أرواح معلقة
سامية فضيل عبد السعيد / الجزائر
انتصبت على ذلك الكرسي بركبتيّ، مستندا إلى حائط البناء القديم، أتأمل الحياة من نافذته العالية المطلة على الشارع المليء بالبيوت المبنية بالحجارة القديمة التي يعلوها القرميد المتهالك، قد حفرت شقوق الزمان بعمقٍ في كامل جدرانها.
كنت غالبًا ما أطيل النظر إلى الطيور وهي تودع أوكارها، وأوراق الشجر العنيدة المتأرجحة التي ترفض الخضوع بسهولة مثلنا
- تقف أمي دائما محتارة، تضع يديها على خصرها،وتسرح بعيداً..
فجأة تطلق وعدها اليومي بإيجاد طريقة للتخلص من ذاك الكرسي، لكنها في مرات كثيرة تجد نفسها مضطرة لاستخدامه، ربما هذا ما جعله يعمر في بيتنا البارد كل تلك السنوات،لم أكن أبالي بما تقوله أو تفعله، فقد كنت أكتفي بالصمت، حين تنبعث موسيقى الحزن والقهر من حنجرتها، وهي تتنقل بسلاسة بين نوتات دخان الفقر المتصاعد من مداخن البيوت.
- يداهمها أخي الصغير بسؤاله المعتاد:
- هل جهز الطعام يا أمي؟! أنا جائع
- أتحاشى النظر إليها..
- ترد بصوت عالٍ:
لن نجد الطعام ملقى على الأرض، أليس كذلك؟ متى ستتعلم الصبر؟ متى ستكبر وتساعدني؟
يختنق صوتها ويغرق في دموع أخي، الذي تكاد أصوات بطنه تصم الآذان، كانت الأصوات بشارعنا كلها متشابهة، إلى حد ٍ ما.
-أومأت له ليقف أمامي على الكرسي ذاته، ونبدأ في عد الشقوق المنقوشة على خد كل بيت، من خلال النافذة المهترئة،لا نشعر بالبرد، بل نصطاد الأحلام ونضحك كثيرًا....
تبدأ حبات المطر في معانقة الأرض بلهفة المشتاق، بعد طول غياب، تغسل الأسطح من غبار الحزن المتراكم داخل القلوب..
تتصاعد رائحة الفقر من التراب،
للحظات أشعر بالحياة ...
تضرب والدتي عود الثقاب بقوة، يتوهج للحظات قبل أن تعلن انتصارها عليه، تنفخ مرارتها وحنقها في وجهه، يسقط باحتراقه أرضًا، تدوسه بقسوة، وكأنها تحسده على تلك الحياة القصيرة...
- أحب تلك الابتسامة الخفيفة و هي ترتسم على وجهها، لتخلّد لحظة ارتكابها لجريمة حرق أعواد الكبريت، و كأنها تحرق بهم قهرها.. وبؤس حالنا وكأن أملا جديدا سيقرع الباب في أي لحظة
- ينفخ أخي على الزجاج...غبشه أرسم له شمسًا جديدة، ستشرق ذات فجر.. تتصاعد ضحكاته مع دخان الفحم،الذي بدأ يستسلم للرماد...
تقول أمي ، وهي تحمل علبة الثقاب :
هذا أخر عود ولم يبق لدينا فحم ويجب أن نبقي النار مشتعلة حتى الليل، تتابع موجهة نظراتها صوب الكرسي، إذ لم نستخدمه في أوقات كهذه ما نفعه..؟
أصرخ في أعماقي...
لا تفعليها يا أمي...
كانت المرة الأولى التي تمنيت فيها الهزيمة لأمي.
•••••••••

