فضاء حر ... بقلم / د. بومدين جلالي :: الجزائر
صورة مدينة البَيّض في أواخر الثورة الجزائرية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإهداء : إلى روح الطفل الشهيد عَبُّو بْرَيْدَعْ رحمه الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في السنوات الأخيرة من الثورة التحريرية ( 01 / 11 / 1954 – 05 / 07 / 1962) في مدينة البَيَّض / Géryville الواقعة في تلاقي السهوب بسلسلة الأطلس الصحراوي في هضاب الغرب الجزائري؛ كانت المدينة تحت حصار عسكريّ استعماريّ شديد رهيب، لم أشاهده في حياتي لاحقا حتى في أكثر الأفلام همجية وقمعاً ...
عصرئذ؛ كانت مدينتنا الصغيرة تتكوّن من الأحياء التالية فقط :
1 - * لَبْلاد * : وهي قلب المدينة ومركزها المازج بين المعمار الكولونيالي والمعمار المحلي ... تبدأ جنوبا من * البلدية / La mairie * (هُدِّمَتْ فيما بعد) وامتدادها الشرقي إلى مدرسة البنات / Ecole de filles - الآمال لاحقا - ثم تمتدّ نحو الشمال إلى الكنيسة (هُدِّمَتْ فيما بعد) والحديقة العمومية وجامع النور ومدرسة الذكور / Ecole de garçons - ابن باديس لاحقا - مع الشارعين المتوازيين : *الزنقة الكبيرة* و*زنقة ستيتن/زواوه* وما حولهما وما بينهما، وتنتهي شمالا عند *زنقة الحمَّاسة* وجامع القوارير والدرب...
2 - * المهبولة *، وتتمركز حول العين الشهيرة وما حولها بدْءً من قنطرة المهبولة ( أقدم قنطرة في البيض )، ثم لارْمود والمسجد العتيق والبريد وحمام برغام والفندق، وانتهاءً بالبساتين والسكنات الشعبية الموجودة تحتها ...
3 - * راس لَكوت *، وكان صغيرا جدا، يبدأ من قنطرة المهبولة وينتهي صعودا عبر طريق سعيدة على مسافة أمتار في مستوى مقبرة سيدي أحمد التي يتجاور فيها المسلمون بالنصارى باليهود. وأهم ما كان بين النقطتين المذكورتين محطة مولد الكهرباء على يسار المغادرين للمدينة وزاوية الحاج الحسان على يمينهم، وفي الأعلى محطة الأرصاد الجوية ...
4 - * واد الفَرّان * ويبدأ من حمام أولاد جديد وزنَيْقة حميش ثم يمتد شرقا إلى غاية الوادي ...
5 - * رْحاةْ الريح * وتتربع على الهضبة الموجودة بين واد الفران وسوق المواشي الواقع في ظهر حمام السوايح ...
6 - * ﭬصر العطشان * (كنّا ننطقه - كْصَيْرالعطشان- بصيغة التصغير وإبدال القاف كافا) وكان حيا صغيرا يقع غرب الحديقة العمومية على مسافة أمتار من نهاية الثكنة العسكرية القديمة التي أسسها الاستعمار الفرنسي حين استقراره بالمنطقة سنة 1852...
7 - * لـﭭرابه / Lgraba *، (Village neigre) وكانت منفصلة عن المدينة ومحيطها في الجهة الشرقية بالوادي الكبير، والرابط الوحيد بينهما هو قنطرة لـﭭرابه (قنطرة ستيتن – ثانية القناطر قِدَما في البيض)، ومنها تمتد الزنقة الرئيسة مرورا بجامع القراريج ( مسجد الرحمن لاحقا ) وتمتد إلى غاية الباطمات البيض ثم الحُمر والساحة الموجودة بينهما التي بُنيت فيها بعد الاستقلال مدرسة ابن خلدون ( متوسطة ابن خلدون لاحقا ) . وتقسِم هذه الزنقة الكبيرة ( شارع الفدائيين لاحقا ) حي لـﭭرابه إلى قسمين كبيرين : القسم الشمالي الذي يمتد باتجاه مقبرة سيد الشيخ دون أن يصل إليها كما يمتد تجاه الوادي الذي تطل عليه من الجهة المقابلة رحاة الريح ثم واد الفران، والقسم الجنوبي الذي يمتد إلى غاية بحيرة ادريس و ﭬصر بوخواضة دون أن يتجاوز مجرى الوادي الكبير، ويبقى مقام سيد الحاج بحوص في أعالي الكدية المجاورة للوادي بعيدا وحيدا لا يوجد حوله أي بناء ولو كان مجرد كوخ ( والحي القصديري المشهور تكَوَّن حول المقام بعد الاستقلال فقط ) ...
[مع الإشارة إلى أنني – أنا كاتب هذه السطور – ولدت ونشأت سنة 1952 بالجهة الشمالية من حي لـﭭرابه في حوش جدي لأبي الذي أصبح ملكية لولد المبروك بعد الاستقلال، ثم ترعرعت بالجهة الجنوبية من الحي نفسه في حوش والدي ضمن زنقة محبوبي ... والتفاصيل التي أرويها هي معايناتي الخاصة غالبا مع بعض ما سمعته من الكبار مباشرة بعد الاستقلال، قبل أن أغادر مسقط رأسي سنة 1970 ].
ومما يثير الاستغراب حقّا هو أن هذه المدينة الصغيرة ذات الأحياء القليلة التي لم يكن منها واسع المساحة كثيف الساكنة نوعا ما إلا *لبلاد* و* لـﭭرابه * قد جعلتْ منها فرنسا الاستعمارية واحدة من أكبر المدن العسكرية تِعْدادا وعتادا ومواقِعَ حربية، وهذا تفصيل ذلك بصورة تقريبية اعتمادا على ما شاهدته قبيل نهاية الثورة وأنا في محيط العاشرة من عمري سنة 1962 :
بعدما احتل الاستعمار الفرنسي في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد منطقة السهوب الغربية الجزائرية كان من أول ما قام به هو بناء ثغر عسكري Le Fort de Géryville ثم وسّعه إلى ثكنة ضخمة تبدأ من حدود قصر العطشان وتمتد شرقا إلى مشارف المكان الذي أصبح مركز المدينة فيما بعد، كما تمتد شمالا إلى نهاية الهضبة المطلة على بحيرات البيض التي كانت – قبل أن يتم ردمها بأمر من أحد ضباطه السامين – ما بين حمام برغام وحي الشهداء حاليا ... وجاءت اتباعا عشرات الآلاف من العساكر إلى هذه الثكنة الممثلة لقوة فرنسا وشدة قمعها، بخاصة أثناء ثورة اولاد سيدي الشيخ ( 1864 ) وثورة الشيخ بوعمامة ( 1881 )، وهكذا أصبحت منطقة البيّض ذات طابع عسكري خالص أكثر منها ذات طابع كولونيالي عام. وضمن تلك الجيوش الجرارة التي أقامت في المنطقة مدة قصيرة أو طويلة تواجدتْ كل أنواع الوحدات المناسبة للطبيعة السهبية شبه الصحراوية بدْءً بالمشاة والمحمولة على الدواب ثم المحمولة على العربات ومختلف المزنجرات وانتهاءً بالطيران في القرن العشرين ... وما إن انطلقت الثورة التحريرية في منطقة البيض حتى أصبح في كل تجمّع سكني تواجُد عسكري ضمن ثكنات وثغور جديدة، ثم كان تجميع البدو الرحل في محتشدات تنعدم فيها أدنى شروط الحياة، ويحيط بها العساكر من الفرنسيين والحركى ...
وبالنسبة لمدينة البيض؛ لقد أضيف إلى الثكنة الكبرى - الممتلئة إلى درجة الاختناق بالوحدات المختلفة والشاحنات والمدرعات والمدافع المجرورة وغيرها - أشياءٌ كثيرة لمحاصرة المدينة حصارا كاملا شاملا بغية فصل سكانها عن فعاليات الثورة ...
