الحائزة على المركز الأول
في مهرجان أجنحة الخيال للقصة القصيرة لعام
2019
.
عندما تحين الصلاة
للكاتبة العراقية هدى الغراوي
تجلس أمام الدار المطل على الشارع، مسندة خدّها بكفّها، ملتفعة بعباءتها السوداء، كأنّها لوحة من زمن قديم لا يُعرفُ فيه الله ولا الشيطان، في (أيّام الخير) كما تحبّ أن تسميها، وقتها كانوا يمشون حفاة، بيوت من الطين، معظمهم يعملون في الصيد والزراعة والسرقة.
وشمها الأخضر يشبه إلى حد كبير اللون الذي خُطَّ على قبره، أحياناً يكون الماضي الفعل الوحيد الذي نمارسه في مستقبلنا، قدره كان قاسياً معها، لم تتوقّع يوماً أن تصبح أو تبيت بهذا الحال دونه، هي التي ضحّت من أجله، كيف لمثلها أن تواجه أمراً مبهماً؛ يأتي دون سابق إنذار ويرحل قبل أن يقول شيئاً.
كنت أسعى دائماً أن أكون الأكبر من أخي في كل شيء، بالرغم من أنني جئت بعده بثلاث سنوات، وأكثر من ثلاث أسئلة تراودني بخصوص أخي، لماذا كان لا يشتكي إلى جدتي من تصرفاتي معه، لماذا لا يقول لها أنه أخذ مصروفي، لماذا لا يخبرها بأمر أكياس النايلون حين سرقتها وبعتها دون درايتها. لماذا لا يقول لها أنني ضحكت عليها وأنا أتظاهر بالمرض، فقط لكي لا أذهب إلى المدرسة؟!
جلوسها وحيدة أمام الدار كان نزهة صغيرة، نتسلى معها في الفيء الذي اختارته، مسندة ظهرها إلى الحائط، تفترش الأرض ببساط ملوّن يشعرك بأن الفقر جميل، خيوط حيكت من ألوان متكررة، كنت أعدها الواحد تلو الآخر، تسألني عن أسماء الألوان، وفي كل مرة أخطئ باللون البنفسجي، أقطع حديثها معي وأذهب مع بقية الأولاد.
نلعب حولها، نبذل كلّ قوتنا في الركض من أجل أن نمسك الحديد، ونرجع نمسك بها كعلامة دالة على تنفيذ المهمة، وغالباً ما كانت تنزعج منّا؛ فنضطر أن نضرب الجدار القريب منها بدلاً من الإمساك بيدها.
يمتزج الصيف برائحته وصخبه ومتاعبه، أتذكّر طعم الأشياء جيداً عندما يخترق أنفي عبق التراب حين نقوم برش الماء عليه.
بعد أن نمل لعبتنا الأولى نخطّ على الأرض مربّعات بشكل عمودي، تنتهي بمربّعين أفقيين أكبر مما سبقهن، نكتب الأرقام بتسلسل داخلها، نبدأ الجولة؛ نرمي نعلاً بحذر شديد في المربّع الأول، كان علينا أن نستخدم حجراً صغيراً، لكن النعل في هذه اللعبة أكثر تفاؤلاً من غيره، نكمل برفع قدم ونقفز بواحدة من مربع لآخر، دون أن نمس الخط الفاصل، بعدها يبدأ تحدٍّ أصعب من السابق، هو أن نعيد سياق اللعبة نفسها؛ لكن شرط أن تغمض عينيك.. يسأل المتسابق (Kebby) فنجيب عليه إن كان في المسار الصحيح (new) ونستريح في النهاية.
* * * *
مرّة واحدة فقط كنت قوياً ومنهزماً في آن واحد، مثل أي حجارة تتمنى أن يلتفت لوجودها أحد، حين طُلِبَ مني أن أنطق اسمي كاملاً، ونطقته وبكيت، واحتضنته وعدت طفلاً بين ذراعيه، ووعدته أن لا أصرخ بوجهها بعد الآن، أن أُقدِّر تعبها معنا، أن أكون سنداً لها، أن لا أنزعج منها حين تنصحني بطريقتها، أن أفهم حرصها، وأن أترك التدخين.
