إضاءة نقدية على نص "ملاذ "
للشاعرة المصرية رشا فاروق
الإضاءة.. الاديب الناقد سي مختار حمري
من المملكة المغربية
( ملاذ )
في أروقة الليل المجنون
سفن الأرق تُلجِم فنارات الحلم،
تتوغل فى بحرِ الروح ..
بحصان طروادة
تتصيد بوادر الوسن قبيل المجيء
حين أشتهي غفلةً
تتيقّظ أمواج الاغتراب والوحدة بين شواطئ المحال ..
كشراع ميت
تتجسّدُ أصوات الأنين
قبالة أرشيف الذّكريات
السّابحة في سماء الحنين
تراتيلِ نايٍ معتّقٍ بالأحزان ،
يحبو صداه في الأفق
خُيوطَ فجرٍ
يتسلّق العتمة
يقتحم قلعةَ خلوتِها
بشعاع ضوء
ومجامِرَ شهقاتٍ من التّيه والمروق ..
تساؤلات تبدّد فكري
تقشّر حقيقةَ الغابةِ
العابرون بلا قلوب
يسقط نظري على حافّتي القصيدةِ ،
تشتعل نار خبيئة
أساطير في أذهان الحالمين
أفران الطين في بيوت الفلاحين
ينضجُ مني ما يسدّ رمق العصافير
الباحثة عن فتات حريةٍ مفقودةٍ
لتعيد صياغة الحياة بغصن الأماني
قلبي الصغير هنالك
معها في قفص واحد
وشفتانا الملتهبتانِ بالظمأ
ترنوان لنهرها العذب
عسى أن نبني عُشّا حنونا
تأوي إليه عند تشظي الرّوح الوالهةِ في هزيع اللّيالي
ربما يظهر بين الكلمات
ما يرفع فرض الكفاية
عن ضمير مات ،
سأتشبّث باليقين
كنغمةِ في سيمفونية الأمل
تنحت على جدار الحلم التائه
شيئاً يبعث الحياة الذاهبة مع الرّيح.
بقلمي /رشا فاروق
..................................................
مقدمة :
خيوط القصيدة تقوم كلها على شيئين اثنين
-- الذاتية اللغوية المبتوثة في ثنايا القصيدة
-- النزعة السردية القائمة على الصراع بين الإنسان والدهر وبين الإنسان والإنسان
لقراءة القصيدة يجب : --الإلمام بالبؤر الأساسية المطمورة فيها
-- التعامل بوعي مع الدلالات الإيحائية
-- اعتبار الشعر لغة فرعية ( لها خصوصيتها ) إلى جانب اللغة
العادية
اضافة الى ذلك يجب التعامل مع الصور الشعرية بطريقة تجعلها أقرب الى القارىء لتبوح دون تعسف بمكنوناتها
يرى "باشلار" اننا نفهم ماهية الصورة الشعرية من خلال معايشتنا لها ووعينا بها على نحو يتاح لنا فيه المشاركة في عالم الصورة الشعرية ، نتركها تستولي علينا وتطوقنا ، نتعلق بها ننصت لرنينها ، الى الصوت الهاتف المنبعث منها والذي يعد المقياس لوجودها ففي هذا الرنين تكتسب صوتية الوجود (sonorite d'etre )
فالشاعر يتحدث عند عتبة الوجود (seuil d'etre )
النص الذي نحن بصدد تحليله يشكل اساسه فكرة وتلحق بها العاطفة الممزوجة بتطلعات الذات الشاعرة بلغة تستخدم المفارقة والدلالات الاستعارية والرموز لابداع الصور الشعرية المرتبطة بالبيئة الحاضنة لها واعطاء صورة عن عالمها الخاص ورؤيتها للوجود.. حسب رأيي المتواضع لمقاربة النص يجب اعتماد ما جاء في هذه المقدمة باختصار شديد.... .
العنوان:
''ملاذ'' : نكرة ، اسم مكان ، يفهم على وجهين أو دلالتين
-- اسم مكان : حصن ،ملجأ ،مأوى، نقول ملاذا آمنا ، سكنا ، بيتا ، قلبا ، زوجا محبا، اخا ، اختا ، صديقا ، فكرا... كل ما يحقق الأمن والطمأنينة والسكينة والأمان ماديا كان أو معنويا
--الوجه الثاني : نقول ملذّة ، ملذّات ، ملاذّ : بمعنى شهوة ، متعة من متع الحياة ، كل ما يثير في الإنسان احساسا جميلا جسديا كان او معنويا مثل الفرح ،المحبة ، التعاون ، التضامن إسعاد الاخرين الشغف ، الحب ....
إذا العنوان يجعلنا نتموقع بين المأوى // الملذة وهما يشتركان ويتقاطعان بالطبع في عدة مقومات تعود الى معانيهما ودلالاتهما
في بعض المعاني والدلالات التي يخفيها العنوان نجد ان هناك حاجة ماسة الى متعة او ملذة يجب ان يوفرها المأوى فالانسان يأوي ماديا او معنويا الى مايمكن ان يوفر له الشروط الحياتية الضرورية من سكينة وامن وامان اضافة الى نوع من المتعة
ترى ماذا يقترح النص ؟؟ وكيف يصف هذا المأوى ؟؟ وهل العنوان من النوع الذي يلخص النص ..او على الأقل مرتبط ببعض جوانبه ؟؟ ذلك ما سنكتشفه من خلال سبر اغواره
النص :
في أروقة الليل المجنون
سفن الأرق تلجم فنارات الحلم
تتوغل في بحر الروح
حصان طروادة
تتصيد بوادر الوسن قبيل المجىء
البداية جاءت باروقة الليل المجنون ، دروب الماضي التي تم اتباعها والسعي فيها والتي كانت لا معقولة ، فيها نوع من الجهل ، الظلم ، الالم والوجع فاق كل ما يمث بصلة للعقل فتم توصيفه بالمجنون والذي وضع حدا للحلم بالتوغل في جوانية الشاعرة كسفن تبحر في بحر الروح في الفكر والوجدان وتم استدعاء حصان طروادة من الميتولولوجيا اليونانية للتعبير على أن التوغل تم غفلة واستغفالا بالمكيدة والذهاء في اشارة الى الدهر وذلك ليتصيد بداية لحظات النوم كحاجز صد بالضبط عندما تتشهي النفس و يتعب الجسد والفكر وتكون حاجة لسنة او غفوة من نوم تزيل التعب وتجدد الفكر وتريح النفس ......
تتيقظ أمواج الإغتراب والوحدة بين شواطىء المحال
كشراع ميت
تتجسد أصوات الأنين
قبالة أرشيف الذكريات
السابحة في سماء الحنين
تراتيل ناي معتق بالأحزان
يحبو صداه في الأفق
خيوط فجر
يتسلق العتمة
يقتحم قلعة خلوتها
بشعاع من ضوء
ومجامر شهقات من التيه والمروق
تصحو معاناة الإغتراب على شكل أمواج متتالية تتمثل في : الاغتراب عن الذات والمكان والشعور بالوحدة والعزلة وسط المجتمع الحاضن الذي صار بلا شواطىء أمان تنقذ من الامواج العاتية للإغتراب والوحدة وتشبه المجتمع بشراع ميت لسفينة متوقفة فرغم هبوب الرياح لن تقلع او تتزحزح عن مكانها اما ان الشراع غير موجه توجيها صحيحا او مثقوبا بالكامل تمر الرياح عبره كانه فراغ .. مايترتب عن الاغتراب والوحدة من حزن وألم لن يغادر فهو دائما ضاغط على الفكر والنفس والوضع مما جعل أصوات الأنين تتجسد وتظهر للعيان في شكل مادي أمام ارشيفات الذكريات أو قمطرات تخزين الذكريات والتي تسبح في سماء الحنين إلى ماض كان بالأمس أفضل ربما بوجود اشخاص غابوا عن الوجود او لتغير الظروف الإجتماعية الى الأسوء .. هي انشودة ناي معتق بالأحزان . عادة النغمات والألحان الصادرة عن الناي توصف بانها شجية و كونها معتقة تنذر بانها النوع الشديد الأكثر تاثيرا وإيلاما والتراتيل لها صدى يحبو في الأفق وكانه طفل صغير غير قادر على المشي .. الصدى يتحول الى خيوط فجر بداية اشراقة وظهور بعض الضوء الذي يتسلق جدار العتمة ويقتحم خلوتها حيث تختبىء ، واضاءتها بشعاع من ضوء وبشهقات من مجامر أو مواقد النار التي كانت سببا في الحرقة والإحتراق بالاحزان والضياع والارتداد والنكران ... نستخلص ان مايصدر عن الناي يمثل( الفكر او المجتمع ) او الذات الشاعرة وانه رغم قساوة ما تتعرض له فهي تقاوم بكل استماتة وتركب المستحيل لإضاءة العتمة بصدى فكر مشع يرفض التيه والمروق ويحاول بكل الوسائل تجاوز المحنة مهما كان الوجع والأحزان ولوعتها اللاذعة ..
تساؤلات تبدد فكري
تقشر حقيقة الغابة
العابرون بلا قلوب
يسقط نظري على حافتي القصيدة
تشتعل نار خبيئة
أساطير في أذهان الحالمين
افران الطين في بيوت الفلاحين
ينضج مني ما يسد رمق العصافير
الباحثة عن فتات حرية مفقودة
لتعيد صياغة الحياة بغصن الأماني
قلبي الصغير هنالك
معها في قفص واحد
وشفتانا الملتهبتان بالظمأ
ترنوان لنهرها العذب
عسى أن نبني عشا حنونا
ناوي إليه عند تشظي الروح الوالهة في هزيع الليالي
الذات الشاعرة تطرح تساؤلات ديناميكية لإيقاظ الوعي والإحساس بالوجود في ترابطاته مع البيئة الحاضنة ليكون أول الغيث تقشر حقيقة الغابة ، الحميلة البيئية التي تقطنها الشاعرة والغابة رمز لإنعدام القانون وكما يقال "القوي ياكل الضعيف" تفشي الظلم والاستبداد
والغطرسة والراي الواحد والتهميش وتلحظ الشاعرة ان العابرين بلا قلوب كل من يمر او تحتك به خال من القيم الانسانية التي تحث على التعاون ،التعاطف ، التضامن والمحبة المنشودة . قلوب من جلمود صخر . مما حدا بالشاعرة ان توجه نظرها الى حافتي القصيدة ، الى من حيث يجب ان يبدا الكلام لمواجهة الوضع المزري والقلوب المتحجرة اشتعلت في الذات الشاعرة نارا كانت مخفية كان وقودها في الاعماق على شكل أساطير في أذهان الحالمين مكبوتة بفعل القمع ترمز الى اماني وامال مجتمع او شعب بكامله وحقه في التغيير الى الأفضل والأرقى ويزيد من اشتعال النار استدعاء حضور افران الطين في بيوت الفلاحين التي يتم فيها اعداد الأرغفة لسد رمق الجوع والتي يُستشف انها صارت تعاني من قلة الإمدادات مما له دون شك وقع خطير وكبير على ظروف عيش الفلاحين الذين صاروا
يفي صعوبة جمة لتوفير لقمة العيش والكرامة التي يستحقونها
هذه الظروف المحيطة بالشاعرة جعلت القصيدة تنضج لتسد رمق العصافير في اشارة للمواطنين الذين يبحثون عن لقمة العيش وعلى القليل من الحرية المفقودة لتعود لهم كرامتهم مع بعض الامكانيات المادية والمعنوية لإعادة النظر في صياغة احلام حياتهم بعودة الثقة مجددا في مستقبل يصبح من المحتمل ان يزهر كاغصان الأشجار ولو بعد انتظار.. تقول الشاعرة أن قلبها الصغير مع المواطن تعني قلبها النقي والصافي والمحب والذي يعيش في نفس القفص مع جميع المواطنين الذين يفتقدون الحرية ، هي والجميع شفتان ملتهبتان بالظمأ لنهرها العذب .. نهر الحرية ، العدالة ، المساواة والحقوق الواجبة والمستحقةوالتي يجب ان يكون اكنسابها كالنهر الجاري في سيولة . ان حصل هذا الإنعتاق عسىاه يسمح ببناء عش (او وطن او مجتمع) يتمتع فيه الفرد المواطن بما يستحق من عناية وحنان ، وتأوي اليه روحه في حالة التعب او الحزن الشديد الذي قد يتولد عن مايمكن ان يعصف به هزيع الليالي كل ما يؤلم ويقلق و يوقف مسيرة النماء لدى المواطن ويجعل روحه تتشظى . العش المفكر فيه سيكون مأوى آمنا ومطمئنا في السراء والضراء ...
ربما يظهر بين الكلمات
ما يرفع فرض الكفاية
عن ضمير مات
كنغمة في سيمفونية الأمل
تنحت على جدار الحلم التائه
شيئا يبعث الحياة الذاهبة مع الريح
ترى الشاعرة أن كلمات القصيدة ربما يظهر منها ما يلغي فرض الكفاية والذي تكون تأديته بمن حضر مثل صلاة الجنازة، وضده فرض عين لا بد من أن يؤديه كل فرد مؤمن ولا يجوز ان ينوب عنه غيره كالصلاة والصوم مثلا ،وهذا صحيح فقهيا عند المسلمين (بالطبع )والشاعرة تريد ان يتحول ضمير الشعب او الامة الى فرض عين على الكل ان يشارك ويؤدي الواجب بتحمل المسؤولية في رفع الظلم عن المظلومين واعطاء لكل ذي حق حقه ..
في القفلة تشير الشاعرة انها ستظل متشبتة يقينا بأن هناك أملا دائما سيظل كنغمة في سيمفونية تجعل الحلم التائه يعود ليبعث الحياة مجددا في المواطن والمجتمع ويوقف تيارات الرياح الذاهبة بالسفينة الى غير مكان او المتوقفة في جمود تام في لجة البحر والمعرضة للغرق بمن فيها ما يوحي دلاليا بنوع من الإلحاح على ضرورة التغيير واستعادة الوضع العادي للحياة و تجاوز الواقع المرير المأزوم ....
خاتمة :
نص يتطرق لمعاناة الذات الشاعرة مع القلق الوجودي بالتفكير والسؤال والإنغماس في البيئة الإجتماعية الحاضنة ذات الواقع المأزوم والضمير الميت
النص يقدم رؤية شاعرية بدلالات ايحائية يمكنها ان تحول المجتمع (الوطن اوالامة ) الى عش حنان يوفر للمواطن الطمأنينة والسكينة ويحميه من فواجع الزمن وجوائحه على المستوى الفردي والجماعي
نص بقوافل من المجازات بها الكثير من الغموض والألعاب اللغوية جعلت النص أكثر جمالية واستفزازا للمتلقي ليخوض غماره في مغامرة تحليلية اتمنى ان اكون قد صادفت بعض الصواب في اضاءتي هاته .....
دمت شاعرتنا مبدعة متألقة
مودتي
سي مختار حمري 31/12/2021