أحيطت المدينة كما أحيط حي لـﭭرابه المفصول عنها قليلا بالوادي بسياج يقارب المترين ارتفاعا وعرضا من الأسلاك الشائكة المكهربة بالتيار العالي وفُصلت العديد من الأزقة عن بعضها بالسياج نفسه، ولم يبق مفتوحا لدخول البيض ومغادرته إلا مخرجان رئيسان : أحدهما في الجنوب عبر طريق آفلو عند دار الصوف التي كانت بعيدة منفصلة عن النسيج العمراني، ومنه كان يمر القادمون من الجنوب والغرب والمتوجهون إليهما، وكان محروسا حراسة مشددة ومراقبا مراقبة دائمة في النهار والليل. وثاني المخرجين كان في الشمال عبر طريق سعيدة في أعالي حي راس لاكوت قبالة المقبرة، ومنه كان يمر القادمون من الشمال والشرق والمتوجهون إليهما، وكان بدوره تحت الحراسة والمراقبة باستمرار الاستمرار ...
فمن الثكنات الجديدة؛ بنيت على عجل ثكنة طويلة في أعلى الجهة الشرقية لحي لـﭭرابه (الصراوات)، كما بنيت بناء جاهزا شاليهات كثيرة في المكان الذي أصبح لاحقا متوسطة ابن خلدون ونزل فيها عساكر الساليقان (السنغاليون)، وأقيم مخيم عسكري كبير بالخيم (القواطين) بجانب قصر بوخوّاضة على الحافة الشرقية للوادي، وتمت تهيئة مطار عسكري بين الملعب القديم ودار الصوف مع مخيم للعساكر وحظيرة للدبابات والشاحنات ثم أصبحت حوّامات الهيليكوبتر صاعدة نازلة في ضجيج مرعب، وبنيت أيضا شاليهات عسكرية أخرى محاطة بمخيم غرب دار الصوف ...
ومن مراكز الاستنطاق المضافة إلى ما هو موجود في السجن والثكنات نجد حمام السوايح الذي كان داخله للاستنطاق بشتى أنواع التعذيب وخارجه مركزا عسكريا، وفي ظهره سياج بالأسلاك الشائكة عبر الزنقة المتجهة إلى حي رحاة الريح إلى غاية الجدار الجنوبي لسوق المواشي ...
وفيما يخص الأقسام Les Secteurs ؛ لقد قسمت الإدارة الاستعمارية مدينة البيض بكاملها إلى أربعة أقسام عسكرية ، أولها في حي المهبولة والثاني في حي قصر العطشان والثالث في حي واد الفران والرابع في حي لـﭭرابه، وكان ثغر الحراسة الداخلية الدائمة في هذا الحي الأخير أمام جامع الـﭭراريج ( مسجد الرحمن لاحقا ) وأمام المدرسة القرآنية الموجودة بجانبه ( المحضرة ) التي درست فيها شخصيا عند المجاهد بوشي الحاج العمراني الذي خلف الشهيد ربيعي الحاج الميلود القروجي ...
وكل هذه الآلة العسكرية القمعية الرهيبة كانت مضافة إلى عموم الاستعماريين والشرطة والدرك والاستخبارات بكل أشكالها والبيّاعة الحركى المدعمين للاستعمار بمختلف تسمياتهم، وهذا لفصل الثورة عن الشعب، لكن الشعب في معظمه ظل صامدا صابرا واستمرت الثورة بتنظيمها المدني متمثلا في جبهة التحرير الوطني المتمركزة بقوة في الأوساط الشعبية وتنظيمها العسكري متمثلا في جيش التحرير الوطني المتمركز بقوة في الجبال والفجاج ...
وبالنسبة للمعاش العام في السنوات الأخيرة من الثورة التحريرية، وبالذات في حي لـﭭرابه الذي كنت طفلا من أطفاله؛ لم تكن الحياة في عمومها بعيدة جدا عن الدرجة صِفْر ... كان كثير من الرجال الشباب والكهول غائبين لأسباب متعددة ... بعضهم صعدوا إلى الجبال جنودا مجاهدين، وبعضهم كانوا في سجون الاستعمار، وبعضهم كانوا فارين هنا وهناك لأنهم في قوائم المطلوبين المطاردين، وبعضهم هاجروا إلى المغرب، وبعضهم كانوا في البوادي أو رحلوا إلى مدن بعيدة بحثا عن الحد الأدنى من القوت اليومي لأسرهم، وبعضهم جندهم الاستعمار إجباريا وأخذهم بعيدا خلف البحر، ولم يبق إلا القليل ممن كانوا في التنظيم المدني السري أو كانوا شبه حياديين مكتفين بالاشتراك المادي البسيط في تمويل الثورة من دخْل نشاطاتهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع غالبا كبعض التجارة المحدودة أو المهن الرثة أو تربية أعداد قليلة من مواشي السهوب ... وفي مقابل هذا؛ كانت الأحياء الشعبية مثل حي لـﭭرابه مليئة بالأطفال شبه المشردين والنساء اللائي يقضين غالبا وقتهن داخل المنسج من أجل القليل من القوت والشيوخ العجزة والمرضى الفاقدين للقدرة على أي نشاط، وكانت حالة البؤس في هذه الأحياء المخصصة للأهالى الفقراء والخالية من أي ساكن من الأوربيين واليهود تكاد أن تكون عامة : فالأرجل حافية أو شبه حافية، والألبسة بالية مرقعة بما كان يسمى *الطّبّة*، والجوع يظهر على الوجوه الشاحبة، والطهي القليل والتدفئة النادرة يتأرجحان بحسب الظروف بين بعض الحطب أو الفحم أو الفحم الحجري، والإضاءة الكهربائية لم تكن متوفرة في الأحياء الشعبية إلا لقلة من المجاورين للأزقة الكبيرة نوعا ما، وكانت حنفيات الماء المنزلي الشروب منعدمة في حيّنا والأطفال بدلائهم المعدنية يسقون من بعض الحنفيات العمومية الموجودة في مناطق تمركز السكان، وأكثرية الناس كانوا يعتمدون على آبار المنازل التي يتراوح عمقها بين 10 و 20 مترا ومياهها متأثرة في الغالب بالمياه المستعملة نظرا لانعدام قنوات الصرف الصحي، وقد نتج عن هذا الاختلاط التلويثي أمراض كثيرة ووفيات عديدة بخاصة عند الأطفال في سنواتهم الأولى من العمر ...
وفي جوار هذه المأساة كانت المجموعة الكولونيالية الفرنسية واليهودية تتمتع مع المقربين منها من الأهالي بحياة شكّلت أحد أحلامنا الطفولية لما يستقبل من الزمان بما فيها من نعيم بمقاييس ذلك العصر، مثلا كانت منازلهم جميلة نظيفة مزودة بكل الضروريات بينما كانت جل منازلنا (الأحواش) في الأحياء الشعبية شبه أكواخ مبنية بطوب من تراب ويعلو بعضها التراب فوق اللوح وبعضها القرمود القديم نصف الدائري، بدون كهرباء ولا حنفيات ولا قنوات الصرف ولا ما يساعد على الحد الأدنى من النظافة ... أول مرة شاهدت شاحنة نظافة تجمع البقايا المنزلية في جهتنا البعيدة عن الزنقة الرئيسية لحي لـﭭرابه كانت خلال صائفة الاستقلال الوطني سنة 1962 (شاحنة صغيرة ذات لون أخضر باهت وسائقها هو زدروني بن عامر) أما قبل ذلك فكل الأوساخ ترمى بأيادي الأطفال في الوادي المحاذي الذي يتحول إلى عفونة مطلقة عندما تتأخر الأمطار وفياضاناتها لأنه كان عبارة عن قمامة مفتوحة بدءً من أعالي ﭬصر بوخواضة ومرورا بالحواشي الجنوبية الغربية لحي لـﭭرابه ثم الحواشي الشرقية الشمالية لحي رحاة الريح وحي واد الفران وانتهاءً بما تحت حيّي المهبولة وراس لاكوت المتقابلين ... كانت الحياة بنعيمها ومستلزماتها ونظافتها فقط للفرنسيين واليهود ولبعض الذين اقتربوا منهم وألّهوهم بدون شريك وتنكروا لانتمائهم وبني جلدتهم.
والأحداث التي أطّرتْ الحياة ضمن هذا الوضع العام كانت تتلخص في نقاط قليلة محددة هي الشهادة والسجن والسوق والمولودية... مرة مرة نسمع * استشهد فلان رحمه الله * فيعم الصمت والحزن، ومرة مرة نسمع * ألقت فرنسا القبض على فلان * فيعم القلق والخوف، وبين أمسية كل أربعاء وصبيحة كل خميس يكون السوق الأسبوعي فتتغيّر طبيعة الحياة بكثرة الحركة وأصوات بعض الدواب والأنعام وشراء ما يمكن شراؤه من سلع ضرورية جدا تُعَدْ على أصابع اليد الواحدة ولا يتعدى وزنها غالبا أكثر من الكيلو أو الكيلوغرامين مجتمعةً، وفي نهاية الأسبوع يكثر الكلام حول المولودية ( M.C.G ) أو الكرة بصفة عامة بين أطفال جيلي والقريبين منه بخاصة وأن المولودية قد تحولت في أذهاننا الصغيرة من مجرد فريق لكرة القدم إلى رمز عظيم للبطولة والجهاد بما يحكى عن لاعبيها الذين صعدوا إلى الجبال من أجل محاربة فرنسا الاستعمارية فسقط كثير منهم في ميدان الشرف ...
ورغم جودة الدراسة عصرئذ باللغة العربية في المدرسة القرآنية التراثية ( الشريعة / المحضرة ) وباللغة الفرنسية في المدرسة الكولونيالية الحديثة إلا أن واقعها لم يكن مصدر استقطاب كبير في الأوساط الشعبية وذلك لثلاثة عوامل، أولها أن غالبية الأطفال لم تكن متمدرسة بحكم ظروف العصر، وثانيها أن المدرسة القرآنية لم تكن تؤدي إلى حفظ القرآن كاملا إلا نادرا لأن من أراد أن يصبح طالبا حافظا فقيها فعليه أن يسافر إلى إحدى الزوايا الشهيرة التي كان جلها مغلوقا غلقا استعماريا مقصودا ولهذا شاعت عبارة (يقرا باه يصلي) أي يدرس ما فيه الكفاية لأداء الصلاة فقط، وثالثها أن المدرسة الكولونيالية كانت مقتصرة على مؤسسة واحدة للفتيان هي مدرسة الذكور(ابن باديس لاحقا) بجهتها الكبيرة-الابتدائية وجهتها الصغيرة-المتوسطة- وبعدها لا شيء إلا بالحصول على منحة والسفر إلى أقصى شمال الجزائر وذلك كان مستحيلا على الأهالي، وبالنسبة للفتيات كانت هناك مؤسسة واحدة أيضا هي مدرسة البنات ( الآمال لاحقا ) وتنطبق عليها المعطيات نفسها، ولذا شاع القول (يقرا باه يفك البرية) أي يدرس بما يؤهل لقراءة الرسالة فقط بحكم أنها كانت الوسيلة الوحيدة للتواصل عن بعد ... وما أصبحت الدراسة في صدارة اهتمامات جزء هام من الأسر إلا بعد الاستقلال الوطني لأن هذه الأسر أدركت أن الدراسة من أجل التوظيف هي المخرج الوحيد من الوضع الاجتماعي الكارثي الذي ترتب عن تراجيديا الزمن الاستعماري البغيض ...
وبالنسبة للعلاقات الأسرية والجوارية ومجمل التواصلات الاجتماعية في زمن الثورة التحريرية وحتى بعدها بقليل؛ لقد كانت طيبة حميمية قائمة على المودة والتكافل والاحترام ومشاركة القليل الذي كان متوفرا. فالرجال في تواصل مستمر ولا أحد يمارس الانغلاق الدائم على نفسه، وكذلك كان الأمر بالنسبة للنساء اللائي يقتسمن ما يطبخن على محدوديته وندرته، فلا تسمع من الجنسين من يتفوّه بسوء ولا ترى مَن يعتقد أنه أفضل من الآخرين ولا مَن يمشي في شرّ لقريب أو جار أو محبّ ... فالعدو كان واضحا وهو فرنسا الهمجية والخونة الذين استثمرت فيهم لقهر بني جلدتهم، والحبيب كان واضحا وهو كل شخص أكرمه الله بحب الجزائر ( أو ادْزاير، كما كان يقال ) وتقديس شهدائها إلى درجة أن أصبح القَسَم الشعبي اليقيني العام هو * حقّ دم الشهدا * أي : أقْسِم بدم الشهداء ... وهذا التمظهر المجتمعي اللطيف قد استوطن قلوب الأطفال الذين ترعرعوا عليه فكان التواصل الدائم في أطره الأخلاقية موجودا بين الجميع في المدرسة القرآنية التي غرستْ فينا معاني الأخوة بإحالاتها الإسلامية والوطنية والعربية، وفي المدرسة الحديثة التي لقنتنا دلالات الجدية والمثابرة وحسن السلوك بإحالاتها التربوية والمجتمعية معاً، وفي ألعابنا الشعبية الكثيرة مثل *السيق* و*المعيشرة* و*حابا* و*البلوطة* ( التي كنا نلعبها بكرة من قماش رثّ غالبا وبأرجل حافية ) وغير ذلك ... وما شذّ عن هذا الانسجام والتعايش التامين مع أواخر الثورة إلا ما كان يُسمّى بـ *الحرب / La guerre * بين أطفال أحياء المدينة (لبْلادْ)وحي ( لـﭭرابه) على ضفتي الوادي الفاصل بينهما، ولعل الأمر كان مدبّرا من جهة ما من غير أن ننتبه إلى ذلك ...
ومما ظل خالدا في ذاكرتي وجعلني أهدي هذا المقال الصورائي إلى شخص محدد دون غيره هو حادثة استشهاد طفل زميل من جيلي، لا لكونه ثائرا حمل السلاح ضد العدو وإنما لكونه ضحية من ضحايا الهمجية الاستعمارية التي مست طوال قرن وثلث القرن معظم الجزائريين والجزائريات بمختلف أعمارهم ومستوياتهم الاجتماعية ... كنا ندرس ونلعب ونحزن للقتل والسجن ونفرح بأشيائنا البسيطة القليلة. وفي أمسية من أمسيات السنوات الأخيرة للثورة ونحن في المدرسة القرآنية ( الملتصقة يومئذ بمسجد الرحمن من جهته الداخلية ) التي كان ينتمي إليها بعض أطفال حي لـﭭرابه ومنهم كاتب هذه السطور؛ وصل خبر مفاده أنّ الطفل * عَبُّو بْرَيْدَعْ * قد استشهد رحمه الله ... كان ذلك الطفل الأسمر الهادئ من عامة معارفي وكان يعرفه أيضا كثير من أبناء جيلي من أهل حي لـﭭرابه ، منهم - على سبيل التمثيل – السادة الأفاضل الذين ما يزالون على قيد الحياة زمن كتابة هذا المقال – حفظهم الله – محمد العايب ( الذي أصيب في انفجارات الملعب ) والشلالي عبيد ولعرج بودنة وغيرهم ... كان الطفل عبو بريدع شبه جائع كما كنا غالبا، وكان يلعب مع بعض أقرانه على مقربة من الأسلاك الشائكة المكهربة بتيار قوي، فوقعت عيناه على نبتة خضراء فيها حبّة دلّاع تحت تلك الأسلاك فقرر أن يستخرجها من غير أن يأخذ حذره الكافي من الموت المزروع أمامه، وما إن مدّ يده الصغيرة بين الأسلاك حتى حدث الذي حدث وصعقته الكهرباء صعقة قاتلة ... بعض رواة الخبر قالوا إنه في ثانيتين أو ثلاث أصبح جثة هامدة، وبعضهم قالوا إنه تفحّم تماما، وتعددت الروايات والنهاية واحدة ... وانتشر الخبر في وقت وجيز وعمّ الحزن في كل مكان ... من تلك اللحظة شعرت وشعر معي كثير من محيطي القريب أنّ شيئا ما تغيّر بصورة نهائية ...أصبحنا كالكبار ونحن مجرد أطفال دون العاشرة من العمر في معظمنا ...أصبحنا نحمل خوفا أكبر من الخوف ونلبس أملا أكبر من الأمل ... كانت الأخبار قبل استشهاد عبو بريدع تصل إلى أسماعنا بصورة عفوية، وبعده أصبحنا نتحسس كل خبر بلهفة وعناية ... قبله كنا نلعب بدون توقف خارج أوقات الدراسة والنوم ولا يُلفِت انتباهنا كثيرا مَنْ صعد أو نزل، وبعده تقلص وقت لعبنا وأصبح سؤال الموت وما بعد الموت يرد كثيرا في كلامنا من غير أن نجد سبيلا للفرار منه أو نسيانه إلى حين ...بدوري؛ سألت مرارا والدتي : أين يذهب الشهداء الكبار؟ فقالت : إلى الجنة في السماء... والأطفال ؟ فكررت الإجابة نفسها من غير إضافة ... أصبح أطفال جيلي/ أطفال نوفمبر الذين تجاوزوا عمر اللاوعي ولم يصلوا بعد إلى العمر المؤهل إلى فعل شيء ما لا يفكّرون إلا في الثأر من الاستعمار الهمجي العنصري قبل أن يبعث لنا الموت بطريقة من الطرق، كما فعل بعدد معتبر ممن كنا نعرفهم أو نسمع عنهم ... ولعل هذا ما يفسر التحاق كثير من شباب ذلك العصر بصفوف الثورة ما إن وصلوا سن البلوغ وحتى قبله أحيانا ...
