قراءة في اعمال الفنان التشكيلي المصري الدكتور (هشام الديب)
أ . لمياء رشيد
فنانة تشكيلية وروائية
ليس بالغريب على المتلقي ان يجد في اعمال الفنانين المصريين تميزا واضحا وساميا , فهم السبّاقون منذ القدم الى تجسيد العلاقات الدينية والدنيوية في تصويرات استنباطية من خلال الرؤى الواضحة والناضجة مع مرور الازمان والاحداث التي اضافت الى تلك الرؤى ميزات نفضت التراب عن التراث لتصقل الرموز والمعاني في تجارب ابداعية لمختلف الفنانين وكان في هذا اثراء كبير جعل من هذا البلد قبلة للناظرين ومركزا مهما للمزج بين الحداثة والتراث.
لقد صاغ الفنان الدكتور (هشام الديب) اعماله في اساليب عدة مابين التكعيبية والتعبيرية في الخطوط والكتل والملامح التي تجلت في وجوه صارمة وجادة توضحت فيها الملامح المصرية من عيون واسعة وشفاه مكتنزة وصور ذات جذور عميقة عقدت الصلة بين الانسان المصري القديم والحديث في تحد واضح يكاد يكون اقرب الى صلابة الفلاح او المواطن البسيط والمحارب من خلال المزج بين الموقف القديم الرمزي والموقف الثابت المعاصر في التحديث ,دون الابتعاد عن الثيمة الاساسية في الشكل الفرعوني المتمثل في حركة الاقدام والايدي وخطوط الملامح الجادة والحادة و التعبير بجمود النظرات وزم الشفاه ,فجاءت وحدة الموضوع تثرثر بشكل صريح عن المضمون الذي عالج في بعض نواحيه قضايا اساسية مهمة مابين الاحلام والثوابت من الاحداث .
وقد استلهم الفنان من التراث ماجعله يخرج بمحصلة اسلوبية متميزة خالية من التقليد تمرد فيها على التعبير بفن له شخصيته المعاصرة من خلال التدقيق على الخطوط والتماهي مع الوان اقرب ماتكون استخدامات للتظليل العاكس لالوان قوس قزح دون التكاثف الطبقي في اللون فجاءت اعماله متهيكلة في وحدة شكلية معبرة عن ملحمة او قصة او رؤيا تاريخية وجاء تكرار تلك الهيكلية في لوحاته من احساسه باهميتها وضرورتها في التجسيد لأسلوب متميز وخاص به.
اعمال فنية لها قيمة روحية توغل من خلالها الفنان بخطوط مدروسة وغاية في التكامل والدقة وكأنها سلوك جديد لنسيج تكعيبي ممزوج بالتعبير الكامن في خطوط والوان شبحية . وهذا مادعاني الى القول بأن للفنان رغبة في التحدي وثورة نفسية على واقع خليط بين ماض وحاضر
في مخيلته و دعته هذه المعادلة بين الخط واللون القزحي او الاستغناء عن الالوان احيانا لكسر حدة الانطباع مما جعل اللوحات ثرية بالمعنى ,فثمة قوة وتحدي وحركة وديمومة وشفافية امتزجت لتوحيد التشكيل في هيكلية متناسقة لاتخلو من الرموز الشفافة المتمثلة بالانثى او الأُم مع تشخيص متمكن ,صوَّره الفنان من وجهة نظر تكعيبية وتعبيرية خالية من الرغبات وقريبة من التصوير النازع الى القضية الأساس الحاضرة في فكره او التراث الممزوج بالهدف في ابعاد اقرب ماتكون الى احلام , عبر عنها في دقة منحت اعماله صبغة ملحمية اقرب ماتكون الى الفتوحات في بعضها بينما جاءت لوحات اخرى كمقطوعات موسيقية زخرفية لاتخلو من السلام جسدها الفنان كرمز في زهرة او حمامة مما جعلتني اؤكد على شاعريته في لحظات التجلي الخاصة به .
تُعد اعمال الدكتور الديب ,خطوة هامة في ديمومة الفن التراثي بشكله المعاصر من خلال ادراكه العميق للمحتوى الفني المتجسد في تقنية عالية ومتفردة وفيها من الحركة والتطوير ما قارب اسلوب الفنان بيكاسو في لوحته الشهيرة ( كورنيكا) بل انه اسس لنفسه نمطا خطيا قارب الحروفية
وتعداها الى الاكساء بدل اللون مكتفيا بالتظليل وفي هذا تخطيا للمألوف وكفاية في اسلوب غير اعتيادي ومتميز, فغالبا مايعتمد الفنان على الالوان ومزجها للابداع والتماهي واخفاء العيوب والتفرد بينما في اعمال الدكتور هشام ثرثرة في اسلوب متعدد الانماط مع حضور لتدرجات الاسود داخل بياض اللوحة .
لا اخفي كفنانة ومتذوقة واستاذة متخصصة في معهد كوملوس لتدريس الرسم والنحت للموهوبين ,احساسي بأن اعماله تصلح لأن تكون جداريات نحتية في مؤسسات مهمة وباحجام كبيرة فالظلال والضياء في نسيج اعماله التي تعتمد على العمق والكثافة في الخطوط ستمنح الجداريات سحرا خاصا وستكون تراثا معاصرا يشار له بالبنان .









