-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الأديب العالمي الدكتور " عبد السلام العجيلي " في ذكرى رحيله بقلم - الأديبة السورية .أ. نجاح إبراهيم

الأديب العالمي الدكتور  " عبد السلام العجيلي " في ذكرى رحيله
بقلم - الأديبة السورية .أ. نجاح إبراهيم 


الشهادة التي ألقتها الأديبة نجاح إبراهيم في مهرجان الرواية الدولي في الرقة عام ٢٠٠٦، عن الدكتور عبد السلام العجيلي،والتي دفعت الناقد الكبير صلاح فضل لأن يسألني سؤالا صبه ببرود في أذنها، بينما تصاعد نارا في داخلها : 
فراتٌ
يُدارُ صوبَ الفرات
من يُحصي ألقَ شموع الخضر وهي تتراقصُ فوق الطوف الخشبيّ، تمسك به كفّ امرأة فراتية محناة بالرّجوات ، تدفعه فوق الماء بعد الغروب ، بتأنٍ ورفقٍ شديدين.
يتمتم فمٌ يزدحمُ بالتراتيل ، ويتفاوحُ بعطرِ وليّ مُبارك:
" يا شموع امضِ وليتحقق المأمولُ ، وينال المرتجى."
يقيناً أنك في حضرة الفرات.
فأيّ فرات أقصد؟
وأيّ فرات أغفِلُ ، وهل يمكنُ؟
بهما يُضيء نصيّ ، كلّ واحد يمثل الرّواء لقطاةٍ عطشى ، فهل تغمض عينيها عن رنين أجراس الماء؟!
خيّل إليّ ذات نصّ أنّ أحدهما قد أسميته " المطهم"
من هو المطهم؟
كلّ خلايا الجسد تسألُ ، وكلُّ الألسنة تجيبُ .
عرافة البادية قالت، بعد أن أشعلت أصابعَ معروقة في الوَدع:
- متناهي الحُسن ، تامّ في كلّ شيء، ينسلّ من ظهر الحسين ليلائم ثرى البادية..
صمتت، ثم غشيت وأخذها الحال، وانخطف لونها، وارتجفت أعضاؤها، وصرخت ذبيحاً بين صحو وإغماء من فرط وجع ، أو استحضار:
- مدد
أصغت النساء المتجمهرات بخشوع وضراعة، أردفت العرافة وهي شبه منشطرة:
" يكون زيتاً في سراجكم ، ينبسط هرماً بأقانيم ثلاثة، علمٌ وبيانٌ، ولسان، تدمن مياه" الفرا" ترديد اسمه ، ينير بقلمه دروبكم، وبأنامله يشفي جراحكم ، إليه تتجهون بأنظاركم ، وبينكم تكون له وجاهة.
تحسست النسوة المجللات حلماً وغباراً بطونهن ، امتدت أصابعهن إلى أثدائهن ، وحملقت عيونهن إلى السماء ، وتراكضت أقدامهن صوب الفرات ، تدفع كلّ واحدة بطوفها ، وفوق الطوف تنعقد دبكة من الآمال المعلقة.
............................................
حين جرح البياض عينيّ ، وشبت أعراس الروح تمارس طقساً عشقياً احتفاء بعالم القراءة ، الذي ولجتُ ، قرات بادئ ذي بدء رواية " باسمة بين الدموع" الرواية التي وشوشت في أذن الانثى التي في داخلي ، قبل أن تتشكل أنوثتها ، فراودني خاطر طفوليّ ، تسامى فيّ، فانسقت إليه كما تنساق قطاة إلى مورد الماء.
وصار مع الوقت حلماً ملحّاً ، تارة يختبئ في طيات ثوبي ، وتارة يقفز تحت جلدي ، وتارة أخرى أرسمه خريطة تبدأ من منبع الفرات إلى مصبه ، وتكبر الخريطة حتى تضمّ منابع الانهار ومصباتها، وينشطر الحلم إلى قسمين: أن ألتقي بالكاتب الذي رسم شخصية "باسمة" تلك التي وهبت حبها الكبير لرجل لم يكن جديراً بذلك الحبّ ، ومع ذلك لم تقها خيبة الأمل إلى الضعف والكره والانتقام ، بل فضلت التضحية والانسحاب ، ليسعد كلّ من تحبهم .
والقسم الثاني من الحلم : ان اكون كاتبة ، تمنيت ذلك وبحرارة ، واشتغلت على ذلك كما يشتغل على رواية ، ولست أدري هل كانت أبواب السماء مفتوحة حين ذاك؟ أم ذلك الخاطر كان بمثابة صوى على طريق قدر رسم قبل أن أبعث .
ورعفت اللهفة للقائه كما رعاف الأرجوان.