ومما ظلت مشهديته ترافقني، وكأنه حدث منذ رمشة عين فقط، هو ما كانت والدتي خضرة حُسيني إحدى بطلاته خلال مظاهرات 19 مارس 1962 وأنا بجانبها، وهذا ملخصه :
في صباح ذلك اليوم المشهود، والشمس في لحظة شروقها مع بعض البرودة العادية؛ خرجت والدتي البسيطة كبساطة حيّ لـﭭرابه عصرئذ وبساطة جميع الجزائريين والجزائريات في ذلك الزمن الثوري الجهادي المليء بالحماس الصادق بغية استرجاع سيادتنا الوطنية بالدماء والدموع بعد أن عجزت كل الوسائل النضالية الأخرى عن ذلك ... خرجتْ مع الحشود التي لا يستطيع حسابها حاسب، والعَلَمُ الوطني في يدها اليمنى شامخا في السماء، ويدي في ذراعها الأيسر، والزغاريد تتناوب مع " تحيا الجزائر ... تحيا الجزائر " على لسانها كغيرها من نسوة يكسوهن بياض الملاحف ويملأ أنفاسهن ونبض قلوبهن عشق الجزائر التي كانت التضحية في سبيلها من أوجب الواجبات وأقدس المقدسات ... توجهت الجماهير من جميع جهات حيّنا الشعبي العتيق نحو مسجد لـﭭرابه الوحيد بالحي لتسير إثر ذلك باتجاه المدينة ( لبْلاد ) عبر القنطرة المجاورة لحمام السّوايح الذي كان مركزا للتعذيب كما سلفت الإشارة إلى ذلك ... وحين الوصول إلى القنطرة الضيقة وقتذاك، ظهرت من جهة الملعب الدباباتُ والمدرعاتُ وغيرها من الآليات العسكرية الفرنسية ... هنالك عمّ الضجيج ودخان المازوت برائحته الكريهة والفوضي والصراخ والهتافات والزغاريد وأشياء أخرى ... لم تتراجع والدتي بل شقّتْ طريقها وسط المتظاهرين والمتظاهرات والدبابات، وظل علمُها يرفرف عاليا في يمناها إلى أن دفعتها دبابة فألصقتها بالحديد الشبّاكي الموجود في حافة القنطرة فكان السقوط، وأنا بجانبها في تلك اللحظة التراجيدية وكنت حينها في العاشرة من عمري ... تواصل سقوط الناس وسال الدم هنا وهناك فاستشهد من استشهد مثل مباركة بنت الحدبية وجرح من جرح، وحمل والدتي رجال ونساء منهم سي بن قمّومة الذي كان من جيراننا الأباعد وهو – كما عرفت لاحقا بعد الاستقلال – مسؤول خلية جبهة التحرير الوطني التي كانت والدتي تنشط فيها أثناء ثورتنا المجيدة ... وبعد أن استحال عليّ اللحاق بوالدتي؛ عدت وحيدا دامعا من حيث أتيت، وبعض دم والدتي في يدي ... علمت فيما بعد أنه تم نقل والدتي إلى مستشفى البيّض ثم إلى مستشفى مدينة سعيدة، ولم تعد إلا بعد الاستقلال الوطني ... لقد حدثت لها جروح عديدة وكسور في الظهر والفخذ والذراع، وظلت تعاني منها طوال حياتها دونما أن تتبرّم من ذلك ، وكانت تقول في بعض حديثها ما معناه : حريّة الجزائر تستحق الشهادة وليس مجرد كسور يؤلمني أثرها ما بين الحين والحين ...
وبالصمود الذي كان متواصلا أمام القتل والسجن والتعذيب والمطاردة والتهجير والجوع والقهر بمختلف تجلياته في البيّض كما في كل ربوع الجزائر الثائرة تحقق الاستقلال الوطني ببحر من الدماء ومعاناة مأساوية وبطولات ملحمية أقوى وأكبر مما يمكن أن يصفه فن الكلام وكل فنون التعابير التي أبدعها الإنسان، ومع شروق شمس استعادة سيادة الجزائر حدث ما تُحيل عليه الأبيات الشعرية التالية :
خَرَجَـــتْ أصْقـَاعُ الجَزَائِـــرِ تـَبْــكِي
فِي ابْتِسَـــامٍ، وَالجَـــوُّ فِيـــهَا ثـَنـَـــاءُ
صَـــاحَ كـُــلٌّ: تَحْيَا الجَزَائِـــرُ.. تَحْيَا
تَحْيَـــا.. تَحْيَـــا.. وَالنـَّشِيـــدُ حُــــدَاءُ
قـَسَـــمًا... بِالذِيـــنَ مَـــاتُوا سَنـَبـْـقـى
أحْـــرَارًا، وَمَجْـــدُنـَـــا الشُّهَـــــــدَاءُ
قـَسَـــمًا... بِالذِيـــنَ غـَـــابُوا سَنـَحْـيَـا
مِثـْلـَمَــا كـَـــانَ يَحْلـُـــمُ الفُضَــــــلاءُ
وَلـْيُـــرَفـْرِفْ عِـــزُّ الجَزَائِـــرِ نـُـورًا
فَـــوْقَ نُـــورٍ، مَـــا دَامَتِ الأحْيَــــاءُ
وَبِـنـَا تَحْلـَـــوْلـَى الجَزَائِـــرُ جَيْـــــلاً
بَعْـدَ جَيْـــلٍ، وَيَسْعَـــدُ الصُّلـَحَــــــاءُ
وَبـِنـَا تَعْلـَـــوْلـَى العُرُوبَـــةُ تـَــــــاجًا
بِلِسَـــانٍ قـَـــدْ فـَضَّلـَتْـــهُ السَّمَــــــاءُ
وَيُنـَـــمِّي إسْلامُـــنـَا كـُـــلَّ خـَـيْـــــرٍ
فـَتـَسُـــودُ المَنَـــاقِـــبُ السَّمْحَــــــاءُ ...
رحم الله جميع شهدائنا الأبرار ومجاهدينا الأحرار الذين كانوا وطنيين صادقين وما بدلوا تبديلا ... والمجد لجزائر المجد.
.......................................................
