها  القيم  وعمقه الدلالي والمتفرد بما يضم في ثناياه  للأديب الروائي عبد الرحمن منيف في كتابه ( لوعة الغياب ) :  - و المبدع - وإن واراه التراب عنا ، ومات موتا ماديا -  بيد أن ماتركه لا يمكن أن يغيب ؛ لأن إبداعه عصي عن التفسخ والانحلال ، ودعوة الكاتب منيف إلى إحياء أعمال هؤلاء ، وتسليط الأضواء على جزء من أعمالهم  ،  وعلى جوانب حياتهم ، والتحريض على قراءتهم لمن لم يسمع بهم ، أو نسيهم ، وهذا ليس بدافع الوفاء لهم  ، وإعطائهم المنزلة التي يستحقونها فحسب ، وإنما الهدف الأكبر هو " محاولة لإشادة ذاكرة حية ومنصفة ، من أجل خلق ذاكرة ضرورية خاصة في هذه المرحلة " 



كلكامش ... يعود عبر بوابة " أصابع السرطان " 


لا نأتي بجديد في قولنا أن قدر البشرية ، وكل  ما هو حي ...  الموت ...كما تصف لنا ملحمةُ  ( َ كلكامش  )  : أن الانسان ضعيفٌ إزاء الموتِ، يرفضُ مصيرَ البشرية (أنْ يصيرَ تُرابًا)، وأنْ يضطجعَ فلا يقومُ، ولا يرتضي أنْ تستأثرَ الآلهةُ وحدُها بالحياةِ والخلودِ لنفسِها، لذا يبذل جَهدَه في مقاومةِ الشرِّ بشجاعةٍ وبسالةٍ، وشعارهُ كان:" الموتُ في النِزالِ خيرٌ من الموتِ في الفِراشِ!".


 وعن كتابها  ( أصابع السرطان " خيانات الجسد " ) تقول الأديبة نجاح إبراهيم : 


لم أخطط لكتابة مواد هذه الدراسة ، او هذا البحث ، او هذا التقصي  ، ليكن ما يكون ! فأنا بعيدة كل البعد.عن القوالب المسبقة الصنع ، ولكنني أعرف أملك فكرة التمعت ذات وقت كيراعة شهقت ضوءا في رأسي ، ثم لهث حبري ليخطها على البياض ، وهذه الفكرة دونتها مذ اطلعت على شعر ( سنية صالح ) ، وأحصيت أعجابي به بوصفه إبداعا وبها بوصفها إنسانة صابرة وحزينة ومكلومة دائما ، وكذلك لإعجابي بها بوصفها امرأة مبدعة ، ولتأثري بما أنجزت . 

وخرجت بنص أدبي يقترب من فن القصة جاء بعنوان " هذا المطر لي " (١) وقد نشر ضمن مجموعتي القصصية " نداء القطرس " (٢) .

بيد ان النص لم يرصد صراعها مع المرض ، وتعاطيها للآلام المبرحة إثر أخذها الدواء ، بل اكتفى بلوبانها المضني حول شاعر أحبت ، كان يختبىء في الأقبية من أثر العسس وعيون المخبرين ، وعصا الفقر ، فجندت النفس لتؤمن له الدخان والقهوة والصحف و.. الحب . 


وأشارت إبراهيم : 


اخترت في هذا الجزء من البحث ، الشاعر العراقي بدر شاكر السياب والشاعر المصري أمل دنقل والشاعرة السورية سنية صالح والمسرحي السوري سعد الله ونوس والكاتب السوري ممدوح عدوان والكاتبة المصرية نعمات البحيري .. 


وأضافت  إبراهيم :  


لم أشأ ان اتوقف عند تفاصيل حياة كل واحد فيهم ، أو عرض سيرته ، ومسيرة منجزه الإبداعي  ، وإنما كان الهدف الوقوف عند إبداعاتهم المحصورة في فترة العلاج الميؤوس منه ، إذ إنهم جميعاةرحلوا جراء إخفاقهم في الإنتصار على المرض .

