ولأنِّي أخلو منِّي..
فادي حسن
أريدُ عناقَكِ الآن، ولأتوقف بعدها عن النموِّ!
يداكِ مضمومتان على فراغٍ
وعيناكِ صنوجٌ أرخت موسيقاها على سُلَّمٍ مكسور
ثمَّ ماذا أفعل..؟
ها هم يحزِّمونَ العناقَ للمناجل؛ ويوزِّعون الآجال
بمناقيرَ تتلقَّف الجذور
والمسافة تنثر الخطوات بمذراةِ الوصول
بمطرقتهِ ومساميرهِ
يثبِّتني هذا اللَّيلُ على قائمةِ الأحياء!
لستُ مسيحًا لأنزفَ كلَّ هذا الضّوء
إنِّي آنستُ قلبًا لعلِّي أدخلُ محرابَ النبض..
فلا تُخرجي يدَكِ بيضاءَ من شكٍّ يخمشُ وجه الحقيقة.
صوتكِ مزارٌ وأنا حناجرُ المطر
صوتكِ الكَمَأ يزعزعُ ترابَ جسدي
ولأنَّ روحي أرضٌ مستويةٌ؛ قفي حيثُ أراكِ..
سألوِّحُ لكِ بي
كأمهاتٍ يلوِّحن بنظراتهن مثلما المناديل.
نعم، بالضبط هُنا
إنّي ألمحُكِ الآن.. كتاجِ الهدهد
كالبكاء المتحشرج في حلقِ نبوءةٍ نائمة،
كخطيبٍ تُربكه فكرةُ الموت وهو يراقب عدَّاد التسبيح!
اقتربي أكثر.. نعم أكثر
إنّي ألمَحُني فيكِ
كقطارٍ كهلٍ تقشَّرت حقائبُه وذوت محطاتُه..
وصفيرُه المرتجفُ كالقطنِ في كفِّ الندَّاف!
ولأنِّي أخلو منِّي الآن
أعجزُ عن رؤيتي بشكلٍ واضح
أتعثَّرُ بلا أحد
أسيرُ بجانبي، وأتقمصُ دورَ الرَّصيف...
تؤلمني أحذيةُ المساء، ويلطِّخني تبوُّلُ المواعيد
خلفَ أعمدة الإنارة.
ثمَّ ماذا أفعل...؟
لم يكن وداعُنا يليق بما نشعر؛
فالمقاهي الفارغةُ من الموسيقى
أفضلُ بكثيرٍ من صخبِ حبٍّ ضيَّعَ المقام.
عِمي مساءً
كلَّما جمَّعتُ أختامَ الماء
وزيَّنتُ شروقَ وجهِكِ باحتضان الزبد
وأغلقتُ بابَ البحر
وكشفتُ عن ساق الموج بخلسةِ مراهقٍ
يخبِّئُ صورتَكِ تحتَ قلبه!
عِمي مساءً
كلَّما أصدر ورقُ الكتابة ضجيجَه، ولطَّخَتِ الألوانُ مريولَ نعاسِكِ
وتشاجرَ الأطفالُ في باحةِ أحلامكِ.
ولأنِّي أخلو منِّي الآن تمامًا
كاعتيادٍ فارقَ ترفَ الدَّهشة
سأطوِّق الأرضَ بمصابيحَ.. زيتُها أنتِ
ونركض كالطيِّبين الأغبياء؛ مخافةَ أن يمسكنا الحزنُ
ونحن نطرقُ الأبوابَ الخاطئة.
ولطالما تمنيتُ أن أذرفَ نصًّا يُشبعُ بعثي
ولكن عِمتَ موتًا يا أنا.
١/ آذار/ ٢٠٢١