الثلاثاء 12 شوال 1439 هـ الموافق لـ : 26 جوان 2018 م
إمضاء : الأستاذ الدكتور بومدين جلالي
جامعة الدكتور مولاي الطاهر – سعيدة - الجزائر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإهداء : إلى روح الطفل الشهيد عَبُّو بْرَيْدَعْ رحمه الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في السنوات الأخيرة من الثورة التحريرية ( 01 / 11 / 1954 – 05 / 07 / 1962) في مدينة البَيَّض / Géryville الواقعة في تلاقي السهوب بسلسلة الأطلس الصحراوي في هضاب الغرب الجزائري؛ كانت المدينة تحت حصار عسكريّ استعماريّ شديد رهيب، لم أشاهده في حياتي لاحقا حتى في أكثر الأفلام همجية وقمعاً ...
عصرئذ؛ كانت مدينتنا الصغيرة تتكوّن من الأحياء التالية فقط :
1 - * لَبْلاد * : وهي قلب المدينة ومركزها المازج بين المعمار الكولونيالي والمعمار المحلي ... تبدأ جنوبا من * البلدية / La mairie * (هُدِّمَتْ فيما بعد) وامتدادها الشرقي إلى مدرسة البنات / Ecole de filles - الآمال لاحقا - ثم تمتدّ نحو الشمال إلى الكنيسة (هُدِّمَتْ فيما بعد) والحديقة العمومية وجامع النور ومدرسة الذكور / Ecole de garçons - ابن باديس لاحقا - مع الشارعين المتوازيين : *الزنقة الكبيرة* و*زنقة ستيتن/زواوه* وما حولهما وما بينهما، وتنتهي شمالا عند *زنقة الحمَّاسة* وجامع القوارير والدرب...
2 - * المهبولة *، وتتمركز حول العين الشهيرة وما حولها بدْءً من قنطرة المهبولة ( أقدم قنطرة في البيض )، ثم لارْمود والمسجد العتيق والبريد وحمام برغام والفندق، وانتهاءً بالبساتين والسكنات الشعبية الموجودة تحتها ...
3 - * راس لَكوت *، وكان صغيرا جدا، يبدأ من قنطرة المهبولة وينتهي صعودا عبر طريق سعيدة على مسافة أمتار في مستوى مقبرة سيدي أحمد التي يتجاور فيها المسلمون بالنصارى باليهود. وأهم ما كان بين النقطتين المذكورتين محطة مولد الكهرباء على يسار المغادرين للمدينة وزاوية الحاج الحسان على يمينهم، وفي الأعلى محطة الأرصاد الجوية ...
4 - * واد الفَرّان * ويبدأ من حمام أولاد جديد وزنَيْقة حميش ثم يمتد شرقا إلى غاية الوادي ...
5 - * رْحاةْ الريح * وتتربع على الهضبة الموجودة بين واد الفران وسوق المواشي الواقع في ظهر حمام السوايح ...
6 - * ﭬصر العطشان * (كنّا ننطقه - كْصَيْرالعطشان- بصيغة التصغير وإبدال القاف كافا) وكان حيا صغيرا يقع غرب الحديقة العمومية على مسافة أمتار من نهاية الثكنة العسكرية القديمة التي أسسها الاستعمار الفرنسي حين استقراره بالمنطقة سنة 1852...
7 - * لـﭭرابه / Lgraba *، (Village neigre) وكانت منفصلة عن المدينة ومحيطها في الجهة الشرقية بالوادي الكبير، والرابط الوحيد بينهما هو قنطرة لـﭭرابه (قنطرة ستيتن – ثانية القناطر قِدَما في البيض)، ومنها تمتد الزنقة الرئيسة مرورا بجامع القراريج ( مسجد الرحمن لاحقا ) وتمتد إلى غاية الباطمات البيض ثم الحُمر والساحة الموجودة بينهما التي بُنيت فيها بعد الاستقلال مدرسة ابن خلدون ( متوسطة ابن خلدون لاحقا ) . وتقسِم هذه الزنقة الكبيرة ( شارع الفدائيين لاحقا ) حي لـﭭرابه إلى قسمين كبيرين : القسم الشمالي الذي يمتد باتجاه مقبرة سيد الشيخ دون أن يصل إليها كما يمتد تجاه الوادي الذي تطل عليه من الجهة المقابلة رحاة الريح ثم واد الفران، والقسم الجنوبي الذي يمتد إلى غاية بحيرة ادريس و ﭬصر بوخواضة دون أن يتجاوز مجرى الوادي الكبير، ويبقى مقام سيد الحاج بحوص في أعالي الكدية المجاورة للوادي بعيدا وحيدا لا يوجد حوله أي بناء ولو كان مجرد كوخ ( والحي القصديري المشهور تكَوَّن حول المقام بعد الاستقلال فقط ) ...
[مع الإشارة إلى أنني – أنا كاتب هذه السطور – ولدت ونشأت سنة 1952 بالجهة الشمالية من حي لـﭭرابه في حوش جدي لأبي الذي أصبح ملكية لولد المبروك بعد الاستقلال، ثم ترعرعت بالجهة الجنوبية من الحي نفسه في حوش والدي ضمن زنقة محبوبي ... والتفاصيل التي أرويها هي معايناتي الخاصة غالبا مع بعض ما سمعته من الكبار مباشرة بعد الاستقلال، قبل أن أغادر مسقط رأسي سنة 1970 ].
ومما يثير الاستغراب حقّا هو أن هذه المدينة الصغيرة ذات الأحياء القليلة التي لم يكن منها واسع المساحة كثيف الساكنة نوعا ما إلا *لبلاد* و* لـﭭرابه * قد جعلتْ منها فرنسا الاستعمارية واحدة من أكبر المدن العسكرية تِعْدادا وعتادا ومواقِعَ حربية، وهذا تفصيل ذلك بصورة تقريبية اعتمادا على ما شاهدته قبيل نهاية الثورة وأنا في محيط العاشرة من عمري سنة 1962 :
بعدما احتل الاستعمار الفرنسي في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد منطقة السهوب الغربية الجزائرية كان من أول ما قام به هو بناء ثغر عسكري Le Fort de Géryville ثم وسّعه إلى ثكنة ضخمة تبدأ من حدود قصر العطشان وتمتد شرقا إلى مشارف المكان الذي أصبح مركز المدينة فيما بعد، كما تمتد شمالا إلى نهاية الهضبة المطلة على بحيرات البيض التي كانت – قبل أن يتم ردمها بأمر من أحد ضباطه السامين – ما بين حمام برغام وحي الشهداء حاليا ... وجاءت اتباعا عشرات الآلاف من العساكر إلى هذه الثكنة الممثلة لقوة فرنسا وشدة قمعها، بخاصة أثناء ثورة اولاد سيدي الشيخ ( 1864 ) وثورة الشيخ بوعمامة ( 1881 )، وهكذا أصبحت منطقة البيّض ذات طابع عسكري خالص أكثر منها ذات طابع كولونيالي عام. وضمن تلك الجيوش الجرارة التي أقامت في المنطقة مدة قصيرة أو طويلة تواجدتْ كل أنواع الوحدات المناسبة للطبيعة السهبية شبه الصحراوية بدْءً بالمشاة والمحمولة على الدواب ثم المحمولة على العربات ومختلف المزنجرات وانتهاءً بالطيران في القرن العشرين ... وما إن انطلقت الثورة التحريرية في منطقة البيض حتى أصبح في كل تجمّع سكني تواجُد عسكري ضمن ثكنات وثغور جديدة، ثم كان تجميع البدو الرحل في محتشدات تنعدم فيها أدنى شروط الحياة، ويحيط بها العساكر من الفرنسيين والحركى ...
وبالنسبة لمدينة البيض؛ لقد أضيف إلى الثكنة الكبرى - الممتلئة إلى درجة الاختناق بالوحدات المختلفة والشاحنات والمدرعات والمدافع المجرورة وغيرها - أشياءٌ كثيرة لمحاصرة المدينة حصارا كاملا شاملا بغية فصل سكانها عن فعاليات الثورة ...
أحيطت المدينة كما أحيط حي لـﭭرابه المفصول عنها قليلا بالوادي بسياج يقارب المترين ارتفاعا وعرضا من الأسلاك الشائكة المكهربة بالتيار العالي وفُصلت العديد من الأزقة عن بعضها بالسياج نفسه، ولم يبق مفتوحا لدخول البيض ومغادرته إلا مخرجان رئيسان : أحدهما في الجنوب عبر طريق آفلو عند دار الصوف التي كانت بعيدة منفصلة عن النسيج العمراني، ومنه كان يمر القادمون من الجنوب والغرب والمتوجهون إليهما، وكان محروسا حراسة مشددة ومراقبا مراقبة دائمة في النهار والليل. وثاني المخرجين كان في الشمال عبر طريق سعيدة في أعالي حي راس لاكوت قبالة المقبرة، ومنه كان يمر القادمون من الشمال والشرق والمتوجهون إليهما، وكان بدوره تحت الحراسة والمراقبة باستمرار الاستمرار ...
فمن الثكنات الجديدة؛ بنيت على عجل ثكنة طويلة في أعلى الجهة الشرقية لحي لـﭭرابه (الصراوات)، كما بنيت بناء جاهزا شاليهات كثيرة في المكان الذي أصبح لاحقا متوسطة ابن خلدون ونزل فيها عساكر الساليقان (السنغاليون)، وأقيم مخيم عسكري كبير بالخيم (القواطين) بجانب قصر بوخوّاضة على الحافة الشرقية للوادي، وتمت تهيئة مطار عسكري بين الملعب القديم ودار الصوف مع مخيم للعساكر وحظيرة للدبابات والشاحنات ثم أصبحت حوّامات الهيليكوبتر صاعدة نازلة في ضجيج مرعب، وبنيت أيضا شاليهات عسكرية أخرى محاطة بمخيم غرب دار الصوف ...
ومن مراكز الاستنطاق المضافة إلى ما هو موجود في السجن والثكنات نجد حمام السوايح الذي كان داخله للاستنطاق بشتى أنواع التعذيب وخارجه مركزا عسكريا، وفي ظهره سياج بالأسلاك الشائكة عبر الزنقة المتجهة إلى حي رحاة الريح إلى غاية الجدار الجنوبي لسوق المواشي ...
وفيما يخص الأقسام Les Secteurs ؛ لقد قسمت الإدارة الاستعمارية مدينة البيض بكاملها إلى أربعة أقسام عسكرية ، أولها في حي المهبولة والثاني في حي قصر العطشان والثالث في حي واد الفران والرابع في حي لـﭭرابه، وكان ثغر الحراسة الداخلية الدائمة في هذا الحي الأخير أمام جامع الـﭭراريج ( مسجد الرحمن لاحقا ) وأمام المدرسة القرآنية الموجودة بجانبه ( المحضرة ) التي درست فيها شخصيا عند المجاهد بوشي الحاج العمراني الذي خلف الشهيد ربيعي الحاج الميلود القروجي ...
وكل هذه الآلة العسكرية القمعية الرهيبة كانت مضافة إلى عموم الاستعماريين والشرطة والدرك والاستخبارات بكل أشكالها والبيّاعة الحركى المدعمين للاستعمار بمختلف تسمياتهم، وهذا لفصل الثورة عن الشعب، لكن الشعب في معظمه ظل صامدا صابرا واستمرت الثورة بتنظيمها المدني متمثلا في جبهة التحرير الوطني المتمركزة بقوة في الأوساط الشعبية وتنظيمها العسكري متمثلا في جيش التحرير الوطني المتمركز بقوة في الجبال والفجاج ...
وبالنسبة للمعاش العام في السنوات الأخيرة من الثورة التحريرية، وبالذات في حي لـﭭرابه الذي كنت طفلا من أطفاله؛ لم تكن الحياة في عمومها بعيدة جدا عن الدرجة صِفْر ... كان كثير من الرجال الشباب والكهول غائبين لأسباب متعددة ... بعضهم صعدوا إلى الجبال جنودا مجاهدين، وبعضهم كانوا في سجون الاستعمار، وبعضهم كانوا فارين هنا وهناك لأنهم في قوائم المطلوبين المطاردين، وبعضهم هاجروا إلى المغرب، وبعضهم كانوا في البوادي أو رحلوا إلى مدن بعيدة بحثا عن الحد الأدنى من القوت اليومي لأسرهم، وبعضهم جندهم الاستعمار إجباريا وأخذهم بعيدا خلف البحر، ولم يبق إلا القليل ممن كانوا في التنظيم المدني السري أو كانوا شبه حياديين مكتفين بالاشتراك المادي البسيط في تمويل الثورة من دخْل نشاطاتهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع غالبا كبعض التجارة المحدودة أو المهن الرثة أو تربية أعداد قليلة من مواشي السهوب ... وفي مقابل هذا؛ كانت الأحياء الشعبية مثل حي لـﭭرابه مليئة بالأطفال شبه المشردين والنساء اللائي يقضين غالبا وقتهن داخل المنسج من أجل القليل من القوت والشيوخ العجزة والمرضى الفاقدين للقدرة على أي نشاط، وكانت حالة البؤس في هذه الأحياء المخصصة للأهالى الفقراء والخالية من أي ساكن من الأوربيين واليهود تكاد أن تكون عامة : فالأرجل حافية أو شبه حافية، والألبسة بالية مرقعة بما كان يسمى *الطّبّة*، والجوع يظهر على الوجوه الشاحبة، والطهي القليل والتدفئة النادرة يتأرجحان بحسب الظروف بين بعض الحطب أو الفحم أو الفحم الحجري، والإضاءة الكهربائية لم تكن متوفرة في الأحياء الشعبية إلا لقلة من المجاورين للأزقة الكبيرة نوعا ما، وكانت حنفيات الماء المنزلي الشروب منعدمة في حيّنا والأطفال بدلائهم المعدنية يسقون من بعض الحنفيات العمومية الموجودة في مناطق تمركز السكان، وأكثرية الناس كانوا يعتمدون على آبار المنازل التي يتراوح عمقها بين 10 و 20 مترا ومياهها متأثرة في الغالب بالمياه المستعملة نظرا لانعدام قنوات الصرف الصحي، وقد نتج عن هذا الاختلاط التلويثي أمراض كثيرة ووفيات عديدة بخاصة عند الأطفال في سنواتهم الأولى من العمر ...
وفي جوار هذه المأساة كانت المجموعة الكولونيالية الفرنسية واليهودية تتمتع مع المقربين منها من الأهالي بحياة شكّلت أحد أحلامنا الطفولية لما يستقبل من الزمان بما فيها من نعيم بمقاييس ذلك العصر، مثلا كانت منازلهم جميلة نظيفة مزودة بكل الضروريات بينما كانت جل منازلنا (الأحواش) في الأحياء الشعبية شبه أكواخ مبنية بطوب من تراب ويعلو بعضها التراب فوق اللوح وبعضها القرمود القديم نصف الدائري، بدون كهرباء ولا حنفيات ولا قنوات الصرف ولا ما يساعد على الحد الأدنى من النظافة ... أول مرة شاهدت شاحنة نظافة تجمع البقايا المنزلية في جهتنا البعيدة عن الزنقة الرئيسية لحي لـﭭرابه كانت خلال صائفة الاستقلال الوطني سنة 1962 (شاحنة صغيرة ذات لون أخضر باهت وسائقها هو زدروني بن عامر) أما قبل ذلك فكل الأوساخ ترمى بأيادي الأطفال في الوادي المحاذي الذي يتحول إلى عفونة مطلقة عندما تتأخر الأمطار وفياضاناتها لأنه كان عبارة عن قمامة مفتوحة بدءً من أعالي ﭬصر بوخواضة ومرورا بالحواشي الجنوبية الغربية لحي لـﭭرابه ثم الحواشي الشرقية الشمالية لحي رحاة الريح وحي واد الفران وانتهاءً بما تحت حيّي المهبولة وراس لاكوت المتقابلين ... كانت الحياة بنعيمها ومستلزماتها ونظافتها فقط للفرنسيين واليهود ولبعض الذين اقتربوا منهم وألّهوهم بدون شريك وتنكروا لانتمائهم وبني جلدتهم.