والتقيت به ، لم يكن اللقاء أولاً، كان بعد أن كنتها ، تلك التي قرأ إبداعها في الدوريات، وحفظ حروف اسمها.
وحين هاتفته مصرّحة باسمي ،قال على الفور: أعرفك.
وجاء محور الحديث حول روايته التي فتقت الحلم عندي ، ولم أكن أدري أن تلك الشخصية المحورية، التي كتب العجيلي عنها روايته ، سأتعرف إليها مع مرور الزّمن بعد أن كانت كائناً خيالياً ، او فضائياً، فأرى صورتها تتوهج بحضورٍ لافت ، وأصغي من خلال ورقها(رسائلها) إلى حوارها المتعطش للحبّ ، وأتقرّى نبضها ، ومكان إقامتها وعملها، وأعرف دقائق حياتها ، ومعاناتها، ومدى تدخلها في وضع عنوان الرواية.
امرأة لا زالت تحيا حتى كتابة هذه الشهادة ، عجوز تمضي الوقت في القراءة واجترار ذكريات لها ألق ماض رائع.
كم أنا محظوظة لأنّ العجيلي، استثناني دوناً عن العالمين ليفتح خزانته الحديدية، التي تشبه مغارة "علي بابا" ، ليطلعني على ما بداخلها من درر.
أغبط نفسي، حين خصّني بالاطلاع على تاريخ العجيلي الأدبي والحياتي، هذا الاغتباط لم يأت في يوم وليلة ، وإنما جاء رهواً، على مدى عقدين ، وأظنني حين فتح باب أسراره ، رأيت ذات فرجة، أوراقاً حديثة ، مشدودة بإحكام، قال عنها:
" إنها وصيتي."
كان ذلك منذ عامين..*
قلتُ له: مازال موضوع الوصية باكراً، أمامك ألف سنة قادمة..
ابتسم وسكت برهة ، فجأة دمعت عيناه ، سألتُ بتأثر : خيراً؟
قال بعد وقت ، وهو يكابر : لا أعرف ، عشر أيام مررن بي، كلّ يوم تلحّ فيه ذكرى ابني مهند ، إنه معي لا يُفارقني، يطلبني باستمرار..
بدأ العجيلي متأثراً يومها تماماً، مقهوراً ، بعد وقت قرأ على مسمعي أبياتاً من الشعر الشعبيّ هي:
يا صاح لا تعذب الرّوح ، خَلها
عساها تموت عقب فراق خِلها
لمس إيدي الطبيب وقلت خلها
بالكبود الوجع ما هو بإيديه...
كانت الأبيات من تأليف ابنه الرّاحل- هكذا أخبرني- تركها لأبيه، فأشاعت في نفسه غُصة ومرارة.
طلبت من الدكتور أن يكتبها لي على ورقة بخط يده ، ففعل.
........................................
كنتُ قد قرأت في " الميثيولوجيا " ، أنّ الآلهة حين ترضى عن إنسان ، تحبه وتودّ أن تكافئه ، فترسل إليه هدية مجزية ، أو ترفعه فيكون نصف إله ، ونصف بشريّ . وكنتُ ممن أحبهم العجيلي ، فوثق بهم ، لم ألحظ قط أنه تغير من ناحيتي قيد أنملة ، بل كان يزداد ثقة بي يوماً بعد يوم ، فيحكي لي عن همومه وآلامه وهو في هذا نادراً ما يفعله مع الآخرين ، وقد كنت أظنّ أنّ لا هموم له ولا آلام.
أتحفني بما يأسر قلبَ كلّ أديب وناقد ومهتم، كتبه القديمة والحديثة، وديوانه الوحيد والمفقود منذ عقود، ومخطوطات بعض رواياته وصور عن بعضها ، وعن مقالاته قبل أن تنشر وبعد، وما كُتب عنه وما نُشر ، كما خصّني بهالات النور حول بطلاته اللواتي عبرن الجسر، ليس جسر الرّقة ، إنما ذلك الممتد من القلب إلى بياض الورق ، ومدّني بآرائه حول كلّذ مجموعة صدرت لي ،
وقال : تصرفي بها كما تشائين، ولكن ليس الآن، حتى لا تقام حولي زوبعة هؤلاء الذين يطلبون رأياً في أعمالهم .
"ليس الآن.."
قالها وصمت، ليردف بعد ذلك محدداً الزمن ، ولا أخاله قادماً، ولا أريد له أن يجيء.
أغبط نفسي حقاً حين كان يزورني في بيتي ،فاحتفي به كما يحتفى بإله ، وحين يحضر الأمسيات التي أشارك بها ، فيبارك المكان بمجيئه وتواضعه، فماذا أسمي كلّ هذا الاهتمام من الآلهة؟!
