معبد
الحرية
بقلم
: أ . نصر الغزي
__
المكان
: قلب العالم ومعبد الحرية بغداد
الزمان
- 1990
___
كانت
الشمس تطرد خيوط الظلام؛ تحلق عاليا في كبد السماء؛ كنت أنظر من نافذة البيت المطل
على ساحة التحرير؛ أتأمل وجه بغداد حيث نهر دجلة و أبي نواس و الطرق المزدحمة و الأزقة
التي يملؤها صوت الأطفال و هم يركلون الكرة وتلك الجسور التي تربط بين الرصافة و الكرخ
و ذلك الزورق الخشبي الصغير
و شارع
السعدون و الرشيد و المتنبي الذي يتحول يوم الجمعة إلى -سوق عكاظ- يجمع الناس.. تجد
العراق في قلب بغداد.. يستمع للشعر في قاعة علي الوردي و نازك الملائكة و تلك المتاحف
الجميلة و باعة الكتب التي تفترش الطرقات.. و تلك المقاهي التي تجمع الشباب و المسنين
معا كمقهى "الشابندر" و "الزهاوي" و "الاسطورة"..
كنت
صغيراً جالسا أمام التلفاز أنتظر أفلام الكارتون "السندباد" و "علي
بابا" و "ياسمينة العصفورة التي ترافق السندباد"
و المشعوذة
"ميساء".. و و اللصوص الأربعين.. كنت متشوقا ً لمعرفة ما يجري و فجأة يظهر
ذلك المذيع لكي يقدم نشرة الأخبار، كنا نتذمر كثيراً؛ و كان أبي يستمع له و كأنه هو
المعني بذلك... تغيرت ملامح وجه أبي أخذ يصرخ بصوت عال: أين أنت ِ ؟
أجابت
أمي: أنا هنا في المطبخ..
"جهزي
حقيبتي غدا سوف التحق بمعسكر التاجي"..
و منذ
ذلك الوقت و أنا أكره نشرة الأخبار..
-أبي
متى تعود؟
قال:
يا احمد..!! سأعود عندما تشرق تلك الشمس و يعود النورس فوق دجلة يحلق بأمان..
ضمني
إلى صدره.. و كانت دموع أمي كأنها المطر؛
تبتسم
رغم كل شيء من أجل أبي و الوطن..
كنت
أحاول أن أتصرف مثل أبي.. أجلس على كرسيه؛ أسمع فيروز الذي كان يحب صوتها مع الشاي
و كعك أمي اللذيذ.. كنت أمزح كثيراً و أخبر أمي بعدم الخروج، أنا رجل البيت.. و هي
فرحة بي.. جرس البيت يرن ذهبت لكي أفتح الباب وجدت جارتنا أم عمر عند الباب.... سوف
نذهب إلى السوق.
-أمي
أريد بعض أوراق الرسم...
عادت
من السوق متعبة منهكة.. أخذت أوراقي و بدأت ارسم خارطة الوطن ... و أكمل ما تبقى من
الحصص المدرسية..
كانت
أمي جالسة منشغلة في أعمال البيت.. فجأة توقف كل شيء هناك بيان عن بدء الحرب.. كانت
ملامح الخوف في عيون أمي و هي تقول: بردا وسلاما على العراق و أهله.. الخوف من قصف
الطائرات جعلنا نغلق الأبواب و النوافذ و نضع قماشا مبللا من أجل ألا تدخل الإشعاعات
الضارة..
سمعت
صوت الجرس يرن.. صوت أبي يخترق مسامعي -افتح أيها المشاغب الصغير..!! شعرت حينها أن
الحياة بدأت تدب في أركان المنزل.. احتضن أبي أمي و هو يحبس الدمع في عينيه.. جلسنا
حول مائدة الغداء قال أبي: بعد إكمال دورة التدريب نقلنا إلى وحدتنا العسكرية؛ لقد
جلبت لك هدية ثمينة..
-ما
هي يا أبي ؟
-قبضة من تراب الوطن و خوذة شهيد...