وجاءت الكتابة عنهم كلا حسب أسبقية رحيله ، فكان أول السابقين السياب ، حيث رحل سنة 1964  ، ثم أمل دنقل الذي رحل سنة 1984 ، تلته سنية صالح ، التي غادرت سنة 1985 ، تلاها سعد الله ونوس إذ رحل سنة 1997 ، تلاه ممدوح عدوان سنة 2004 ، بعدئذ نعمات البحيري سنة 2008 .


*


هؤلاء .. كم فكرت بحبرهم 


تواصل المؤلفة نزف عطر الوفاء على صفحات منجزها وتقول  : 

كم فكرت بحبرهم  ، بأقلامهم  ، وبإبداعاتهم المتمايزة  ، والتي يطيب لي أن أسمها بالإبداعات المقدسة ، لأنها نزت عن حبر مقدس  ، وألم مقدس ، ووقت ضيق ، عصيب له قدسية .

فشغلتني فكرة ملاحقتها وذلك منذ أن قرأت عن الشاعرة ( سنية صالح ) وعن معاناتها وصراعها مع المرض ، واستنزاف كتاباتها الأخيرة  ، فأخذت أرصد كتابات هؤلاء المبدعين ، الذين نصبت فوق رؤوسهم خيمة الموت ، ونشرت ظلا من رائحته ، بينما كان ظلهم فوق رؤوس الآخرين ، ومع ذلك ظل هاجس الكتابة لديهم أقوى  . 



أصابع السرطان ..  رسوخ  في وعي وذاكرة المتلقي


 كيف نموت .. ؟ لا أحد فينا يعلم متى اللحظة أتيت نحوه  ، وماذا سنخلد بعدنا ، وهذا الظل خلف الشفق بعدد الخطوات .. يسكننا ،  لكنهم  يعلمون ،  يتألمون  ، فهؤلاء خوارق  لم يمسسهم  الضعف ،  ولم  يأكل من جرفهم  الوهن ،  ابطال عطاء  خوارق   ،  بالرغم من اِتساعِ  مدى صَرخات الآه  ، هم ،  .. بصرامةِ الكبرِياء 

يدركون  نهاية الحكاية .. ويواصل كل منهم  مزاولة طقوسه الإبداعية ورسم ملامح حياة لا يعيشها في الواقع ، بعيدا عما فرضه القدر  الأسود المتكالب عليهم ....

تجود علينا  " المؤلفة "  بالصورة الإنسانية المؤثرة  وقصص حياتية حقيقة مسردة بشاعرية عظمى ، بلغتها الماتعة  ، تحاكي  مجريات وتفاصيل حياة  عاشها الابطال  .

 تزور عواصم ؛  المرض - العوز - الحرمان .. 

اشاطرك  كل مشاعر  مَخَاضاتك  العسيرة  القديرة نجاح  إبراهيم  ... و اقول ؛


أنني أَنفض فوضى رجل

اصبح خَالٍ من ملامحه .. 

خبرنـــي ..

أيها القدَر بموعد الموت 

علني اعانق حرْقَة 

الآه ..... 

بينَ صَرخة تضيقَ 

بحلَقات الروح 

لتختنِقُ بها شفتَاها ..! 


 يقينا  أننا نتصفح  عملا عملاقا  بذلت فيه " المؤلفة " جهودا جبارة  لا تقل أهمية عن  جهود ابطالنا الخوارق الأدباء وهم في ذمة الخلود  لأنه يحمل ثيمة العمل الأدبي الذي ينجح  في نيل الرسوخ  في وعي وذاكرة المتلقي .


ستبقى نجاح أبراهيم  شفيفة النبض ،  مقدسة الحزن ،   برغم كل الظلم الذي تعانيه ، وما يطوف حولها  من شحنات سلبية  ، فهي الارادة القوية  ، قاهرة لكل للظروف  ، فلن يتمكن شيء من ايقاف ذلك العطاء والمد الإنساني المتدفق   .

 


*


  " هوامش " 


(١ ) هذا المطر لي نص للمؤلفة ، نشر في مجلة الموقف الأدبي عدد 438 عام 2007 وقد كتب النص أواخر 1999

(٢) نداء القطرس  ، مجموعة قصصية للمؤلفة ، صدرت عن اتحاد الكتاب العرب عام  2008 .


عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية