ارتداد الذاكرة ... قصة / جاسم محمد الصافي
تنصرف الأشياء راكضة أمام تلك النافذة وهي تنتزع من ذاكرتي صورة صامتة مشوهة بمشرط النسيان ، تظهر على شكل نقط بيضاء تومض في ظلام كامل , ثم تخفت حتى تنطفئ في صمت قاتل تحفر برأسه مسماراً لولبياً حرقة أصوات متعثرة لتلك الصور التي ضيعها في شتاته ، كانت صورا ضبابية تحاول الإفلات من قيد الماضي وهي تصحو من سكر النسيان .. قريتي ... بيوت الطين ... النخيل ... حسان ... ذلك الكائن العجيب ...
: ـ هيا هيا أعجن الطين
هذا إعلانً رسميٌّ من أمي لألعب بالطين ، كان ملمسه ناعما وغريبا لكنه ممتع ، تأتي أمي به من صدر النهر، لذا تجد دفء صدر صبية لم يدنس بعد , كواعب أترابا ، كورت أمي ما بيدها من الطين وصفته شيئا فشيئا ... ليكون مثل حصن دائري , سرعان ما تبين شكل ( تنور ) بعدها أعادت تدوير جوانبه المترهلة لترشق قوامه ويصبح دائرياً تضيق حلقاته من أعلاه ، هذه إحدى صور الماضي التي تحفر في ذاكرتي رغم عبث النسيان وتشظيه إلى ومضات لحظية تقدح في عقلي ذكراها ، ربما كانت رجة هذا القطار الخرب هي السبب في إعادة تلك الصور.
أول تلك الأشياء التي راحت تزحف إليّ وتشتعل ذاكرتها أمامي ... صورا عن حسان ، على ما أضن إّنه ما زال يبحث عن ظله المفقود , أذكر مرة حسان حين اختفى وذهبنا جميعا للبحث عنه ، إلى أن أنهكنا التعب من دون أن نجد له أثرُ ، وفي اليوم التالي بينما كنت متوجها إلى مدرستي ، وجدته قرب سياج خشبي كان يفصل أراضي المزارعين عن بعضها البعض ، كانت له وقفة معطلة تشبه وقفة نحت يوناني تصلب مع الزمن ، كان نور الفجر الذهبي يصب شلالا برونزيا على جسده النحيل يعطيه شكلاً مسرحياً ، لم افهم سبب تعطله هذا !!.. لذا ركضت إلى والدي فهو أفضل من يحسن التعامل معه ، كانا من جيلً واحد عاشا وكبرا سوياً ، قبل أن تدفن الحرب عائلته تحت منزله الذي ما تزال أطلاله موجودة الى يومنا هذا ، وعلى ما أعتقد هذا هو سر بحثه المتواصل ودورانه في أنحاء القرية كالمجنون .
جاء والدي إلى حسان الذي كان ثابتا على وقفته المعطلة , دنا منه بحذر وكأنه يدنو من حصان جامح ثم قال له والدي بصوت رخيم وحنون :
ــ ما بك يا حسان ؟
تحرك رأسه بفزع كأنه استفاق من سبات طويل ثم نظر بعينيه إلى أبي وأشار برأسه إلى إصبعه المحشور في ثقب ذلك السياج الخشبي ، حاول أبي إخرج إصبعه ، بينما كان حسان يبكي كالأطفال , سحب أبي إصبع حسان بعد أن زيته .
لم يكن حسان مخبولا كما كان يقول عنه أغلب أهل قريتي ، صحيح أنهُ مضطربٌ ولا يحسن التصرف أو أنهُ بشكل أدق مستوحد ولا ينتمي إلى عالم الكبار هو يهوى اللعب مع الأطفال حتى أنّه لم يترك طفلا في القرية إلا وأركبه على ظهره ، وكنت أكثر الخيالة لذلك الجواد النحيل .
لقد تركت هذه الأرض بعد موت والدي وهاجرت إلى العاصمة فوجدت نفسي أتلوى بين أزقتها المتعرجة لتبتلعني فأكون واحداً من تلك الملايين المهملة , أتنقل مثل الوباء من زقاق إلى آخر دون أن أجد انتماء لأي مكان , لهذا بقيت نكرة رقم في كومة قش يصعب عليّ أن أجد له وجودا معادلا لتسميته .
لم يعد هناك شيء يربطني بمكان نشأتي سوى هذه الذكريات , وهي تراث يأتي ويروح مع حاضري مثل قط مشرد , لتحفر وجوه الحاضر مواقف تنعكس على ذلك الماضي فيستحضر من سحر الخيال تلك الذكريات ، أتذوق منها طعما حلوا أنتشي فيه وأنسى مذاق عهر المدينة المرّ .
تركت كل شيء ... تركت الأرض تنبت الخراب أشجاراً والجرذان ثماراً ... تركت البيت المتهدل يصارع مصير زواله مع الزمن ... تركت حسان حارسا أو فزاعة تروع قلقي ويزيد تأنيب ضميري لإهمالي ذلك الأصل .
في إحدى المرات سألني حسان وهو ينظر إلى النهر :
ـ ما الذي يربط ما بين السماء والأرض ؟ لم أفهم مراده , كنت أتصور أنه سيأتي بطرفة وليس بلغز , بقيت صامتا ، لكنه كسر هذا الصمت بجوابه الذي ما يزال يرن في أذني إلى هذا اليوم كان لغما زمنيا يتفجر بين حين وحين , ليعيد ترميم قدم الذات على معرفة جديدة ...
ـ هذا النهر ... هنا .. نعم هنا , وهو يشير بإصبعه إلى وسط النهر , ترتبط السماء بالأرض أتصدق ذلك !! ثم صمت قليلا وقال بعدها , هذا ما يجعل السماء ترتسم على وجه الماء دوما وأبداً !! لكن ما أن يجف هذا النهر وينقطع عطاؤه حتى تتشقق أحشاء الأرض وكأنها تتلوى على فراق السماء وليس الماء ، من ينقطع عطاؤه يؤكد موته , لهذا عليك ان تكون معطاء وعلى الجميع وبلا استثناء ...
اذكر قول حكيم يوناني من إننا إذا وجدنا اثنين يتحدثان ولا يفهم أحدهم عن الآخر فمؤكد أن حديثهما هو عن الفلسفة , عليّ أن أنتزع من قوله هذا معنى لي , لم أجد في ذلك الوقت لقوله من معنى لكن مع الزمن فقست كلماته الندية في رأسي إجابات عديدة تؤرقني إلى اليوم ... من ينقطع عطاؤه يؤكد موته ،النهر هو الرابط ما بين السماء والأرض , فمن الماء إلى الماء من مياه الألم إلى مياه النهر ، هكذا هي الحركة الدائرية للأشياء , خلود وفناء ، الانتهاء إلى نقطة البداية ، أليست هذه من أهم معتقدات الحلاج التي قرأتها ذات مرة ، دائرية حركة الأشياء وهي الآن تدور في رأس حسان ، نعم النهر هو الأب الذي يبتلع السماء ويمتد بجسده الطويل على الأرض التي هي أم جاحدة تتنكر للأب دوما .
لقد جاءتني رسالة أبي علي مفاجئة ولا أعلم ماذا يريد ؟ ... لكن والحق يقال أنهاّ كانت حافزاً لي لأوقف آلة عقلي الذي يقودني للانهيار , ومنها أيضاً أستعيد الذكريات المهشمة وأزور أرضي بعد غياب سنين طوال ، لم أتوقع أن يقلني هذا القطار الخرب , بعد أن جمعت أحشاءه من قطارات عديدة خارج الخدمة ، فكنت أشغل نفسي بسحب رمادية لدخان سجائري لتكون شاشة تعرض لي ذكرياتي المزدحمة ثم تتلاشى مع تفتت تلك السحب وتبعثرها , لكنها تعاود الكرة حين أنفث دخان سجارتي مرة أخرى لدرجة أني اشعر من وضوحها أنني اقترب من واقعيتها بل أكاد أعيشها ، توقف القطار الخرب نافثا أنفاسه مثل تنين بعد أن أضناه التعب ، ونزل الركاب منه في مسارات منتظم تشبه انتظام مسيرة النمل , وهي تتجه نحو بوابة المحطة , هناك كانت في انتظار كل زائر , دوامات ترابية تهجم حباتها الناعمة على كل الزائرين تنذر بالقحط , فتتسمر في وجوههم المتجهة إلى نواحي تلك الحلوى مدينة الناصرية .
قال لي ذلك السائق الذي رصد احتياجي لسيارة تقلني من بعيد :
ــ تفضل يا أستاذ اركب , تكسي .. أنا أوصلك لأي مكان تريد
قالها وهو يفتح لي باب سيارته البشوشة (المار سدس) ركبت معه من دون أي تردد ، لقد تغيرت ملامح المدينة وأصبحت تحتوي الكثير من الجزر الوسطية ، وأشجاراً تزين الأرصفة ونصبا عديدة أجهل من تمثلهم ، كان منظر المدينة قد أذهلني شعرت بنشوة الفخر التي جعلتني أسحب أنفاساً عميقة , النسيم ملأ صدري بطاقة التخيل ، ونداوة الطيني تٌسرع من ترطيب أنفاسي لتعيد الحياة لمجسات صدئ تحاول أن تستعيد طعم القهوة ... والخبز ... الرطوبة والنداوة والماء والهواء حتى اتخم تسلقت فوقي أصوات تلك الصور مرة واحدة ... عيني تلتقط الألوان ثمار شامخة , ترتقي قمم النخيل بألوان مختلفة .
قال لي ذلك السائق وهو يتصور أني سائح غريب :
ـ إنّ للنخيل أنواع كثيرة وهنا تجد منها حتى النادرة يا أستاذ
أغلقت أذني ورحت أطوف بخيالي إلى البعيد وكان السائق ما يزال يصف أنواع التمور ويعاملني وكأني أجنبي , أخذت السيارة تتموج مع تعرج تلك الخطوط التي رسمتها آثار سيارات أخرى لطريق ترابي يروح ذات اليمين وذات الشمال إلى أن توقفت بنا تلك السيارة البشوشة أمام (مضيف) من القصب بعد نزولي خرج منه رجل كبير وثلاثة شباب لاستقبالي أكدت ابتسامته أنهُ العم أبو علي رغم تغير تضاريس ملامحه وجسده أما الشباب الثلاث حسبتهم أبناءه في بادئ الأمر .
احتضنني الطيب قبل أحضانه وأعادني المكان إلى جنة الخلد عدن جنة آدم تلك الجنة التي احتوتني وأنا طفل وأنا صبي ، بدأ الهاون ينقر برناته المنتظمة مهللا ومرحبا بكل ضيف قادم ، اكتشفت بعد دخولي أن هؤلاء الشباب هم أحفاد للعم أبو علي بعد أنْ جلس أولاده إلى جواري ، شعرت بالعمر المسرع والذي كرهت أن أٌعد أيامه من زمن بعيد ، كان الشاب الصغير يضرب بقوة بطن الهاون ثم يعادل تلك الضربة بضربات على محيط الهاون أقل مستوى فيخرج بذلك إيقاعا حنونا يجرني لتذكر كفّ أبي الصلبة وهي تمسك يد الهاون بقوة ، وما هي إلا ساعات حتى جاء أحدهم ( بصينيه) من اللحم الذي يفترش الرز ، قدم لي أحدهم ( طاسة ماء ) بللت بها أصابع يدي وأكلت حتى صرخ حزام ( البنطلون ) من هول الكرش الذي نما وتمدد حتى صاح الغوث .
جاءني رجل ظننته من أبناء العم أبي علي صافحني وابتسم لي خرجت معه وتأكدت أنه سيخبرني بما دعيت فيه للحضور قال لي :
ـ أتعلم أني سأتزوج
في هذه اللحظة اختلطت عليّ الأمور وأرجعت هذا الصوت إلى البعيد إلى صوت يشبهه هل يعقل إن يكون حسانا , لكن صوت حسان كان مرتعشا أكثر !! هاتين اليدين أعرفها كانت حركاتهما عبثية ولا تستقران ، أشار إلى ذلك البساط الأخضر الذي احتوانا دون أن أعي وقال :
ـ هذه أرضك التي طلبت مني حمايتها ، وهي أملي الذي أعيش به , كونها عطائي الوحيد في هذه الدنيا
نظرت إليه وحين تبسم عرفته من أسنانه العريضة التي تشبه أسنان الحصان ، إنّه حسان لم أصدّق ما رأيت , بحثه الطويل عن شيء كان يفتقده قد أثمر في أرضي , بل في أرضه التي أحياها , لقد أمسك الربط ما بين السماء وأحلامه , ما بين النهر والأرض , لقد كان وأصبح صاحب الأرض , يا إلهي كيف رجع شابا بأمانيه كيف استقر بأحلامه كيف يعيش اليوم بأفكاره .
