الروائي البحريني أحمد المؤذن لـــ " مجلة دار
العرب "
، أنا
من الكتاب الذين يلتحمون بقضايا الإنسان المعاصرة ، أحاول جهدي إظهار " المسكوت
عنه "
حاورته
– رانيا بخاري
عشرين عاما قضيته تقريبا في ورطة الثقافة هكذا عرف ذاته ثم أردف أصدرت حوالى خمس
مجموعات قصصية ولى عمل منشور وآخر على وشك
الصدور
ضيفنا
... تحولت أعماله إلى مسرحيات وأفلام قصيرة
ومن
أعماله قصة احاسيس اسمنتية تتصدع وفزاعة بوجه
الريح ووقت للخراب تم ترشيحه من ضمن كتاب القصة المؤثرين في الشرق الاوسط
.." مجلة دار العرب الثقافية " ضيفت الروائي البحريني أحمد المؤذن
وأجرت معه الحوار التالي :
*عنوان
عملك الروائي الأول ( وقت للخراب القادم ) تبدو من خلاله و كأنك تقرع جرس إنذار ..
؟!
ج- عملي
الروائي الأول ( وقت للخراب القادم ) يعطي انطباعا قويا بهذا الخصوص ، فقد أردته أن
يكون محملا بوجع واقعي يترجم حياة المواطن العربي و موجه له بالذات ، يحمل هذا العمل
رسائل كثيرة تنطلق من عمق المجتمع العربي ، أنا من الكتاب الذين يلتحمون بقضايا الإنسان
المعاصرة ، أحاول جهدي إظهار " المسكوت عنه " ، قضايا كثيرة تعترضنا اليوم
و تفرض علينا تحديات جمة و عويصة ، فقر التنمية ، الجوع ، الفقر ، الفساد ، المحسوبية
، روايتي لا أدعي بأني أجملت فيها كل شيء ولكني أعتقد أن التطرق لمثل هذه القضايا في
مسيرة أي كاتب عربي ، أمر مهم يعطي رسالته أو مشروعه الثقافي بعد آخر فيلتحم بهموم و هواجس رجل الشارع العادي
.. هنا بالضبط نحن نقرع جرس الإنذار و نشير لموضع الخلل ، ليس في مقدور الكاتب التصدي للحلول و لكنه على أقل تقدير
هو أول من شرع في الخطوة الأولى و فضح كل هؤلاء الذين يتاجرون على حساب مجتمعاتهم على
مختلف الأصعدة .
* الكتابة
تأتي من قناعة الكتاب بالإنسانية في إدانة الظلم و القسوة ، وقوفا إلى جانب الإنسان
، فأي من أعمالك تحاكِ ذلك ؟
*في
الحقيقة أي كاتب عربي ، يجتهد في إعطاء خطابه الأدبي تلك الشحنات الإنسانية التي تراقب
آلام الإنسان ، إدانة القسوة و الظلم تأتي في سياق أغلب أعمالي القصصية حيث أنني من
منطلق تجربتي كقاص ، تعرضت في قصصي للكثير من الثيمات التي أبرزت هذا الجانب ، بالذات
في مجموعة ( من غابات الأسمنت / 2006 م – دار فراديس للنشر و التوزيع - البحرين ) و هناك طبعا مجموعات قصصية أخرى لي أتناول
فيها ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ، لكن روايتي ( وقت للخراب القادم ) هي الأبرز بهذا
الخصوص ، أنا ابن مواطن عربي بسيط ، لم أولد
وفي فمي ملعقة من ذهب ، لذا أعرف ما هو طعم الظلم في مجتمعي العربي و كثيرا ما أبرزته
في القصة القصيرة أو الرواية على حــدٍ سواء.
