-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الناقد الأديب أ.محسن الطوخي وقراءته لـ/ عصير الصّبار/ للكاتبة صديقة علي

قراءة الأستاذ محسن الطوخي 

 واحة القصة القصيرة  



نموذج إنساني تطرحه صديقة. قرأت التعليقات وتفهمت أسباب رفض بعض الأصدقاء للنموذج من منطلق أخلاقي.

فالفن يسقط، وينحرف عندما ينحرف عن القيم المثلى. لكن صديقة كاتبة محترفة، وعنايتها بالقيم واضحة منذ تعرفنا على كتاباتها.
ماذا أرادت صديقة من استعراض حياة المديرة الفاسدة؟
الشخصية الرئيسية في القصة هي الأم، اجتمع عليها الجهل، والمراءاة. وهما خصلتان إذا اجتمعتا مع الفقر، كانت سببا في نتائج وخيمة.
صور الجهل للأم أن الكي بالنار عقاب شاف لابنها من داء السرقة. بيد أنها لم تتحقق من الواقعة للتحرى صدق ابنها. بل اكتفت بالشبهة. فكان الكي عقابا احترازيا، استقبلته الراوية وهي طفلة غضة. فأي أثر متصور يمكن للحادثة أن تخلفه في نفسها وهي تعاين تجربة برىء يعاقب بالكي. وهي إذ تستمع إلى زجر الأم أثناء قيامها بعملية الكي، تدرك أن الجرم الذي يعاقب بسببه الاخ المسكين هو الخوف من تعريض سمعة الأم والعائلة للقيل والقال. لو أني مكان الطفلة المذعورة لرسخ في يقيني جواز الاستيلاء على مالدي الغير إذا جرى الأمر بحرفية وتكتم كافيان لدرء الشبهة. المراءاة في سلوك الأم أخرج السلوك من دائرة القيم. وسلوك الصبية حال عثورها على الورقة المالية دليل على الدرس المشوه الذي تلقته في ليلة الكي والذعر. وهو إرهاص بالنهج الذي سوف تنتهجه مستقبلا عندما تصير مسؤولة تنفيذية في مجتمع موبوء بفساد الذمم.
صديقة المبدعة المحترفة تسوق الدرس مخبوء في تفاصيل الحكاية. وحرفيتها تجنبها الوقوع في السرد الوعظي.
ويمكن اعتبار تنحية الشخصية الرئيسية إلى خلفية الأحداث بمثابة تورية وإضمار لموقف الكاتبة منها. فالتنحية هي في جوهرها إسقاط لدورها، وإدانة للسلوك غير التربوي الذي مارسته مع الابن على مرأى من الصبية.
ولا يفوتنا الإشارة إلى العنوان " عصير الصبار".. فهو اختيار حاذق وموفق، ويلخص التجربة إضمارا، فالعصير هو ناتج الشىء، أو خلاصته. فكأنما تقول صديقة أن سلوك الشخصية هو نتاج لما تلقته من قيم مغلوطة عبر سلوك يتسم بالجهل والمراءاة من قبل الأم.
ملمح آخر من ملامح حرفية صديقة وهو معالجة الزمن.
نلاحظ في العديد من قصصها امتداد زمن الأحداث، وتعدد الحوادث. لكن المراقب يستطيع ان يتعرف على حيلتها الأساسية، وهي التقاط لحظة في حياة الشخصية، ثم استخدام فنيات القص ببراعة لكي تسرد من خلال التذكر، والتقديم والتأخير تاريخ الشخصية عبر فترات قد تبلغ عمر الشخصية بأكمله. في عصير الصبار تلتقط المديرة الفاسدة لحظة دخولها مكتبها، وتنهي القصة بعد حوار قصير مع مدير مكتبها وتفقدها لإتمام عملية الرشوة. لا يتجاوز زمن السرد دقائق معدودة. بينما تمتد الأحداث عن طريق التداعي عبر سنوات طويلة من عمر الشخصية تستعرض فيه وتحلل شخصيتها.
تحياتي لإبداعك استاذة.