: ـ هيا هيا أعجن الطين
هذا إعلانً رسميٌّ من أمي لألعب بالطين ، كان ملمسه ناعما وغريبا لكنه ممتع ، تأتي أمي به من صدر النهر، لذا تجد دفء صدر صبية لم يدنس بعد , كواعب أترابا ، كورت أمي ما بيدها من الطين وصفته شيئا فشيئا ... ليكون مثل حصن دائري , سرعان ما تبين شكل ( تنور ) بعدها أعادت تدوير جوانبه المترهلة لترشق قوامه ويصبح دائرياً تضيق حلقاته من أعلاه ، هذه إحدى صور الماضي التي تحفر في ذاكرتي رغم عبث النسيان وتشظيه إلى ومضات لحظية تقدح في عقلي ذكراها ، ربما كانت رجة هذا القطار الخرب هي السبب في إعادة تلك الصور.
أول تلك الأشياء التي راحت تزحف إليّ وتشتعل ذاكرتها أمامي ... صورا عن حسان ، على ما أضن إّنه ما زال يبحث عن ظله المفقود , أذكر مرة حسان حين اختفى وذهبنا جميعا للبحث عنه ، إلى أن أنهكنا التعب من دون أن نجد له أثرُ ، وفي اليوم التالي بينما كنت متوجها إلى مدرستي ، وجدته قرب سياج خشبي كان يفصل أراضي المزارعين عن بعضها البعض ، كانت له وقفة معطلة تشبه وقفة نحت يوناني تصلب مع الزمن ، كان نور الفجر الذهبي يصب شلالا برونزيا على جسده النحيل يعطيه شكلاً مسرحياً ، لم افهم سبب تعطله هذا !!.. لذا ركضت إلى والدي فهو أفضل من يحسن التعامل معه ، كانا من جيلً واحد عاشا وكبرا سوياً ، قبل أن تدفن الحرب عائلته تحت منزله الذي ما تزال أطلاله موجودة الى يومنا هذا ، وعلى ما أعتقد هذا هو سر بحثه المتواصل ودورانه في أنحاء القرية كالمجنون .
جاء والدي إلى حسان الذي كان ثابتا على وقفته المعطلة , دنا منه بحذر وكأنه يدنو من حصان جامح ثم قال له والدي بصوت رخيم وحنون :
ــ ما بك يا حسان ؟
تحرك رأسه بفزع كأنه استفاق من سبات طويل ثم نظر بعينيه إلى أبي وأشار برأسه إلى إصبعه المحشور في ثقب ذلك السياج الخشبي ، حاول أبي إخرج إصبعه ، بينما كان حسان يبكي كالأطفال , سحب أبي إصبع حسان بعد أن زيته .
لم يكن حسان مخبولا كما كان يقول عنه أغلب أهل قريتي ، صحيح أنهُ مضطربٌ ولا يحسن التصرف أو أنهُ بشكل أدق مستوحد ولا ينتمي إلى عالم الكبار هو يهوى اللعب مع الأطفال حتى أنّه لم يترك طفلا في القرية إلا وأركبه على ظهره ، وكنت أكثر الخيالة لذلك الجواد النحيل .
لقد تركت هذه الأرض بعد موت والدي وهاجرت إلى العاصمة فوجدت نفسي أتلوى بين أزقتها المتعرجة لتبتلعني فأكون واحداً من تلك الملايين المهملة , أتنقل مثل الوباء من زقاق إلى آخر دون أن أجد انتماء لأي مكان , لهذا بقيت نكرة رقم في كومة قش يصعب عليّ أن أجد له وجودا معادلا لتسميته .
لم يعد هناك شيء يربطني بمكان نشأتي سوى هذه الذكريات , وهي تراث يأتي ويروح مع حاضري مثل قط مشرد , لتحفر وجوه الحاضر مواقف تنعكس على ذلك الماضي فيستحضر من سحر الخيال تلك الذكريات ، أتذوق منها طعما حلوا أنتشي فيه وأنسى مذاق عهر المدينة المرّ .
تركت كل شيء ... تركت الأرض تنبت الخراب أشجاراً والجرذان ثماراً ... تركت البيت المتهدل يصارع مصير زواله مع الزمن ... تركت حسان حارسا أو فزاعة تروع قلقي ويزيد تأنيب ضميري لإهمالي ذلك الأصل .
في إحدى المرات سألني حسان وهو ينظر إلى النهر :
ـ ما الذي يربط ما بين السماء والأرض ؟ لم أفهم مراده , كنت أتصور أنه سيأتي بطرفة وليس بلغز , بقيت صامتا ، لكنه كسر هذا الصمت بجوابه الذي ما يزال يرن في أذني إلى هذا اليوم كان لغما زمنيا يتفجر بين حين وحين , ليعيد ترميم قدم الذات على معرفة جديدة ...
ـ هذا النهر ... هنا .. نعم هنا , وهو يشير بإصبعه إلى وسط النهر , ترتبط السماء بالأرض أتصدق ذلك !! ثم صمت قليلا وقال بعدها , هذا ما يجعل السماء ترتسم على وجه الماء دوما وأبداً !! لكن ما أن يجف هذا النهر وينقطع عطاؤه حتى تتشقق أحشاء الأرض وكأنها تتلوى على فراق السماء وليس الماء ، من ينقطع عطاؤه يؤكد موته , لهذا عليك ان تكون معطاء وعلى الجميع وبلا استثناء ...
اذكر قول حكيم يوناني من إننا إذا وجدنا اثنين يتحدثان ولا يفهم أحدهم عن الآخر فمؤكد أن حديثهما هو عن الفلسفة , عليّ أن أنتزع من قوله هذا معنى لي , لم أجد في ذلك الوقت لقوله من معنى لكن مع الزمن فقست كلماته الندية في رأسي إجابات عديدة تؤرقني إلى اليوم ... من ينقطع عطاؤه يؤكد موته ،النهر هو الرابط ما بين السماء والأرض , فمن الماء إلى الماء من مياه الألم إلى مياه النهر ، هكذا هي الحركة الدائرية للأشياء , خلود وفناء ، الانتهاء إلى نقطة البداية ، أليست هذه من أهم معتقدات الحلاج التي قرأتها ذات مرة ، دائرية حركة الأشياء وهي الآن تدور في رأس حسان ، نعم النهر هو الأب الذي يبتلع السماء ويمتد بجسده الطويل على الأرض التي هي أم جاحدة تتنكر للأب دوما .
لقد جاءتني رسالة أبي علي مفاجئة ولا أعلم ماذا يريد ؟ ... لكن والحق يقال أنهاّ كانت حافزاً لي لأوقف آلة عقلي الذي يقودني للانهيار , ومنها أيضاً أستعيد الذكريات المهشمة وأزور أرضي بعد غياب سنين طوال ، لم أتوقع أن يقلني هذا القطار الخرب , بعد أن جمعت أحشاءه من قطارات عديدة خارج الخدمة ، فكنت أشغل نفسي بسحب رمادية لدخان سجائري لتكون شاشة تعرض لي ذكرياتي المزدحمة ثم تتلاشى مع تفتت تلك السحب وتبعثرها , لكنها تعاود الكرة حين أنفث دخان سجارتي مرة أخرى لدرجة أني اشعر من وضوحها أنني اقترب من واقعيتها بل أكاد أعيشها ، توقف القطار الخرب نافثا أنفاسه مثل تنين بعد أن أضناه التعب ، ونزل الركاب منه في مسارات منتظم تشبه انتظام مسيرة النمل , وهي تتجه نحو بوابة المحطة , هناك كانت في انتظار كل زائر , دوامات ترابية تهجم حباتها الناعمة على كل الزائرين تنذر بالقحط , فتتسمر في وجوههم المتجهة إلى نواحي تلك الحلوى مدينة الناصرية .