والأحداث التي أطّرتْ الحياة ضمن هذا الوضع العام كانت تتلخص في نقاط قليلة محددة هي الشهادة والسجن والسوق والمولودية... مرة مرة نسمع * استشهد فلان رحمه الله * فيعم الصمت والحزن، ومرة مرة نسمع * ألقت فرنسا القبض على فلان * فيعم القلق والخوف، وبين أمسية كل أربعاء وصبيحة كل خميس يكون السوق الأسبوعي فتتغيّر طبيعة الحياة بكثرة الحركة وأصوات بعض الدواب والأنعام وشراء ما يمكن شراؤه من سلع ضرورية جدا تُعَدْ على أصابع اليد الواحدة ولا يتعدى وزنها غالبا أكثر من الكيلو أو الكيلوغرامين مجتمعةً، وفي نهاية الأسبوع يكثر الكلام حول المولودية ( M.C.G ) أو الكرة بصفة عامة بين أطفال جيلي والقريبين منه بخاصة وأن المولودية قد تحولت في أذهاننا الصغيرة من مجرد فريق لكرة القدم إلى رمز عظيم للبطولة والجهاد بما يحكى عن لاعبيها الذين صعدوا إلى الجبال من أجل محاربة فرنسا الاستعمارية فسقط كثير منهم في ميدان الشرف ...
ورغم جودة الدراسة عصرئذ باللغة العربية في المدرسة القرآنية التراثية ( الشريعة / المحضرة ) وباللغة الفرنسية في المدرسة الكولونيالية الحديثة إلا أن واقعها لم يكن مصدر استقطاب كبير في الأوساط الشعبية وذلك لثلاثة عوامل، أولها أن غالبية الأطفال لم تكن متمدرسة بحكم ظروف العصر، وثانيها أن المدرسة القرآنية لم تكن تؤدي إلى حفظ القرآن كاملا إلا نادرا لأن من أراد أن يصبح طالبا حافظا فقيها فعليه أن يسافر إلى إحدى الزوايا الشهيرة التي كان جلها مغلوقا غلقا استعماريا مقصودا ولهذا شاعت عبارة (يقرا باه يصلي) أي يدرس ما فيه الكفاية لأداء الصلاة فقط، وثالثها أن المدرسة الكولونيالية كانت مقتصرة على مؤسسة واحدة للفتيان هي مدرسة الذكور(ابن باديس لاحقا) بجهتها الكبيرة-الابتدائية وجهتها الصغيرة-المتوسطة- وبعدها لا شيء إلا بالحصول على منحة والسفر إلى أقصى شمال الجزائر وذلك كان مستحيلا على الأهالي، وبالنسبة للفتيات كانت هناك مؤسسة واحدة أيضا هي مدرسة البنات ( الآمال لاحقا ) وتنطبق عليها المعطيات نفسها، ولذا شاع القول (يقرا باه يفك البرية) أي يدرس بما يؤهل لقراءة الرسالة فقط بحكم أنها كانت الوسيلة الوحيدة للتواصل عن بعد ... وما أصبحت الدراسة في صدارة اهتمامات جزء هام من الأسر إلا بعد الاستقلال الوطني لأن هذه الأسر أدركت أن الدراسة من أجل التوظيف هي المخرج الوحيد من الوضع الاجتماعي الكارثي الذي ترتب عن تراجيديا الزمن الاستعماري البغيض ...
وبالنسبة للعلاقات الأسرية والجوارية ومجمل التواصلات الاجتماعية في زمن الثورة التحريرية وحتى بعدها بقليل؛ لقد كانت طيبة حميمية قائمة على المودة والتكافل والاحترام ومشاركة القليل الذي كان متوفرا. فالرجال في تواصل مستمر ولا أحد يمارس الانغلاق الدائم على نفسه، وكذلك كان الأمر بالنسبة للنساء اللائي يقتسمن ما يطبخن على محدوديته وندرته، فلا تسمع من الجنسين من يتفوّه بسوء ولا ترى مَن يعتقد أنه أفضل من الآخرين ولا مَن يمشي في شرّ لقريب أو جار أو محبّ ... فالعدو كان واضحا وهو فرنسا الهمجية والخونة الذين استثمرت فيهم لقهر بني جلدتهم، والحبيب كان واضحا وهو كل شخص أكرمه الله بحب الجزائر ( أو ادْزاير، كما كان يقال ) وتقديس شهدائها إلى درجة أن أصبح القَسَم الشعبي اليقيني العام هو * حقّ دم الشهدا * أي : أقْسِم بدم الشهداء ... وهذا التمظهر المجتمعي اللطيف قد استوطن قلوب الأطفال الذين ترعرعوا عليه فكان التواصل الدائم في أطره الأخلاقية موجودا بين الجميع في المدرسة القرآنية التي غرستْ فينا معاني الأخوة بإحالاتها الإسلامية والوطنية والعربية، وفي المدرسة الحديثة التي لقنتنا دلالات الجدية والمثابرة وحسن السلوك بإحالاتها التربوية والمجتمعية معاً، وفي ألعابنا الشعبية الكثيرة مثل *السيق* و*المعيشرة* و*حابا* و*البلوطة* ( التي كنا نلعبها بكرة من قماش رثّ غالبا وبأرجل حافية ) وغير ذلك ... وما شذّ عن هذا الانسجام والتعايش التامين مع أواخر الثورة إلا ما كان يُسمّى بـ *الحرب / La guerre * بين أطفال أحياء المدينة (لبْلادْ)وحي ( لـﭭرابه) على ضفتي الوادي الفاصل بينهما، ولعل الأمر كان مدبّرا من جهة ما من غير أن ننتبه إلى ذلك ...
ومما ظل خالدا في ذاكرتي وجعلني أهدي هذا المقال الصورائي إلى شخص محدد دون غيره هو حادثة استشهاد طفل زميل من جيلي، لا لكونه ثائرا حمل السلاح ضد العدو وإنما لكونه ضحية من ضحايا الهمجية الاستعمارية التي مست طوال قرن وثلث القرن معظم الجزائريين والجزائريات بمختلف أعمارهم ومستوياتهم الاجتماعية ... كنا ندرس ونلعب ونحزن للقتل والسجن ونفرح بأشيائنا البسيطة القليلة. وفي أمسية من أمسيات السنوات الأخيرة للثورة ونحن في المدرسة القرآنية ( الملتصقة يومئذ بمسجد الرحمن من جهته الداخلية ) التي كان ينتمي إليها بعض أطفال حي لـﭭرابه ومنهم كاتب هذه السطور؛ وصل خبر مفاده أنّ الطفل * عَبُّو بْرَيْدَعْ * قد استشهد رحمه الله ... كان ذلك الطفل الأسمر الهادئ من عامة معارفي وكان يعرفه أيضا كثير من أبناء جيلي من أهل حي لـﭭرابه ، منهم - على سبيل التمثيل – السادة الأفاضل الذين ما يزالون على قيد الحياة زمن كتابة هذا المقال – حفظهم الله – محمد العايب ( الذي أصيب في انفجارات الملعب ) والشلالي عبيد ولعرج بودنة وغيرهم ... كان الطفل عبو بريدع شبه جائع كما كنا غالبا، وكان يلعب مع بعض أقرانه على مقربة من الأسلاك الشائكة المكهربة بتيار قوي، فوقعت عيناه على نبتة خضراء فيها حبّة دلّاع تحت تلك الأسلاك فقرر أن يستخرجها من غير أن يأخذ حذره الكافي من الموت المزروع أمامه، وما إن مدّ يده الصغيرة بين الأسلاك حتى حدث الذي حدث وصعقته الكهرباء صعقة قاتلة ... بعض رواة الخبر قالوا إنه في ثانيتين أو ثلاث أصبح جثة هامدة، وبعضهم قالوا إنه تفحّم تماما، وتعددت الروايات والنهاية واحدة ... وانتشر الخبر في وقت وجيز وعمّ الحزن في كل مكان ... من تلك اللحظة شعرت وشعر معي كثير من محيطي القريب أنّ شيئا ما تغيّر بصورة نهائية ...أصبحنا كالكبار ونحن مجرد أطفال دون العاشرة من العمر في معظمنا ...أصبحنا نحمل خوفا أكبر من الخوف ونلبس أملا أكبر من الأمل ... كانت الأخبار قبل استشهاد عبو بريدع تصل إلى أسماعنا بصورة عفوية، وبعده أصبحنا نتحسس كل خبر بلهفة وعناية ... قبله كنا نلعب بدون توقف خارج أوقات الدراسة والنوم ولا يُلفِت انتباهنا كثيرا مَنْ صعد أو نزل، وبعده تقلص وقت لعبنا وأصبح سؤال الموت وما بعد الموت يرد كثيرا في كلامنا من غير أن نجد سبيلا للفرار منه أو نسيانه إلى حين ...بدوري؛ سألت مرارا والدتي : أين يذهب الشهداء الكبار؟ فقالت : إلى الجنة في السماء... والأطفال ؟ فكررت الإجابة نفسها من غير إضافة ... أصبح أطفال جيلي/ أطفال نوفمبر الذين تجاوزوا عمر اللاوعي ولم يصلوا بعد إلى العمر المؤهل إلى فعل شيء ما لا يفكّرون إلا في الثأر من الاستعمار الهمجي العنصري قبل أن يبعث لنا الموت بطريقة من الطرق، كما فعل بعدد معتبر ممن كنا نعرفهم أو نسمع عنهم ... ولعل هذا ما يفسر التحاق كثير من شباب ذلك العصر بصفوف الثورة ما إن وصلوا سن البلوغ وحتى قبله أحيانا ...
ومما ظلت مشهديته ترافقني، وكأنه حدث منذ رمشة عين فقط، هو ما كانت والدتي خضرة حُسيني إحدى بطلاته خلال مظاهرات 19 مارس 1962 وأنا بجانبها، وهذا ملخصه :
في صباح ذلك اليوم المشهود، والشمس في لحظة شروقها مع بعض البرودة العادية؛ خرجت والدتي البسيطة كبساطة حيّ لـﭭرابه عصرئذ وبساطة جميع الجزائريين والجزائريات في ذلك الزمن الثوري الجهادي المليء بالحماس الصادق بغية استرجاع سيادتنا الوطنية بالدماء والدموع بعد أن عجزت كل الوسائل النضالية الأخرى عن ذلك ... خرجتْ مع الحشود التي لا يستطيع حسابها حاسب، والعَلَمُ الوطني في يدها اليمنى شامخا في السماء، ويدي في ذراعها الأيسر، والزغاريد تتناوب مع " تحيا الجزائر ... تحيا الجزائر " على لسانها كغيرها من نسوة يكسوهن بياض الملاحف ويملأ أنفاسهن ونبض قلوبهن عشق الجزائر التي كانت التضحية في سبيلها من أوجب الواجبات وأقدس المقدسات ... توجهت الجماهير من جميع جهات حيّنا الشعبي العتيق نحو مسجد لـﭭرابه الوحيد بالحي لتسير إثر ذلك باتجاه المدينة ( لبْلاد ) عبر القنطرة المجاورة لحمام السّوايح الذي كان مركزا للتعذيب كما سلفت الإشارة إلى ذلك ... وحين الوصول إلى القنطرة الضيقة وقتذاك، ظهرت من جهة الملعب الدباباتُ والمدرعاتُ وغيرها من الآليات العسكرية الفرنسية ... هنالك عمّ الضجيج ودخان المازوت برائحته الكريهة والفوضي والصراخ والهتافات والزغاريد وأشياء أخرى ... لم تتراجع والدتي بل شقّتْ طريقها وسط المتظاهرين والمتظاهرات والدبابات، وظل علمُها يرفرف عاليا في يمناها إلى أن دفعتها دبابة فألصقتها بالحديد الشبّاكي الموجود في حافة القنطرة فكان السقوط، وأنا بجانبها في تلك اللحظة التراجيدية وكنت حينها في العاشرة من عمري ... تواصل سقوط الناس وسال الدم هنا وهناك فاستشهد من استشهد مثل مباركة بنت الحدبية وجرح من جرح، وحمل والدتي رجال ونساء منهم سي بن قمّومة الذي كان من جيراننا الأباعد وهو – كما عرفت لاحقا بعد الاستقلال – مسؤول خلية جبهة التحرير الوطني التي كانت والدتي تنشط فيها أثناء ثورتنا المجيدة ... وبعد أن استحال عليّ اللحاق بوالدتي؛ عدت وحيدا دامعا من حيث أتيت، وبعض دم والدتي في يدي ... علمت فيما بعد أنه تم نقل والدتي إلى مستشفى البيّض ثم إلى مستشفى مدينة سعيدة، ولم تعد إلا بعد الاستقلال الوطني ... لقد حدثت لها جروح عديدة وكسور في الظهر والفخذ والذراع، وظلت تعاني منها طوال حياتها دونما أن تتبرّم من ذلك ، وكانت تقول في بعض حديثها ما معناه : حريّة الجزائر تستحق الشهادة وليس مجرد كسور يؤلمني أثرها ما بين الحين والحين ...
وبالصمود الذي كان متواصلا أمام القتل والسجن والتعذيب والمطاردة والتهجير والجوع والقهر بمختلف تجلياته في البيّض كما في كل ربوع الجزائر الثائرة تحقق الاستقلال الوطني ببحر من الدماء ومعاناة مأساوية وبطولات ملحمية أقوى وأكبر مما يمكن أن يصفه فن الكلام وكل فنون التعابير التي أبدعها الإنسان، ومع شروق شمس استعادة سيادة الجزائر حدث ما تُحيل عليه الأبيات الشعرية التالية :
خَرَجَـــتْ أصْقـَاعُ الجَزَائِـــرِ تـَبْــكِي
فِي ابْتِسَـــامٍ، وَالجَـــوُّ فِيـــهَا ثـَنـَـــاءُ
صَـــاحَ كـُــلٌّ: تَحْيَا الجَزَائِـــرُ.. تَحْيَا
تَحْيَـــا.. تَحْيَـــا.. وَالنـَّشِيـــدُ حُــــدَاءُ
قـَسَـــمًا... بِالذِيـــنَ مَـــاتُوا سَنـَبـْـقـى
أحْـــرَارًا، وَمَجْـــدُنـَـــا الشُّهَـــــــدَاءُ
قـَسَـــمًا... بِالذِيـــنَ غـَـــابُوا سَنـَحْـيَـا
مِثـْلـَمَــا كـَـــانَ يَحْلـُـــمُ الفُضَــــــلاءُ
وَلـْيُـــرَفـْرِفْ عِـــزُّ الجَزَائِـــرِ نـُـورًا
فَـــوْقَ نُـــورٍ، مَـــا دَامَتِ الأحْيَــــاءُ
وَبِـنـَا تَحْلـَـــوْلـَى الجَزَائِـــرُ جَيْـــــلاً
بَعْـدَ جَيْـــلٍ، وَيَسْعَـــدُ الصُّلـَحَــــــاءُ
وَبـِنـَا تَعْلـَـــوْلـَى العُرُوبَـــةُ تـَــــــاجًا
بِلِسَـــانٍ قـَـــدْ فـَضَّلـَتْـــهُ السَّمَــــــاءُ
وَيُنـَـــمِّي إسْلامُـــنـَا كـُـــلَّ خـَـيْـــــرٍ
فـَتـَسُـــودُ المَنَـــاقِـــبُ السَّمْحَــــــاءُ ...
رحم الله جميع شهدائنا الأبرار ومجاهدينا الأحرار الذين كانوا وطنيين صادقين وما بدلوا تبديلا ... والمجد لجزائر المجد.
.......................................................
الثلاثاء 12 شوال 1439 هـ الموافق لـ : 26 جوان 2018 م
إمضاء : الأستاذ الدكتور بومدين جلالي
جامعة الدكتور مولاي الطاهر – سعيدة - الجزائر