*مشروعك
الروائي ( وقت للخراب القادم ) هل اتخذت من وطنك مكانا وإنسانا مادة لبنائه سرديا ؟
علما بأن المبدع معني بتناول قضايا و أحداث مجتمعه ، فكيف للكاتب أن يحمل الهم الإنساني
بصفته عامل مشترك يجمع البشر ؟
-سبق
وأشرت إلى أن الكاتب يتصدى إلى ما هو مسكوت عنه في مجتمعـه ، في .. ( وقت للخراب القادم
) هناك ثيمات محلية نابعة من جغرافية الوطن تحمل مكابدات و آلام الإنسان لكنها تنفتح
على أفق أوسع بكل تأكيد ، مبدعنا العربي نجيب محفوظ ، كما نعرف قد سلط الضوء في مجمل أعماله الروائية
على شخصية الإنسان المسحوق و مختلف شرائح المجتمع و القضايا التي تنشب في داخلـه ،
على صعيد تجربتي ، توغلت كثيرا في العديد من القضايا ذات الاهتمام الإنساني المشترك
، بالرغم من أن هناك من القراء ممن يعتبرني أتوغل في السياسة . الكاتب عليه الانطلاق
بشكل أوسع في هموم الساحة ، فهو صوت معبر عن رجل الشارع العادي ، يلتحم بالجماهير و
هو منهم ضمن النسيج الاجتماعي لا يسعى لأن يكون نخبويا إذا ما عاش صدق التجربة و تقاسم
الخبز اليابس مع البسطاء و أصغى لهواجسهم و مشاكلهم ، هكذا هو الكاتب .
*هل
من عمل مددت به جسور علاقة بينك و بين أحد شخوصك لدرجة انعدمت فيه المسافة بينكما ،
وكيف استطعت الخروج بعد ذلك إلى الواقع ؟
-الكثير
من شخصياتي التي جاءت في قصصي القصيرة أو تلك الروائية ، كلها أعتبرها أرواح حية ناطقة
أسمع صخب أحاديثها من على أرفف مكتبتي . القاص يقترب من شخصياته و كم يعز عليه في الكثير
من الأحيان ترك شخصيةٍ مـا تواجه مصير الموت وهذا ما حصل مع شخصية " عارف المظلوم
" في روايتي الجديدة الصادرة من الإسكندرية ( فزاعة بوجه الريح .. كاكاشي ) /
دار الكتب و الدراسات العربية – 2019م في اعتقادي أن الكاتب ، مع مرور الزمن و خبرة
الكتابة تنشأ بينه و بين شخوصه ألفة خاصة ، الكاتب افتراضيا إله صغير يحن على خلقــه
! مرات كثيرة يختلط عليّ ككاتب الواقع و الخيال ، ابتدعت شخصيات ثم فوجئت بأنها من
لحم و دم و تتنفس و تأتي لي كي تعاتبني ، هذا الأمر حصل لي مع شخصية ( أبو جواد ) معارض
سياسي في رواية - وقت للخراب القادم ، حيث
كلمني شخص يحمل ذات الكنية ( أبو جواد ) وقال لي بأنه قرأ الرواية و آمن بأنـه أبو
جواد نفسه كصورة طبق الأصل ؟!
*الرقيب
الداخلي أو الرقابة الشخصية ، هل تقف حائل بين تقديم الكاتب لشهادته وأي الحيل لجأت
إليها لإيصال ما يجول بداخلك ، دون أن يكون ذلك على حساب صراحتك و صدقك ؟
-أتذكر
في الأعوام الماضية حينما كنت لا أزال أكتب في مشروعي الروائي الأول ، وكنت أتكلم بشأنه
مع ناشر محلي " السيد موسى الموسوي " قال لي يومها : هذا عملك الروائي الأول
، رقيبك الداخلي أجعله أسفل قدمك ! تقريبا مرت عشر سنوات و ها أنا في كل إصدار جديد
أعيد الاستفادة من هذا الدرس على صعيد الكتابة
، الكاتب يحتاج إلى جو الحرية المكفولة بالشرائع الأممية لكي يبدع ، فالرقيب الداخلي
الذي يحاصر الكاتب العربي ، هو وجه آخر للديكتاتورية القمعية التي تترصده في الخارج
متمثلة في هراوة العسكري . أعتقد أنه لا فائدة في مراوغة هذا الرقيب الافتراضي بشيء
من الحيلة ، كالترميز أو الكتابة الفانتازية
التي نطلق رحلاتها إلى جزر الواق واق هروبا من واقعنا العربي المتردي ، كل ما
سبق مجرد مناورات تبتعد عن المواجهة أو تؤجلها وحسب ، الكاتب عليه مواجهة مجتمعه بأخطائه
و .. " نقطة على السطر " الجرأة مطلوبة ولكن ليس إلى حد الاسفاف و العبثية
، متى ما كان الكاتب صادقا مع قرائه يكسب احترامهم و محبتهم ، فهو مثل الطبيب الجراح
أحيانا ، يبلغ موضع العطب في الجسد و يشرع في عملية البتر ، كي يصنع بعد ذلك النجاة
و الحياة .
*هل
يمكن أن يكون التاريخ الشخصي مدخلا من ضمن سياق الحدث العام للرواية كما في ( وقت للخراب
القادم ) ؟
-كثيرا
ما تمت مواجهتي بهذا السؤال في صيغ متعددة و بسياق واحد ، اعتقد أنه ليس من الحتمي
أن يكون الكاتب " متورطا " في الحدث حينما يكتب القصة أو الرواية ، الكاتب
يقرأ الواقع حولـه وليس معنيا بأن ينقله بحذافيره أو يكون طرفا فيه ، جودة ما يقدم
من أحداث و شخصيات عندما يطلع عليها القارئ في رواية أو قصة قصيرة و يتفاعل معها و
يستشعر حرارة وجودها ، مردها ها هنا إلى حرفية الكاتب أنه تمكن من فنـه و أدواتـه فأقنع
القارئ بتقديم عمل أدبي مبدع و ليس مجرد استهلاك مكرر . علينا أن نفصل بين حياة الكاتب
و مجمل الشخوص التي يخلقها على الورق ، ربما هناك ثمة تشابه ظرفي بين شخصيـةٍ ما و
حياة الكاتب ، لكن علينا عدم قولبتـه ضمن الاطار الشخصي حيث نشط بعيدا في التأويل لنتهم هذا الكاتب أو ذاك بأنه
يسوق فضيحته على الورق و يعترف بآثامـه ، وهذا ما لا طائــل منه بتاتـا .
*كتبت
للمسرح و السينما ، فما هو التغيير الذي أحدثته ؟
- لي
بعض المسرحيات التي كتبتها و هناك قصص قصيرة تم اختيارها لتكون على شكل أفلام قصيرة
حصدت النجاح و تم التنويه بها في المهرجانات الدولية مثل فيلم .. زينب للمخرج محمد
إبراهيم / سيناريو فريد رمضان ، كذلك فيلم -
قوس قزح للمخرج محمود الشيخ ، سيناريو
فريد رمضان ، قصة الفيلم من تأليفي وقد عرض الفيلم في برنامج سينما بديلة على شاشة
بي بي سـي . طبعا هناك شقين من التغيير ، الشق الأول يعنيني شخصيا ، حيث اتحمل مسؤولية
كبيرة امام القراء و جموع الناس التي تتابع تجربتي و تعرفني . الشق الثاني يتعلق بمدى
قدرتي على كسب سباق التميز و هل أنا قادر على اثبات تجربتي ككاتب له بصمته الخاصة يستطيع
أن يغير في مجتمعـه أم هو مجرد رقم مكرر مثل أي كاتب عابر . لا أستطيع ادعاء أيما دور
ها هنا أو أزكي نفسي في هذا الخصوص ، القراء هم من يحكمون في نهاية المطاف وكل من يقترب
من تجربتي ، كيفما كان حكمهم ففي النهاية تقديم العمل الأدبي ضمن إطار المسرح أو السينما
له اعتبارات فنية تؤثر في بنيتـه ، أما أن تنجـح في زيادة تألق الكاتب أو تطـوح به
أرضا !
