د. فرج ياسين
قصة قصيرة
المغادرة
لم يتلبّث كثيرا ً حين هم بطرق الباب . أدار الطرف تحت أضواء الشارع الهاربة ؛ فشاهد برميل القمامة ، وأثر إنخلاع زر الجرس على الجدار ، وأطال التحديق في جذع الشجرة المنتصب المنخور ؛ الذي ظل سادرا ً في مواته منذ بدء زياراته قبل بضعة أعوام ، أي منذ أن كف صديقه عن الخروج من البيت والى الأبد ...
في تلك اللحظة ، فكر بأنه لم يستجمع خيوط اشتياقه بعد ، لكي يقترح مسارا ً ماتعا ً لهذا اللقاء الجديد ، ومع ذلك هوت كفه على صفيحة الباب المعدنية ؛ فخرج فتى في الرابعة عشرة مسرعا ً ونظر اليه ، فعرف انه الزائر الذي إعتاد المجئ في فترات متباعدة .
هتف الفتى : تفضل ياعم ، إن أبي يرقد وحده في الصالون .
إذا دخل الآن فأنه يعرف ما سوف يشاهده ، أو ما سوف يدور ، سيجده راقدا ً ، مستندا ً الى كوعه . ساقه المبتورة تحت البطانية ، لكن ساقه الأخرى تنفر عارية خارج الغطاء ، وقدمه المتقيحة ملفوفة بشاش غدا لونه يميل الى الصفرة الآن ، والى جانبه منفضة السكائر ، والمذياع ، وكومة الأدوية والضمادات ، وقنينة الماء المثلج . ويعرف أيضا ً أنه سوف يقبل عليه ويقبله في رأسه وخديه ؛ فيهش الآخر له ، ويفرح كثيرا ً ، وبدلا ً من الإلحاف في ابداء كلمات العتاب يوحي له بأنه صار بحاجة دائمة الى حضوره ؛ لأن أكثر الأصدقاء لم يبادروا الى تفقده منذ زمن طويل . أنت آخر الأوفياء ياصديقي ؛ ثم يفتحان فصل التذكر الحزين . بعد نصف ساعة تدخل زوجته بكوبي الشاي قائلة أنا أعرف أنك لا تشرب سوى الشاي . لذلك لم أجلب لك أي شراب آخر . وأمامهما على منضدة واطئة يعرض التلفاز ما كان يعرضه قبل دخوله ، ومع رشفات الشاي يعج الصالون بدخان السكائر . وهو يعرف ايضا ً أن الكهرباء ستنقطع فيمكثان قليلا ً في الظلام ويتخيلان أشياءً أخرى . هو سيفكر بالوقت ، وبحصار المواعيد ، وبانشغالات الساعات القادمة وبالمغادرة ، أما الآخر فسوف يفكر باشتياقه ، وباختراع صفحة جديدة تصلح مادة لحوار ولود . وهو يعرف أن الحوار سيدور عن الأيام الخوالي ، وعن مواقف وأحوال ومفارقات ناعمة على مدى سنين طوال منصرمة ... هل تذكر تلك الليلة الليلاء حين فاجأنا المطر فهوت خيمتنا وطفقنا نحتمي بالآنية وأكياس البلاستك وأغصان الطرفاء والغرب الرطبة ؟ ثم يعيد عليه قصة جذع الشجرة المبتل الذي أخرجوه من وحول الشاطئ إذ تدفأوا على جمراته ، وصنعوا فطورهم أيضا ً . وفي جولة لاحقة سوف يطرقان حديثا ً مريرا ً عن قضايا الساعة: الأحتلال والفساد والمراهقة السياسّية ، الا ترى ياصديقي بأنّ الطائفية والعرقية والعشائرية والمناطقية والتعصب ، كلها مسميات لأدواء قمينة بوضعنا في خانة التخلف ... وهل ترى أثرا ً للديمقراطية كما كنا نحلم بها ؛ أما الآخر فأنه سيستثمر وجوده معه لكي يعيد عليه كل ما سمعه وشاهده من تحليلات وأفكار وتناقضات وأكاذيب . لأنك لست مثلي تضطر لمشاهدة التلفاز أو الأستماع الى المذياع في جميع الأوقات !
وفي نهاية اللقاء بعد ساعة أو أكثر بقليل سوف ينظر في ساعته وينهض لمصافحته ؛ فيسأله متى ستزورني لاحقا ً ، لقد تأخرت علي ّ هذه المرة ؟