كان دائماً يردّد على مسمعي بيتين من الشعر القديم ، ربّما حملا في طياتهما جواباً لسؤالي ، هما:
إذا أثنينا عليك بصالح فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرتِ الأيام يوماً بمدحة لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
لهذا دبّت الغيرة بالكثيرين ، سعوا إلى زرع الخراب بيننا، وتقلد الواشون أسلحتهم ، ولكنهم جميعاً خابوا، وبقي واحدنا للآخر عوداً من السذاب يُحرق درءاً لحدّ الحاسدين.
كان ولا يزال نقياً، صافياً كدمع العين، يخجل القطن المندوف من بياض قلبه ، صادقاً وفياً، يتناغم أدبه مع حياته، وجسده مع روحه، ولسانه مع يده، وقوله مع فعله.
أغبطه على تلك" النيرفانا" الخاصة به ، التي وصل إليها مزداناً بعقلانية لا مثيل لها ،وإحساس فريد بالمسؤولية قلّ أن أجده عند الآخرين .
كانت رغبته في أن يكون محارباً عنيداً في ساح الكتابة ، فلم يلق بسلاحه إلاّ في وقت قريب أجبره على ذلك المرض ، فنزق وتبرم.
كانت الكتابة على أشكالها تخلق الحركة في دمه ، وتبعث فيه الفرح والنشوة، والزهو، أراني أفاخر به! وكيف لا ،وأنا كلما التقيتُ به أتساءل أين تقف نهايات الذرا؟
فأوقن حينها أن كثيراً منه لا يفنى أبداً، وكثيراً منه عرف كيف يتجذر فيّ
أراني أباهي به بعد صداقة عشرين عاماً تقريباً ، وأقول كما قال "آشور بانيبال" معتزاً ، متباهياً:
" لقد حصلت على حكمة (نابو) وكلّ فنون الكتابة ، واستوعبتُ معارف كلّ الحرفيين بكلّ تعدادهم ، كما حصلتُ على كلّ الأسرار المخبأة .."
كنت كلما كتبتُ نصّاً تلهث أجنحته حثيثاً صوب فضائه ليقرأه ، ويحتفظ بنسخة منه لديه، ثم يكتب رأيه بصمت وموضوعية ، مؤكداً كلّ مرّة بجنوحي نحو السريالية ، وأن النصّ أتعبه ، قرأه مراراً حتى ألمّ بأفقه.
كتب ذات مرة:
" تسعدين بأن يُجهد قارئك، ليلاحقك في ما تريدين إيصاله إليه.
وسألني : "لماذا تكتبين بلغة شاعرية ؟"
فأجيب لأنّ اللغة الشعرية قادرة على استيعاب الرّموز والدلالات ، وتبتعد عن الابتذال ، ولا تكشف الحجاب إلا للخاصة ، كما أنها تخفف من إرث جنوني.
يقولُ ضاحكاً: " يختلف أسلوبانا ، ومع ذلك أحبُّ أن أقرأ لك.
هو مغرم بالوضوح في كلّ ما يكتب ، يأخذ بيد قارئه ، وبيدي عبر نصه ، لنرى ونسمع ، ونحسّ ببساطة، ودونما تعقيد ، نواصل السير معه أميراً فوق فرس الحكاية ، نسعد بوضوح يوسع آفاق الرؤية أمامنا.
مثلما كان ولا زال، يُضيؤني برأيه ، كان نصي يُضاء به حقاً، فتتسلل أشعته عبر دفتي كلّ كتاب صدر لي، ليأخذ مكانة، تماماً كالفرات الذي يُضيف حضوراً لافتاً ومشرئباً، كما الفرات الذي تدور معظمُ أحداثها حول ضفتيه.
.......وماذا بعد؟
هل يكفي حبرٌ وبياضٌ لما أودُّ قوله في حقّ من أسرج ماءه فوق يباسنا؟!
هل تتسع الحنجرة لصوت يهدر بجملة واحدة : نحن نحبك.
جورج اليوت قال : لا أريد أن يُحبني الناس فحسب، ولكن أريد أن أسمع منهم أنهم يحبونني.
نحبك يا فرات ، وما حدث في هذا الصرح من مهرجان للرواية العربية ، إنما هو إعلان واضح بمحبتنا لك، ولكننا نتوه أحياناً فيختلط الأمر علينا إذ نبث حبنا لشبيهك ، توءمك، في الطهر والنقاء والعذوبة، والعطاء.
لا زلتُ أمام حيرتي ، ولا زلتُ أتساءل:
أيهما الفرات ؟
وأيُّ فراتٍ يُدار كزهرة عباد الشمس نحو الآخر ؟
وماء مَنْ تجاسده أطواف النسوة الفراتيات؟ .

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية