ذو النظارة السوداء .. بقلم / أميرة نويلاتي
حان الوقت ليقرع الجرس..حدث ذاته وهو يبتسم لمرآته ملقيا ً نظرةً نرجسية اعتادتها منه وهي تكرر كل يوم ذات الكلام المحبب له والذي كان يبعث النشوة والزهو في روحه ..كل شيء تمام ..مهلاً هل نسيت ُ شيئا ً!! يالي من أحمق نسيت أهم شيء ...النظارة السوداء..
أطل من درابزين شرفته ِالمحاطة بأصص ورود تجعلها أقرب لأيكة جميلةٍ منها إلى شرفة صغيرة ، تكاد تتسع لشخصين أو ثلاثة ، لكنها لم تكن لتسع ضحكات وأحلام تلميذات الثانوية المتزاحمة نظراتهن على سياج الشرفة وجدرانها وحبال الغسيل التي كانت تُنشر عليها نظراته المدعية باللامبالاة بهن كلما قرع َ جرس الاستراحة ، لتتحلق أنظارهن حول ذاك الأمير الهارب من قصص الطفولة ، كالشمس تتحلق حولها الكواكب والأقمار.. . التلميذات مشغوفات كل يوم ٍ بمحاولة شد ِّ انتباهه إليهن عساهن يظفرن بغاية ما في نفوسهن ألا وهو...نظرة اعجاب...فإحداهن تدعي وتقسم أنه رمقها من تحت النظارة السوداء،وثانية تخالف قواعد المدرسة الصارمة لتبسط شعرها الذهبي المكفوف عن الانسياب في محاولة منها للفت انتباه عينيه المتواريتين عنها تحت زجاج الظلام ، وثالثة ترفع يمناها الجريئة ملوحة لأميرها ، ورابعة وخامسة ..... وكنت ُ أنظرُ متكئة بجسدي كله على عمود استقام خلفي استقامة أفكاري كالطود الشاهق، والسخرية تغمرني من حمق ورعونة تلك الصغيرات ، مزهوة بوقارعقلي ورفعتي عما ظننته تصرفات غبية لاتمارسها إلا الفتيات المراهقات ........
مرت عقود وقادتني الصدفة لذاك المكان الذي مازالت ذاكرتي تحتقظ بتفاصيلهُ الدقيقة ونقوشه الوردية التي رسمتْها ريش ُ أناملنا على الجدران الرماديةِ كنوع من الذكرى تتنفسه الجدران حين ينمحي وجودنا عن هذا المحراب .. تغيرتُ أنا و لم يتغير شيء ٌهنا، فمازالت البوابة السوداء والتي كنت أسميها (بوابة الجحيم) كما هي ، تحوطها الجدران العاليه وكأنها جدران سجن صمم بهذا الارتفاع العالي لمنع السجناء من مجرد التفكير بالهروبِ ، ومازالت شجرة الصفصاف المتدلية بأعناقها للأمام وكأنها في مراسم حزن أبديّ حين تنظر لحروف أسمائنا المحفورة ِعلى جذوعها بكل قسوة فتشتاقنا رغم قسوتنا عليها ،لكنها مازالت شاهدة على عمر كبرنا فيه ولم تكبر أسماؤنا بل بقيت ْ صغيرة تحب اللعبَ واللهو بحماقة ، وبعضها يؤثر اللعب بوقار...رفعت نظري بطريقة عفوية ٍ لتلك الشرفة لينتابني شعور بالفرح المغمور باللهفة لشيء مضى ..ابتسمت طويلاً وتمنيت لو يباغتني الأمس هنا ويسقط ظلي من جيوبه الضغيرة الكبيرة ، فيطل ُّ ذاك الذي كانت الشرفة برجه العاجي والأميرات تحوم حوله كالنحلات في بستان خاو إلا من زهرة وحيدة ، فأبسط شعري وألوح بيدي وادعي أن ذاك الأميربنظرة خاطفة قد رمقني ...أردت ان أعيش في جلباب الماضي ولو للحظات..ولكن هيهات هيهات ..اليوم أدركت كم كنت خرقاء فلكل أميرة صغيرة أمير وسيمٌ يأتيها على حصان أحلامها البيضاء ...