قال لي ذلك السائق الذي رصد احتياجي لسيارة تقلني من بعيد :
ــ تفضل يا أستاذ اركب , تكسي .. أنا أوصلك لأي مكان تريد
قالها وهو يفتح لي باب سيارته البشوشة (المار سدس) ركبت معه من دون أي تردد ، لقد تغيرت ملامح المدينة وأصبحت تحتوي الكثير من الجزر الوسطية ، وأشجاراً تزين الأرصفة ونصبا عديدة أجهل من تمثلهم ، كان منظر المدينة قد أذهلني شعرت بنشوة الفخر التي جعلتني أسحب أنفاساً عميقة , النسيم ملأ صدري بطاقة التخيل ، ونداوة الطيني تٌسرع من ترطيب أنفاسي لتعيد الحياة لمجسات صدئ تحاول أن تستعيد طعم القهوة ... والخبز ... الرطوبة والنداوة والماء والهواء حتى اتخم تسلقت فوقي أصوات تلك الصور مرة واحدة ... عيني تلتقط الألوان ثمار شامخة , ترتقي قمم النخيل بألوان مختلفة .
قال لي ذلك السائق وهو يتصور أني سائح غريب :
ـ إنّ للنخيل أنواع كثيرة وهنا تجد منها حتى النادرة يا أستاذ
أغلقت أذني ورحت أطوف بخيالي إلى البعيد وكان السائق ما يزال يصف أنواع التمور ويعاملني وكأني أجنبي , أخذت السيارة تتموج مع تعرج تلك الخطوط التي رسمتها آثار سيارات أخرى لطريق ترابي يروح ذات اليمين وذات الشمال إلى أن توقفت بنا تلك السيارة البشوشة أمام (مضيف) من القصب بعد نزولي خرج منه رجل كبير وثلاثة شباب لاستقبالي أكدت ابتسامته أنهُ العم أبو علي رغم تغير تضاريس ملامحه وجسده أما الشباب الثلاث حسبتهم أبناءه في بادئ الأمر .
احتضنني الطيب قبل أحضانه وأعادني المكان إلى جنة الخلد عدن جنة آدم تلك الجنة التي احتوتني وأنا طفل وأنا صبي ، بدأ الهاون ينقر برناته المنتظمة مهللا ومرحبا بكل ضيف قادم ، اكتشفت بعد دخولي أن هؤلاء الشباب هم أحفاد للعم أبو علي بعد أنْ جلس أولاده إلى جواري ، شعرت بالعمر المسرع والذي كرهت أن أٌعد أيامه من زمن بعيد ، كان الشاب الصغير يضرب بقوة بطن الهاون ثم يعادل تلك الضربة بضربات على محيط الهاون أقل مستوى فيخرج بذلك إيقاعا حنونا يجرني لتذكر كفّ أبي الصلبة وهي تمسك يد الهاون بقوة ، وما هي إلا ساعات حتى جاء أحدهم ( بصينيه) من اللحم الذي يفترش الرز ، قدم لي أحدهم ( طاسة ماء ) بللت بها أصابع يدي وأكلت حتى صرخ حزام ( البنطلون ) من هول الكرش الذي نما وتمدد حتى صاح الغوث .
جاءني رجل ظننته من أبناء العم أبي علي صافحني وابتسم لي خرجت معه وتأكدت أنه سيخبرني بما دعيت فيه للحضور قال لي :
ـ أتعلم أني سأتزوج
في هذه اللحظة اختلطت عليّ الأمور وأرجعت هذا الصوت إلى البعيد إلى صوت يشبهه هل يعقل إن يكون حسانا , لكن صوت حسان كان مرتعشا أكثر !! هاتين اليدين أعرفها كانت حركاتهما عبثية ولا تستقران ، أشار إلى ذلك البساط الأخضر الذي احتوانا دون أن أعي وقال :
ـ هذه أرضك التي طلبت مني حمايتها ، وهي أملي الذي أعيش به , كونها عطائي الوحيد في هذه الدنيا
نظرت إليه وحين تبسم عرفته من أسنانه العريضة التي تشبه أسنان الحصان ، إنّه حسان لم أصدّق ما رأيت , بحثه الطويل عن شيء كان يفتقده قد أثمر في أرضي , بل في أرضه التي أحياها , لقد أمسك الربط ما بين السماء وأحلامه , ما بين النهر والأرض , لقد كان وأصبح صاحب الأرض , يا إلهي كيف رجع شابا بأمانيه كيف استقر بأحلامه كيف يعيش اليوم بأفكاره .