القصة 
عصيرُ الصّبار... صديقة علي
هذا الصباح عصيب، خوف ضمّني أميته في قلبي كاد أن يزعزع خطواتي، وأن يشي بهشاشتي، غير المتناسبة مع حجم مسؤولياتي... مسؤولياتي؟! أضحك بسخرية وأضبط نفسي ما أمكن فما أن اقتربتُ من باب مكتبي؛ حتى ارتديتُ ثياب الوقار، هرول أمامي لم يكن مجرد مدير مكتبي فقط، بل كاتم أسراري والوحيد الذي يحق له دخول مكتبي في غيابي، يفتح الباب على عجل، ويخبرني بجمله السريعة المتلاحقة، وأنا ألج مملكتي بثقة اكتسبها من عيون كانت تتبعني في كل يوم، يلحق بي كعادته:
- (كلّه تمام) أستاذة ... كما طلبتِ حضرتك بالضبط... لقد أتى الرجل منذ نصف ساعة وهمس لي بكلمة السرّ ففتحت له باب الغرفة، ثم أقفلتها عليه، ووقفت خارجاً لدقائق، وما أن قرع الباب من الداخل؛ حتى فتحت له بسرعة... ثم خرج دون أن يتكلم أيّ كلمة
- نعم نعم اختصر، ألا تغير عادتك بسرد التفاصيل ؟!لكن أخبرني من دخل الغرفة من بعده؟
وكأنه ينفي التهمة عنه، وينفي أي تقاعس منه في تنفيذ خطط وضعناها معا، يجيب على عجل:
- لا أحد... أبدا لم أدخِل أحداً... قط
- حسنا أحضر لي القهوة.
جلست بكل اعتداد على كرسي دوار، ورحت أتصفح أوراق إضبارة عوجاء، ملقية في داخل درج طاولتي، طافحة بالتآمر والاحتيال على القانون، تستقيم بعلبة مجوهرات وضعت خلسة تحتها، أفتحها بهدوء وبكل رباطة جأش أُغلِقها. وأبتسمُ ...
ما أن سحبت يدي حتى انبثق الدم من سطحها، نتوء لعين في أسفل الطاولة حزّ جرحا امتد من معصمي حتى الإبهام، التقطت دمي بمناديل ورقية، وانتابتني حالة من غضب نويت أن أفجِّره بوجه مدير مكتبي، لكن شيئا في أعماقي كان هاجعا استفاق بغتة، فأغلقت درج طاولتي بهدوء، ودون رغبة مني خرجت من الدرج حقبة من عمري تفصلني عنها عشرات السنين ومئات الأعاصير، كانت هاجعة في زاوية الذاكرة، صامتة، بل تمّ إسكاتها بمطرقتي كقاض، فما إن استلمت منصبي هذا، حتى أسقيت ماضيّ كلّه حبوباً منوّمة،
كان عليّ أن أركض بوعاء الحليب الطافح، هاربة من نباح يلاحقني، فيندلق الحليب على فستاني، لكن مع اشتداد خوفي وارتجاف يدي، وجدتني لا أستطيع التقيد بوعاء يحدّ من سرعتي، فسلمته للكلب كي يكفّ عن ملاحقتي، وضعت الإناء على حافة الدرب الترابي الذي تكسوه عتمة المساء، ...تعثرت وسقطت. بينما كان الكلب يلعق الحليب لمحت ورقة نقدية ملوّثة بالغبار وبقطرات الحليب، التي تتقطر من فستاني، كانت من فئة مائة ليرة، وكانت وقتها تشتري الكثير، التقطتها أمسح عنها الغبار بيدين ترتجفان فرحا وخوفا... ورحت أفكر كيف أتدبر لها مخبأ في جسدي، فأسقطتها في (عبّي) لتستقر محشورة خلف (مئزري)، سارعت إلى البيت أشغل أمّي بقصة الوعاء المتروك للكلب، وما أن امتدت يدها تتلمس فستاني الملوث بالأتربة المجبولة بالحليب، حتى جفلتُ، ورحت أبدّل ثيابي بعيدا عنها وأنا متوجسة أن تكون قد اكتشفت أمري.
مرّ الليل الطويل ثقيلا، أتقلب وقلقي في فراشي وسعادتي في ورطة كبيرة... كيف سأنفق كنزي؟ ... أحصي كم حبلاً من السكاكر سأشتري؟ كم كعكة؟ كم علكة؟ ولمن سأطعم من (قباقيب)1 غوار الهائلة؟ وأين سأتنعم بها دون أن تضبطني أمّي متلبسة بجرمي؟ وأنا أتقلب مؤرقة وقعت عيني على ندبة وقحة في يد أخي الأكبر النائم بعمق في فراش مجاور لفراشي...
تدفعني الندبة وكان عمرها أكثر من عام إلى الاعتراف، وكنت قد قاربت على نسيانها، لكن صراخ أخي عاد إلى ذاكرتي الجبانة، وهو يقسم أنه لم يسرق وهو يتألم ويد أمّي الممدودة بسيخ محمّى على نار العقاب، تكويه وتكوي قلبي.
-ستجعلهم يقولون ابنها حرامي... لم تحسن تربية أولادها من بعد زوجها لا والله لن أسمح لك بهذا ...
-لماذا لا تصدقينني أنا حقا وجدتها ولم أسرقها.
-كاذب. ألا تخاف الله؟! ستقصّر عمري بأفعالك المشينة.
يومها، كانت ملامح هذه المرأة لا تمتّ بصلة لملامح أمّي، بل بدت لي كجلّادة متوحشة لا قلب لها.
الحروق على يد أخي لم تستغرق وقتاً طويلاً كي تشفى، لكن جروح قلبي لم تشفَ أبداً. أمّي ثابرت على تضميدها ليد أخي بدموعها وبأوراق الزعتر البري الممزوج بزيت الزيتون، وعصير الصبّار، لكن الندبة بقيت وظلّت تؤلمني، وتؤجج الحقد في قلبي على أمّي القاسية حيناً والحنونة أحياناً.
عدت أقنع نفسي: صاحب الدّكان الوحيد في القرية كان خالي ولابد أنه سيخبرها... وسيسألني كعادته من أين لك هذا؟ سأقسم له يمينا أنني لم أسرق، لكنّه، لن يصدقني إذن فلأسلمها النقود وأنام، لكن سرعان ما نفضت الفكرة عن ذهني، فشريط المشتريات كان شهياً جداً، وخوفي ألا تصدقني كان أكبر من كل اشتهاء.
عند الفجر هدَّني التعب فغفوتُ على صلاة أمّي، وهي تدعو الله بأن يبعد عنا أولاد الحرام...
لمّا استيقظتُ لم أجد كنزي تحت وسادتي... شعرت بخيبة عارمة، وكدت أن أبلّل سروالي لشدة ذعري، أرتجف وأشعر بحمى تلهب جسدي أكثر مما يفعله سيخ أمّي المتوهج.
سمعتُ جارتنا تشكر أمّي وتدعو لها بالعمر الطويل، وتهنئوها على ابنتها التي حفظت الأمانة لأصحابها.
- الله وكيلك، لو لم أستردها لأكل عود الرمان من جسدي... فزوجي لن يصدق أني قد أضعتها، وسيتهمني بأني أعطيتها لأهلي.
أنهت أمّي حديث الجارة بصمتها المتواصل، ودخلت الغرفة الترابية التي كانت تشكل مع شجرة التوت بيتنا كله، تقترب مني، أشعر في نظراتها تخترق لحافي الذي غطّى رأسي وأنا أتكوّر على نفسي، وأتظاهر بالنوم وأنتظر محاكمتها، لكن الحمى اشتدت ورحت أرتجف والعرق يبلل فراشي، لا أنسى يومها نظرات خوفها عليّ ويدها الممدودة بخرق مبلولة تضعها على جبهتي وتتمتم بآيات ودعاء مقطوع من تنهداتها.
عندما تعافيت، كانت أمّي وكأنها قد نسيت الحادثة كلها، ذهلت إذ رأيت وعاء الحليب وقد عاد إلى المنضدة نظيفا، وفارغا كما أحلامي، وكان الحمل الثقيل قد انزاح عني لكن صمت أمّي بقي يربكني تمنيت أن تسألني شيئا أن تخبرني بأنها صدقتني.
رحلت أمّي وكان أبي قد سبقها قبل أعوام من هذه الليلة المريرة، رحلت مبكرا دون أن تمنحني مرة واحدة فرصة البوح، ودون أن تخبرني كيف اكتشفت أمري.
أصرّ أخي أن أكمل تعليمي، وراح يعمل بتجارة مشبوهة ليغطي نفقاتي الجامعية، ومع كل مال يغدقه عليّ كنت أسأل نفسي من أين لك هذا وما كنت أجرؤ على سؤاله. إلى أن ركب البحر فاراً من العدالة ... العدالة ؟! آه كم احتاجه الآن ليشاركني تجارتي المشبوهة، أضحك بحسرة، لأفيق على ذهول نظرات مدير مكتبي:
- القهوة، أستاذة...
أتاني صوته لينتشلني من فوهة بئر ما زلت أجاهد كي أنجو من قرارها.
-نعم... نعم... الحليب!
- عدم المؤاخذة ما بك؟ وأيّ حليب يا أستاذة؟! ما هذا الجرح؟! هل أجلب لك المعقم؟
- لا... لا هذا عصيّ على التعقيم.
أدور بالكرسي لأواجه النافذة، لأقابل من طابقي الشاهق مدينة تئن بؤسا، وأقول لنفسي أين لي الآن بعصير الصبّار ودموع أمّي!
_______________________________
(1) قباقيب غوار: سكاكر ملونة للأطفال، تشتهر بها الشام على شكل حذاء خشبي قيقاب ، نسبة لحذاء الشخصية الأشهر في الدراما السورية حمام الهنا غوار الطوشي (دريد لحام)

عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية