" الشِّعر العربيُّ النسويُّ المعاصر ، حضور لافت وبيان مختلف "
فاطمة حيدر العطاالله / سوريا

- أثبتتِ المرأة حضورها الشعري الواثق بنفسه منذ القدم ، قبل أن تأخذ دور الملهم ، وعبرت بكل طاقاتها الجمالية كما عبّر الرجل وأكثر ، واليوم ما زالت نون النسوة تطلق أناتها الخافتة والصاخبة حيناً امتداداً لصوت الخنساء ، وولادة ، والأخريات القديمات جداً .
- قدمت المرأة الشاعرة في العصر الحديث والمعاصر تغييراً يضع بصماتها الخاصة ، ومشروعها الأنثوي الخاص ، وهو تغيير يشي ببراعة التأنيث ،وثورة البوح ، وهذا يذكرنا بقول الغذامي في نازك الملائكة :
إن عمل نازك كان مشروعاً أنثوياً من أجل تأنيث "القصيدة. وهذا لم يكن ليتم لو لم تعمد – أولاً – إلى تهشيم العمود الشعري، وهو عمود مذكر، عمود الفحولة. ولقد أقدمت على ذلك ببصيرة تعي حدودها وتعرف حقوقها فأخذت نصف بحور الشعر.. والنصف دائماً هو نصيب الأنثى. ولذا فإن نازك لم تطمع بما هو ليس حقاً لها."
- ولكي نكون على اتصال بحالة الشعر الأنثوية ولحظات الكشف النسوي ، قمنا برصد حاله عربياً ، ابتداء من فلسطين ; حيث عبرت الشاعرة الثائرة "عبلة جابر" في قصيدتها. "انكشاف" عن كينونة الضوء في روح الشاعرة، بلغة حقيقية ، ذات نبرة عالية الغضب ، تقول في رصدها:
أنا امرأة تسافر في الحكايا
بكلِّ حقيبة أخفي شبيهي
وأحكي عن بلادٍ كم تمادتْ
تفرّق بيننا باسم الفقيهِ
فكم فيها وكم فيها صبايا
قضمن الحب من جوع بديهي؟!
أضعن العمر في ركب السبايا
فمن قيدٍ إلى قيدٍ يليهِ…
- وانتقالاً إلى مصر ; حيث أسبغت الشاعرة "هاجر عمر" على نصِّها نورانيةً واضحةً ،بالاعتماد على محاكاة لغة القرآن الكريم في قصيدتها (الفتح) فتقول في ثقة:
"إنَّا فتحنا" ونتلو سورة الفتحِ
إنِّي كَبُرت ولم يكبر معي جرحي
أنا الجبال التي لا تنحني أبداً
إلا لأنظر كم ماتوا على سفحي
ميعادنا الحب من تلقاء قريتنا
هناك حيث انعدام الحزن والقبحِ
- ويمتد الشعر ليكون عراقياً في نكهته ، مشرباً بندى دجلة والفرات ، حيث الشاعرة "أفياء أمين الأسدي" التي كتبت بلغة الفيلسوف وهي تقدم كشفاً ، ورؤية شعرية تنبثق من عالمها الخاص ، ونظرها القلبي الثاقب ، فتقول في تقرير وإثبات نلمح فيه الغضب أيضاً :
- خشبٌ ، مساميرٌ ومطرقة ويدْ
وخرائط الكوخ المعلّق مثل سدْ
هذي أنا ، وجهي تراب غاضبٌ
فيه الجِمال تسير دمعاً من كمدْ
كانت تسير عليه يوماً ..إنما
حفر الطريق طريقَه دهراً وخدْ !
- أمّا في سوريا فيفوح الياسمين تباعاً وهو يفور شعراً أبيضَ ، ترشُّه قنينة عطر ، تمسكها يد الشاعرة "إباء الخطيب" التي قدمت في نصها الذي تقول فيه :
- أيا امرأة القصيد يقول ضوعي
ولا تلدي الرؤى من رحم يأسِ
-أتيت إليك منتشياً بموتي
وقد كفّنتُ ذاكرتي لتنسي
- هناك ألقن المعنى صهيلاً
وأخلعه إذا ما رفَّ همسي
- وعندما نقصد المغرب العربي ، سنجد نصاعة الحرف ودقة البيان ، حيث تونس وحيث الشاعرة "هندة محمد" التي اعتمدت على قنص اللؤلو في قصيدها الجميل والحداثي ، إذ تقول في بيان :
- ليلٌ بلون المرايا حين يمتلئُ
يسير جرحاً إلى كحل ويجترئُ
- يمرُّ طفلاً وفي تابوت غربته
يحيي فوانيس نهر فيه ننطفئُ
- طفلاً سرى بين أحشائي التي عرجت
وعند فرعون تاه الوحي والنبأُ
- وفي نهاية المطاف نرى أن المرأة العربية الشاعرة استطاعت أن تعبّر بوجدانها الطازج عن كل ما يختلج فيها من عواطف وأحاسيس كانت أكبر من أن يبقى الرجل فقط مشروعها الشعري الأول كما كان قديماً ، إنما عبرت مثله ومعه ، عنها وعنه وعن العالم والكون والحياة التي أخاطت لها روباً زهرياً لا يهترئ .