تأزيم النهاية البديلة ونفسية النص
فقراء يتضورون قميصا لهدى الغراوي
كتب - الأستاذ والناقد محمد يونس
تشكل النهاية البديلة –
تشكل نهايات القصص العامة تفسيرات عدة في الحالة التي يصل اليها الحدث لينتهي عندها، والنهاية هي نقطة فاصلة بشكل تام، وعندها ينتهي كل المحتوى القصصي، وهي اخر نقطة كتابة عضويا طبعا لذا تجعل التلقي يقف عندها ليتأمل ما ستتحول اليه تلك النهاية بميل وحدة الزمن الى العدم، ولا يفكر التلقي بالنهاية كنقطة فاصلة بقدر ما يفكر بأن ما وراء تلك النهاية لا شيء يليها وهو ما يجعله بأكثر من رأي، لذا ابتدع كتاب القصة النهايات المفتوحة ليريحوا بال التلقي، او على اقل تقدير ليشغل تفكيره باختيار نهاية مناسبة للقصة التي قد قرأها، والقص القصير يحتمل عدة وجوه دلالية، لكن القص القصير جدا لا يحتمل ذلك، وعليه الالتزام بوحدة الدلالة المباشرة، كي لا يفرط بالنهاية البديلة التي ستحل محل النهاية المتوخاة، وهنا نقطة الخلاف بين القص القصير كنوع قصصي او جنس ادبي وبين الجنس الاخر وهو القص القصير جدا، وهنا نقطة امتياز وتفوق القص القصير جدا في تأهيل نهاية جديدة من احد افاق الفكرة تقوم بصدم التلقي وادهاشه، وجعله يشعر بقيمة الكتابة في القص القصير جدا اكثر .
لدي مجموعة قصص قصيرة جدا بعنونة – فقراء يتضورون قميصا – ، لهدى الغراوي، وتلك المجموعة قد اهلت نهايات بديلة من النوع المثير والصادم، حيث حدة المفاجأة المثيرة تستوجب أن نتأملها برهة، قبل أن نشعر بقدرتها التعبيرية المباشرة في بلوغ دواخلنا بيسر، وفي التفسير النفسي للقص تكون تلك النهايات عميقة جدا، ووحدات الزمن تتسارع لحظة تأهيل النهاية العميقة والحرجة فنيا وانسانيا على السواء، وكانت قصة – خبز – ذات العنونة المفردة المحرجة للتفسير من القصص القصيرة جدا كانت تمتلك بلاغة فنية وحسية في تأهيل النهاية البديلة، حيث تصطدم بأن تلك المرأة امها لحظة سقوط النقاب عن وجهها, وطبعا اذا قسنا مؤشر المستوى الفكري للقصة فأنه حتما يوازي مضمون النهاية البديل في انهيار الإنسانية المروع، وفي قصة – كواليس – ينتقل المضمون الى افق اخر من افاق الحياة, لكن قوة وشراسة النهاية البديلة نفسيا لا تقاوم ابدا, عندما تشير الفتاة لمن فقد اتزانه لعدم ردها السلام بأنها خرساء، وفي قصة – استفهام – هناك مجاز واستعارة اجرائية وفقت النهاية البديلة, ولغة القص هنا لسانيا تعتبر دخلت في مجال متعد المستويات بين الشكل الاجتماعي للغة والمضمون الادبي لها والاستعارة القرآنية, وقصة – محادثة – الشخصية الواحدة التي صارت تحاور نفسها وما شعرت بالنهاية البديلة, وفي قصة – قمة – والتي هي تفوقت على نفسها في محورها القصصي, وقادتنا بعد مشاهدتنا للتسلق فاجأتنا القصة بسقوط المتسلق من سريره, فكانت النهاية البديلة جديرة مضمونا وفكرة, وحيوية في مناورتنا ايضا وادهاشنا لحظة تأهلها لتمحو من بالنا متابعة تسلق الشخص, وفي قصة – رهبة – ذات الافق الواسع من جهة المعنى والضيق من جهة الواقع الذي ينفرد فيها الأم وابنها, وضمنت النهاية لتأهيلها عدم تجاوز افق القص, وقصة - الجندي المجهول – سعت العنونة فيها للتعالق مع مضمون النص رغم قصر مساحته, وكان لها ذلك لحظة تجلي وتأهيل النهاية البديلة, وفي قصة – لوحة – تصاعد ايقاع البعد الذاتي للشخصية حتى بلغ لحظة الصدم بعد تأهيل النهاية البديلة, وكانت المرآة تواجه امرأة كفيفة البصر, وفي قصة – القطعة الاخيرة كان هناك اجراء لجعل الدمية تمتلك حس الانسنة, لكن بعج سقوط عينها انصرفت الطفلة دون أن تشتريها, وفي قصة - رتبة – والتي كانت منحسرة الجمل جدا, فكانت الجملة الاولى تسعى بكلماتها القليلة الى اثارة سؤال, وما كانت الاجابة في الجملة الثانية, بل كانت النهاية البديلة قد غيرت المعنى مثيرة سؤالها الاوسع والاعمق كثير, وفي قصة معادلة هناك وجه للوضع البشري, ووجه اخر لتطور المعنى القصصي ليبلغ جدارة تلك النهاية البديلة حتى يوازي الوجه الاول الوجه الثاني, ويكون الحذاء بلمعته مرآة, وفي قصة – فراسة – يتصاعد ايقاع القص تدريجيا حتى يصل الذروة في تفسيره للمضمون القصصي, وكانت النهاية البديلة قد اذهبت ذلك الحزم ادراج الرياح, واستبدلت المعنى باخر جدير بها .
الغايات النفسية للقص –
هناك علاقة جدلية ما بينع علم النفس وانساقه والادب ومضامينه, وتلك العلاقة احيانا تنفرج وفي احيان اخرى تستد, وكثيرا ما عاش الادب وضعا نفسيا متصاعد الإيقاع, وهنا نقر بأن هناك صراع يعيشه الادب من خلال التأزيمات النفسية التي احيان تصل الى ذروتها، وكان من حصة القص القصير جدا مثلما كانت هناك حصة واسعة كثيرا للقص القصير اكثر بكثير من الرواية، وصراحة يعتبر القص محورا نفسيا، والقص القصير جدا يرتز في النهاية البديلة على محور نفسي حساس، وكما أن قصر مسافة النص ايضا تشكل احد الابعاد النفسية، والتي يمكن عدها تكون كذلك من خلال سرعة وحدة الزمن المثيرة، ففي لحظة منحسرة وضيقة زمنيا تجد نفسك اما حراجة المفاجأة المثير للمشاعر والاحاسيس، لذا نعتبر ادب القص القصيرة جدا احد المواقع النفسية الحساسة، ومجموعة القص القصير جدا المعنونة – فقراء يتضورون قمصانا – لهدى الغراوي هي مجموعة من الوحدات النفسية المقصوصة نصيا، ولك نص قصصي قصير جدا مضمون نفسي حتى لو كان افق الحدث يمتاز بالفكاهة والراحة النفسية، فتشكل المفاجأة تصعيدا حادا في البعد النفسي، ففي القصة الاولى – عملية جراحية – كانت اولى حالات ذلك التأزيم المثير الذي ينتهي بفقد لسان, ليترجم لنا حدة الوضع النفسي في هذا الجنس الشيق .
في قصة – ادوار – هناك اشارات واضحة للأثر النفسي الحساس، حيث اغلب المفردات تشير الى الخوف والقلق, ومن وحشة المكان قد زادت من حدة الاثر النفسي, وما كان للنهاية البديلة الا أن تكون ذلك الفيصل بين الانهيار والثبات, وفي قصة – مثلثات ذات الحس النفس الحساس والمثير, حيث كان افق القص متشكل من بعد وحدات رياضيات يقابلها من الجهة الاخرى حلم, والنهاية الحساسة تمنى الشخص أن يكون دائرة, وفي قصة – عرس – ذات العنونة المفردة التي اما محت ما قبلها او بعدها ويرجح أنها محت ما بعد وما قل ايضا, فلم يحصل العرس ابدا, وفي قصة - يقظة – تفاقم الحس النفسي لدا الشخصية, وتصاعد الاغتراب عندها ايضا, وفي قصة – نوافذ – ذات الشخصية الاحادية وهو احد افضل انواع القص القصير جدا, حيث يكون حس الشخصية الاحادية بحساسية نفسية عالية, فهو داخل كيانه يفتقر الى احساس مقبول, فكيف اذا لم يكن هناك من يساعده على تحمل ذلك الاحساس, لذا قد تحول الشخص الصراخ فكان صوته سائلا, واراد احتمال المشهد فلم يقدر, وكان لابد له من اغماض عينيه والاستسلام, وهذا امر ليس بالسهل نفسيا, واضافة لذلك تواجهك الهناية البديلة بصدمة قاسية جدا .