تذكرت كيف كذبت عليها، تسألني عن أدائي للصلاة، أتظاهر أمامها بأني أحافظ عليها، أحب أن أذهب إلى المسجد، هناك سكينة تدعوك إلى النوم، أتأمل الزخارف المنقوشة على الجدران، أحلم أن أبني بيتاً واسعاً مثله، أجرب صوتي في الأذان، أحاول أن أقلد بلال الحبشي مؤذن الرسول، أفكر لماذا علينا أن نكرر الصلاة يومياً، في الحقيقة أنا أحب خالقي لكني لا أريد أن أصلي، في داخلي أمور كثيرة ينبغي القيام بها قبل الصلاة، علي أن أكبر أكثر، أن أبحث عن عمل، وأن أكفّر عما أقترفته من جريمة قتل متعمدة.
لقد وجدتها ذات ظهيرة نائمة في غرفتي، وربما تحلم بوجبة غذاء دسمة، اقتربت منها، أمشي على أطراف أصابعي وأنا أحمل حجارة بناء كبيرة، ضحكت في سري لأنها لم تستيقظ، رميت الحجر فوق رأسها بالضبط، لم يخرج صوتها في بادئ الأمر، أرادت أن تتحرك من مكانها فلم تستطع، بقيت أتأملها في سكراتها الأخيرة، توسلت الله أن يكون ما فعلته حلماً وأستيقظ منه، تذكرت قول جدتي وهي توصيني أن لا أؤذي الحيوانات، فهي لها أرواح ستشكونا إلى الله لو ظلمناها، بقيت تتلوّى أمامي من إثر الضربة، سال من فهمها لعاب كثيف، ثم ماتت، سمعت صوت الأذان، تركت القطة ميتة في مكانها وذهبت أبكي، صرت أرتجف من شدة الخوف، بحثت عن جدتي، أردت الاعتراف لها بما اقترفته، لكني لم أجدها في البيت، فقررت أن أكتم أمري.
يكفي أن الله سيعاقبني عليه ويدخلني النار، وربما سأدفع ثمنه أضعافاً، نعم كان قتلي لها متعمداً، لكني أشفقت عليها فيما بعد.
* * * *
ينتهي فصل الصيف، ليبدأ الهواء بسلب ما تحمله الأشجار، الخريف رجل مسن يتوكّأ على الذكرى، يترك لنا غبار أنفاسه كعلامة على إنّه كان هنا، ينصت لنا، يوصد الأبواب متى ما أراد، يطلق بعض الأشباح التي تشعرنا بالكآبة إلى أن يرحل بهدوء.
ويذهب أخي؛ لم أكن أرغب بذهابه، لكنه أخبرني بأمور كثيرة يصعب عليّ فهمها دونه، المعيشة مثلاً، المسؤولية، الانتماء والوطن.. لقد بكى على كتفي كثيراً، شعرت بقلبي ينقبض، وأنني مهزوم، مهزوم مثل بيت أرملة تقول أن فتح الأبواب مهمة صعبة على الأرامل.. تركته وأنا لا أقوى أن أتابع خطواته الأخيرة، بعد ذلك عليّ أن أكذب للمرة الأخيرة على جدتي، ستسألني عن أخي، وسأكون على ما يرام وأنا أخبرها بكذبة ما.
أحدّق في الفراغ علّني أشاهد ما تراه، عندما جُرحتْ إبهام قدمها، كان الوجع له لون أزرق، اشتريت لها إبرة، أمْسكتْها من طرفها بمنديلها بعد إحكامها جيداً، أخذت تمررها على ألسنة نار المدفأة، غرزتْ رأسها في طرف إبهامها، تدفّق الوجع بلونه القاتم، كأنّه الجرح الذي آلمني في قلبي، عندها أدركت معنى أن يصاب المرء بإنسان آخر، لا أعرف كيف يكون الألم بهذا الشكل؛ لكنّني أعتقد أنّ كل إنسان يحتاج إلى مساحة من الحزن، ربما هو الفسحة التي تتيح له أن يعبّر عمّا في داخله. غرزت الإبرة مرة أخرى، أخذت تعتصر إبهامها بقوّة، عينيها تكاد أن تختفيا من شدّة الألم.