*أنت
كمثقف خليجي ما هي علاقتك بحركية المجتمع ؟
- المثقف
بلا شك من المهم أن يلتحم بمختلف الفاعليات الثقافية ضمن مجتمعه ، الأعوام الماضية
من حياتي انخرطت في تقديم الكثير من الأمسيات القصصية و المسابقات كمحكم على صعيد الجمعيات
الأهلية أو وزارة التربية و التعليم في مملكة البحرين ، قدمت محاضرات ثقافية في المدارس
الخاصة و الجامعات ، أشتركت في تأسيس الكثير من اللجان الثقافية و عملت فيها كمتطوع
، صارت الثقافة كهاجس ذاتي أدافع عنه و أسافر إليه ، مررت بالكثير من المحطات و التجارب
و لست نادما على ما قدمته ، فهذا يدخل في رصيد تجربتي الحياتية ككاتب لم يكتفي بالجلوس
في حجرة مكيفة خلف مكتبه مبتعدا عن ميدان الواقع و تحدياته ، أنا مؤمن بحركتي في مجتمعي
وإن تطلب الأمر حمل مكنسة كي ما أنظف صالة ثقافية سيقام عليها أمسية قصصية .
*ما
آفاق الثقافة في البحرين و ما هي المعوقات ؟
- الأفق
الثقافي في البحرين أحرز بعض النجاحات محليا و عربيا ، الساحة الثقافية لدينا نشطـة
بشكل لا بأس به حيث تتقاسم جمعيات المجتمع المدني و الجهات الرسمية حمل لواء الثقافة
من مهرجانات و فاعليات لكن المعوقات موجودة مثلما يحدث في أي بلد عربي.
الكاتب المحلي يعاني كي يصدر كتابه الأول ، بالرغم من الدعم الرسمي " شبه
المحدود " الفنان المسرحي يعاني كي يحصل على جواز مرور يسلط الأضواء على تجربته
الفنية ، الفنان التشكيلي يعيش جو المعاناة أيضا وهو ينتظر الفرصة كي يقنع الجهات الرسمية
بأن تجربته جديرة بالتمثيل الدولي .. المغزى هنا أن الثقافة في البحرين أو الوطن العربي
تحتاج لجهود جبارة حتى نؤكد رسالتها الحضارية و نعطيها الأولوية في الواجهة لتكون أجدى
من تكديس صفقات التسليح و بناء ناطحات الأسمنت و الزجاج .
*برأيك
.. كيف تبدو صورة المثقف في الرواية العربية ؟
- صورته
تكاد تكون كاريكاتورية مسكينة الحال ، رجل محني الظهر بلحية فوضوية يطوي جريدته أسفل
ابطـه و ينتظر المواصلات العامة على الرصيف ، لا أحد يكترث به ، يظل يكتب و يبدع بصمت
، محاصرا بغربته وسط مجتمعه و عندما يمرض بالكاد يجد من يتبنى دفع تكاليف علاجه ، عندما
يموت هذا المثقف العربي تجد الألقـاب تنهال عليه و يُـكرم على اعلى المستويات ، فجأة
تستيقظ الناس و الجهات الثقافية من نومهم كي يعطونه حقـه من التقدير و الاحترام !
* قصة
" الدكان " و التي وردت ضمن كتاب اللغة العربية و يتم تدريسها على مستوى
مدارس البحرين الثانويـة .. هل أضافت إلى مسيرتك الأدبيـة ؟
- هذه
القصة مثلت تحولا رائعا في حياتي ككاتب بحريني ، قدمتني لأجيال و أجيال من بنات وأبناء
وطني ، حاضرت و تكلمت عن تجربتي ككاتب وتم تقديمي بمثابة " مُـلهم" لهذه
الأجيال كي تتعلم معني الكفاح و الإصرار على تحقيق الهدف ، ككاتب فقد بنيت تجربتي مرحلة
مرحلة و ها أنذا أواصل مشواري و لله الحمد ، يعنيني حب الناس و احترامهم لي فهذا هو
الرصيد الحقيقي الذي أعتز بـه .

