قلم ودموع
قصة قصيرة
ثائر البياتي
ضجة وصراخ هزا كياني ، نهضت مرتبكة لا افهم شيئا ، ركلوا الباب بقوة و زجوا بأمي وأختي في غرفتي واغلقوا الباب ، فقدت أختي وعيها ، وظلت أمي تطرق الباب بقوة بكلتا يديها صارخة : اتركوه ، ثم فقدت هي الأخرى وعيها ، لا ادري كم لبثت متجمدة تماما في مكاني ، عند الفجر استفاقت أمي ، زحفت إلى أختي تمسح على وجهها وتلهج باسمها فاستفاقت ، ثم هرعت إلى الهاتف الأرضي ، وطوال يومين لم نشرب جرعة ماء ولم نذق لقمة ، خالي يشعل سيجارة من عقب سيجارة ، وعمي يدور على مراكز الشرطة والمستشفيات والطب العدلي دون توقف ودون جدوى ، فجأة رن الهاتف ، كان مدير تحرير الجريدة مبتهجا وبدا متفائلا حين قال : نشرنا مقالك يوم أمس وننتظر قصتك بلهفة ، وعدته أن أكملها خلال يومين وأرسلها أليهم ، لكن ماذا سأكتب أنا المدللة المنعمة ، المحلقة مع الطيور لأكمل قصتي الرومانسية بعد تلك الليلة ؟!.. بين سهري المضني قرب سرير أمي التي شلتها الجلطة الدماغية ، وبين همي الثقيل وقلقي المميت على أختي التي آخذها كل أسبوع لجلسة علاجية عند طبيب نفسي ؛ طرق الباب صديق أبي وخله ، ليخبرني إنه لم يكف ساعة واحدة عن البحث عن أبي ، وعرف بأنه معتقل في أحد أقبية الأمن ، وقد أستطاع الوصول إليه حين نقلوه إلى أحد السجون ، وأخبرني بأن انتماء أبي لحزب محظور قد يكلفه حياته .. صار هذا الصديق مرسالا بيننا ، ينقل أخبارنا وأحوالنا إلى أبي و ينقل إلي رسائله الشفهية التي يحثني فيها على الصبر والجلد ، ويحرضني على أن أكون قوية ومقاتلة .. نصحني عمي بالعودة إلى حياتي الطبيعية ، وشجعني خالي على مواصلة الكتابة ، لكنهم رفضوا كل مقالاتي وكل قصصي ، وأمروني أن أكتب عن الحب والغرام ، لكني قصصت اعتقال أبي ، وشلل أمي، ومرض أختي فأجبروني على الاستقالة ، كنت كلما أزدادت الأيام جورا وقتامة ؛ أسطر المزيد من وجعي ، وكدي ليل نهار ، ما بين خدمة ومراعاة أمي وأختي وبين عملي الذي حصلت عليه بالصدفة في محل لبيع الملابس .. بعد بضعة أشهر أعدموا أبي ، ثم توفى الله أمي بعد بضعة أيام ، فانتقلنا للعيش في بيت جدي ، ولم أتوقف يوما واحدا عن الكتابة ، كنت أسطر المأساة يوما بيوم وساعة بساعة ، كانت اقلامي تذرف الدموع ، وكانت دفاتري تصرخ غضبا وألما ، لكن أختي لم تستطع الصمود ، إنهارت تماما مما اضطرنا لإيداعها مصحا عقليا .. لم أدر بأنهم انحدروا إلى هذا الدرك من الخسة ، بحيث إنهم أجبروا صاحب المحل على طردي ، لكنهم لم يعلموا إن كتاباتي ازدادت قسوة وشراسة .. كنت أتلوى بين دوامات الغضب والكبت ، وأجازف المرة تلو المرة على عرض مقالاتي وقصصي على الصحف والمجلات ، منهم من كان الخوف يكبلهم ، ومنهم من نصحني بالكف عن المحاولة ، والرضوخ للأمر الواقع .. وفي ليلة مضطربة مرعبة ، دمدمت فيها الرعود ، وزمجرت الرياح ، فكان التغيير ، وبالرغم من أن الصباح لم يكتمل ، والأوجاع لم تنته ، و الجراح ولدت جراحا ؛ إلا إنني نشرت كل ما كتبت ، وحين استضافوني لأحكي حكايتي ، وأعرض كتبي في لقاء تلفزيوني ؛ كان أبي وأمي يطوقاني بذراعيهما ، وكانت أختي تعانقني وتكفكف دموعي ….
