فتحية دبش
قراءة نقدية لقصة بسام الأشرم
الأنبياء في بلادهم يُرجَمون .
.
حتى وصولي إلى شاطئ لا حياة تَدُبّ عليه ..
مشيتُ صَوب الشمس حتى غابت لا أدري إلى أين تأخذني قدماي ..
تشبثتُ بعامود إنارة على رصيفٍ لمدينةٍ تُلَوِّنُ ليلها أضواءٌ
كأقواس قزحٍ تذوب في ألوانٍ وردية تسافر بالإنسان لفضاءات الخيال ..
تأملتُ السعادة و الفرح على وجوه بعض المارّة و قد تحلقوا حول عازفٍ
راح يُداعِبُ آلته الوتريةَ جالساً على الرصيف
و قبعتُه فاتحةً فاها أمامه يُسقِطُ من شاء فيها قِطعاً نقدية
كانت أنغامه مع عذوبتها تأتيني مُشوَّشة بصرخات رفاقي و استغاثاتهم
و الموت يفتح فاه يبتلعهم في بحرٍ لا قاع له و لا عنوان ..
آهٍ كم أتوقُ لسيجارةٍ و فنجان قهوةٍ بِحَب الهيل ..
جُبتُ بعينَيّ مطاعمَ ومقاهيَ على جانبَيّ الشارع ..
كِدتُ أدخل أحدها متسولاً و قد اجتاحت أنفي روائح التوابل و الشواء ..
لمحتُ يافطة على الرصيف بحروفٍ عربية .. تقدمتُ نحوها و قد أنهكني المسير ..
قرأتها :
( منتدى أدباء و شعراء المهجر )
دخلتُ في وجلٍ .. اتكأتُ بكتفي على الحائط قُرب الباب ..
قاعة واسعة .. مقاعد على شكل دائرة كبيرة قد أشغلها أساتذة و أستاذات
و كلٌّ بين يديه مجموعة أوراق ..
تأملتهم طويلاً .. بدا لي أنني أعرف بعضهم ..
أصغيتُ بإعياءٍ لمداخلاتهم :
_ نحن بصدد قاص عربي مغمور صاحب أسلوب سردي مُتفرِّد
تصلُح نصوصه لمنافسة الأدب العالمي .
_ الإعجاز هو أنه لم يأتِ من بين أسوار الجامعات
و لم يقرأ الأدب العالمي أو حتى العربي ..
هو لا يعرف هوميروس أو هوجو أو هيمنغواي .. أو حتى شكسبير
و لم يقرأ كتاباً واحداً لمحفوظ أو الحكيم أو كنفاني ..
_ يا إلهي ..!
_ هو أديب لا يعرفه في بلده أحد .. و لولا مواقع التواصل لَما نشر و لَما عرفناه نحن .
_ لو لم يكن عربياً لقامت بلاده بالترجمة و النشر
لتتواجد مِن خلاله في كل المحافِل و تضع قدمها في مقدمة الأمَم ..
_ أذهلني نصه هذا المطبوع على صورته بين أيدينا .. أنصِتوا لأقرأ :
و ما أن انتهى من القراءة حتى علَّقوا جميعاً بلفظٍ واحدٍ :
_ الله ..!
انتبَهوا لتواجدي .. دهشةٌ أصابتهم ..
وقفوا وقوفاً يتأملون بذهولٍ صورة طُبِعَت على أوراقهم تارة
و تارة في ملامح وجهي الشاحِب يُحدقون .
بسام الأشرم
.
..........
القراءة، فتحية دبش
الكتابة وطن الأنبياء
لا يخلو اختياري لهذا العنوان من بعد طوباوي تحكّم في قراءتي لهذا النّص القصصيّ المتوّج بالجائزة الأولى في مسابقة القصّة القصيرة التي نظّمها منتدى النّقد العربي المعاصر.
هذا البعد الطوباوي يتمثّل في الارتفاع بالكتابة كفعل بشريّ إلى فعل مقدّس، ومن مجرّد فعل متحرّك إلى فعل مقيم، حتّى إنّه بذاته أصبح فعل إقامة، فالكاتب وهو يختار عنوانًا لنصه يعتمد على ثنائيّة الإقامة [ في أوطانهم] والرّحيل/ التّرحيل [ يرجمون]، وهي ثنائيّة تحكّمت أيضًا في سِيَر الأنبياء[بالمفهوم الدّيني].
منذ العنوان إذن يقحم النّص قارئه في هذه الثّنائيّات: الإقامة والرّحيل/التّرحيل، النّبوّة والبشريّة، الكتابة والموت/اللحياة، الحياة والموت، الذّات والموضوع إلى آخره من الثّنائيّات القائمة لا على الضّدّيّة وحسب، وإنّما وخاصّة على الجمود والحركة.
هذا العنوان يحيل أيضًا على الطّابع الحجاجي الذي هيمن على منطق النّصّ، ليس فقط من أجل الإقناع، بل من أجل كشف النّقاب عن حقيقة لا تبدو جليّة للقارئ، وهي حقيقة تهميش مؤسّساتي للكاتب والكتابة، والتي قد لا يدركها القارئ الذي يقيم على الضّفّة الأخرى من فعل الكتابة، والذي يرى في الكتّاب أنبياء، وفي الكتابة نبوّة، ولكنّه لا يرى كيف أن الكتّاب في أوطانهم مهمّشون، وما اختيار الكاتب لقاموس ديني (الأنبياء، الرّجم) إلاّ لإرساء هذا الجانب القداسي في فعل الكتابة من جهة، وفعل الرّفض والتّهميش والطّرد الذي يقابَل به الكاتب تمامًا كما يقع مع الأنبياء، حيث يدفعهم الرّفض إلى الهجرة القسريّة من أجل محاولة استمرار فعل النّبوّة.
ينهض النّصّ على تقنية حجاجية تتمثل في المماثلة، حيث يقيس الكاتب واقع الكتّاب على واقع الأنبياء، وهو ما يمنح للخطاب قوّته وجدواه، فكما وجد الأنبياء لهم أنصارًا في أوطان الهجرة يجد الكاتب في النّص أنصاره في المهجر، فالعلاقة بين الأنبياء والكتّاب هي علاقة تشابه واقع الأواخر لواقع الأوائل، وكما اضطر الأنبياء للهجرة بحثًا عن الأمن وحرصًا على النّجاة بالرّسالة، يضطر الكاتب إلى الهجرة وركوب البحر بحثًا عن واقع بديل تستمرّ فيه الكتابة وطنًا وفعلا.
وتماما كما لقي الأنبياء في المهجر أنصارًا وجد الكاتب مؤسسة تعرفه نصًّا قبل أن تعرفه صورة واسمًا وكيانًا فيزيولوجيا.
أما على صعيدٍ آخر فقد اعتمد بسّام الأشرم على تقنية التخييل الذاتي أو التخييل السيري، والتي تتمثّل في وجود تقاطعات بين الشخصية القصصية والشخصية الحقيقيّة للكاتب دون أن يكون هناك شرط التّطابق بين الشخصيّتين، ولا بين ما يحدث للشّخصيّة القصصيّة والشّخصيّة الفيزيولوجيّة للكاتب.
اقتنص بسّام الأشرم من سيرته الأدبيّة عاملين أساسيين وهما كونه كاتبًا ليس من حملة الشّهادات الجامعية وكونه لامعًا على مواقع التّواصل التي تمثل وسيطًا يحمل نصوصه إلى القرّاء، إضافة إلى عامل مهم ثالث وهو كونه يعاني ككلّ الكتّاب غير المنتسبين إلى المؤسّسة الأكاديمية من التّهميش، وانطلاقًا من هذه الخصيصات الذّاتيّة الواقعيّة يبني بسّام الأشرم شخصيّة الكاتب القصصيّة، ليكشف عن معاناة الكاتب العربي، وعن حالة الرّجم بالتّغييب التي يتعرض لها ذاتًا وموضوعا.
ويجدر القول بفضل هذه التقنية في إيهام القارئ بواقعيّة الأحداث حتّى أنّه قد يلتبس عليه أمر التّخييلي بالسّيري، ممّا يزيد من قوّة حجة النّص والنّاص.
برع بسّام الأشرم أيضًا في استخدام تقنية التضفير، حيث يجمع بين صورتين اثنتين واحدة مادية (الأنغام) والثانية ذهنية ( أصوات رفاق الهجرة غير الشّرعية مستنجدين ثم غرقى). التنافر الحاصل بين الصّورتين حجة جديدة يقدمها بسام الأشرم للدلالة على الموت الذي أصاب حتى الأحياء، إذا كان رفاقه قد فارقوا الحياة غرقًا، وتحوّلوا إلى حياة أخرى يجهل هو جنتها من جحيمها، فهو قد عاش ليحمل موتهم في ذهنه، وليمكث في حياة الجحيم التي نالها لمجرد أنه كاتب والكتّاب أنبياء و(الأنبياء في بلادهم يرجمون)، وفي بلاد الناس أحياء/موتى.
وختامًا يمكن أيضًا النّزوح بالنص من كتابة الإقامة إلى كتابة المهجر، وإن كنت أميل إلى مصطلح النّاقد عبد الله إبراهيم الذي يستبدل المهجر بالمنفى، فالهجرة في النّصّ ليست هجرة مكانيّة وحسب، وإنّما هي هجرة مكانيّة ونفسيّة تنزاح بها من مجرّد الهجرة إلى المنفى، إذ اختار الكاتب الكتابة وطنًا له أمام جحود المؤسّسة وهو مقيم في وطنه الجغرافي، وظلّت وطنه في الجغرافيّة البديلة حيث لم ينجح البحر رغم عمقه وامتداده ورمزيته في فصل التّراب عن التّراب، وبالتّالي فصل الكاتب عن الكتابة، مع أنّها سبب منفاه ماديًا ومعنويًا، غير أنّها في الوقت نفسه تمثل هويّته التي سيتعرّف عليه من خلالها العالم، فالجالسون والجالسات تعرفوا عليه في وطن الكتابة قبل أن يتعرفوا عليه في وطن بديل جغرافيًا لم يصبح بعد له وطنا.
فتحية دبش..تونس في ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٢