ركضتُ نحو الغرفة، سحبت خرقة من بين أسمالٍ كانت منشورة على حبل مُدَّ بين الشباك والحائط المقابل له، تذكرت أخي حين كنت أعصب عينيه وأسرق النقود وأهرب.. وبّخَتني لأنّني جلبت لها ما تعصب به رأسها حين تصلي.. كنت أفكّر كيف تتخلى جدّتي عن أصبعها بهذه الطريقة البشعة، سيكون المصاب عظيماً وأنا أشاهدها تموت قطعة بعد أخرى، كما أخبرتها إحدى جاراتها بأنها يُحتمل أن تكون مصابة بمرض خطير، مر في رأسي ما فعلتُه بالقطة، حتماً أن روحها لازالت موجودة في البيت، وكل ما يحصل لنا من مصاعب ربما يكون جزءاً من لعنتها.
بدأت الكوابيس تنقضُّ عليّ ليلة بعد أخرى، سبعة أرواح لقطة تكفي أن تجعلني أصاب بالجنون، تمنيت أن يكون أخي بقربي كي ألتصق به طوال الليل، أخذتني جدتي إلى مؤذن المسجد، وضع يده على رأسي وبدأ يقرأ، في الحقيقة لقد شعرت بالراحة؛ لكن هذا الشعور تلاشى حين صرت أسمع صوت أشبه ببكاء الطفل كلما حان وقت الصلاة، أنفقت الكثير من الصدقات دون جدوى، فأنا لا أزال أرى قطاً يحاول أن يشوّه وجهي.
* * * *
أجلس وحيداً في الغرفة أتذكر أيام طفولتي، كم كنت قاسياً مع أخي وأنا أخفي عنه قميصه الجديد يوم العيد، أتقاسم معه ما يجمعه من نقود بعدما أوعده بالبحث عن القميص، وأرسم الفرحة على وجهه قبل صلاة الظهر.
كانت تبيع (الخضار) سلالاً تملؤها بالأمل كي تعيلنا، غرفة مسقوفة بالصّفائح والخشب، تركها لنا صاحب الدار لنسكن فيها لحين عودته من السّفر.
امرأة مُسنّة رسمت الأيّام على وجهها تقاسيم الحزن، يداها يكسوهما التّعب، تبصر الدّم يتدفق ببطء في عروقها الّتي بدت كفروع شجيرة جافّة، يدفعك شعور بأن تضغط على تلك الأوردة لتتحسّس ملمسها المليء بالحنان.
عندما يحين وقت الغروب تخرج بخطوات كأنّها الصّبر، تدوس به رؤوس الأقدار، تزيح السّتار المثبت مكان الباب، ثمَّ تنادي علينا، ندخل الغرفة أنا وأخي، تنظر مرّة أخرى إلى الشّارع، والّذي يبدو مهجوراً، منذ رحيله عنّا، تنتظر عودته علّها تراه، نظرة أقرب إلى رؤية الأشباح، أتذكّر حين حدثتنا عنه، كان والدي صغيراً يلهو مع أقرانه إلى وقت الغروب بتلك العصا الّتي جعل منها سيفاً يقاتل به.
لكنّه لم يستطع أن يجابه الأقدار، والآن هذه اللعبة هي الأجمل لدينا.. تذهب لتسبغ الوضوء، قطرات الماء تنساب على يديها كمطر على جذع متيبّس، تكشف عن ناصيتها المتهلّلة بشعلة من الشّيب، تعود لتفرش سجادتها، تضع مسبحتها الزرقاء في رقبتها، تشرع لمناجاة بارئها، ملامحها تشبه إلى حد كبير ملامح القط، أحاول أن أبعد هذه الهيأة عن رأسي، علي أن أدفع الصدقات بطريقة أخرى، أشكو خوفي لصديقي فيقول لي: إن القط لا يموت إلا بعدما تنتهي الأرواح السبعة.
في يوم الجمعة أخبرتني جدتي بأنها رأت أرواحاً تخرج من غرفتها وبقيت روح واحدة فقط. أوصت أن أعتني بأخي فهذه أيامها الأخيرة. في تلك اللحظة يحترق الطَّعام الّذي نسيته يغلي على النار، أذهب إليه مسرعاً، أسمع مواء قطط، أرجع إلى الغرفة التي جاء منها الصوت، أتقدّم، أنظر إليها وقد فارقت الحياة، لقد ماتت جدتي.
أخرج من البيت مثل المجنون، أردت أن أصرخ لحظتها، صوت الأذان يأخذه الهواء ويبتعد أكثر حتى يتلاشى، كانت يد واحدة وجزء ممزق من جسده ملفوفة في علم، علم الوطن، الهوية، الشهادة، يد واحدة لأخي وخرقة من قميصه مختومة بالشهادة..

