-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

المحاكم السفلية.. قصة / ابتهال الخياط

المحاكم السفلية.. قصة / ابتهال الخياط

نيران..فتاة جميلة تعودت الخروج صباحا لتتنسم عبير الورد ومفاتن شروق الشمس وزقزقة العصافير متنقلة هنا وهناك تنظر حينا الى صفاء السماء وتبحث حينا آخر عن بقايا ورد لم يطول عمره ليلقى الصباح، فتقتلعه كي يبقى النظر المبهج الى ماحولها ولا أثر للموت . فقدت من أهلها الكثير وصمدت بوجه الخسارات والحرمان .
تنظر حولها وتقول : "مازال كل شيء حولي جميل رغم كثرة الموت وخلو الدار".
البيوت من حولها متناثرة والقرية تنام بيوتها على نهر ليس بعميق لكنه هادئ صافية مياهه ومنظره جميل..بينما هي عنده صاح غراب على غصن قريب:"ايتها البنت ماأبشع قدرك! ماأقسى عمرك! قال جملته بإتقان لسان الإنسان و أنهاها بالقاق قاق ورحل عنها بعيدا.
عادت نيران الى بيتها الخاوي مهمومة تقول: كيف تتكلم الغربان ؟ ولمَ قالها لي انا بالذات ؟ ربما كنت أهذي! غير ممكن ماكان إنها غربتي وعمق الاحزان.
وانتهى اليوم وانسدل غطاء الليل ونست البنت ماقاله الغراب.في الصباح وهي تصحو على خير وفرح وحسنُ قلبٍ وحال ذهبت تسير قرب النهر واذا بالغراب يعود ويؤكد لها ماكان من أمسها وما رفضته من فكرها..غمَّها الأمر كثيرا وسيطر على حركاتها فقعدت حبيسة الدار لأيام .
فجأة استنفرت فكرها لتخرج وتبحث عن قدرها وكيف هو نحس عمرها ..فكان لها رحيل بإشراقة شمس يوم جميل استقبلته بحزن وداست على الورد وهي تسير.
وهكذا سارت وطريقها وحيد مفتوح امامها بشكل غريب وانقطع من حولها كل متحرك وكأنها لوحدها تعيش بلا بشر ! .. وبانت لها صحراء على حين غفلة وتحت اقدامها قطعة من حجر المرمر بلون أسود تَمَثل لها في بوابة منه سُلّم ينزل الى الأسفل، استغربت الامر وخافت وتراجعت لكنها عادت بإصرار.
ونزلت نيران ..فما يحدث حقيقة غريبة نالتها لأنها بنت تجاوزت حيرة الفتيات وقلبها قوي ولا تقتله التنبؤات بل ستواجه المصير وتعيد لحياتها البريق. أتت الدرجات تهبط بلا هوادة وبعض الاصوات تعالت من هنا وهناك...لكنها استمرت بالنزول حتى استقرت وسط بنيان كبير على شكل دائرة وسطه حفره من نار..كانت الساحة سوداء كالليل المظلم بلا قمر..وبانت لها من الجدران عيون جامدة كالأحجار المصقولة تلمع ببشاعة ..تساقطت جمرات لَسَعتها إحداها فصرخت فكان صدى الصرخة مفتاحا لباب دخل منه الغراب.....!
فقال: علمتُ أنك ستأتين والى قدرك ستسيرين.. أنك الآن في ملكوت العالم الاسود يانيران ..مااجمل اسمك..وماابهى صوتك ومااقواكِ !
انا هنا منذ اعوام واعوام وكل جراح الارض تنبت من نار هنا في هذه الحفرة..هنا المحكمة السفلية لبني البشر وانا الحاكم والجروح دوارة في العالم ..ولن تُبقي ولن تذر..هل ترين العيون حولك انها الاخبار تصل في الحال. يالهم من بشر يبحثون عن المنقذ وهم المفسدون للارض وللشجر.. جعلوا الامطار وبال ..والزهور مجردة من الحياء والنخيل جرداء بلا ثمار..اوقفوا التناسل وقتلوا الاطفال..عقروا الحوامل وأخصوا الرجال..ويصرخون هل من منقذ لنا من هذا الحال..!
نيران: اذن أيها الغراب جعلت من نفسك إلهًا..وأقمت لنفسك هذا المكان الذي لا اجد له عنوانا غير ان يكون رحم انثى الشيطان حيث ينِزُّ دما وينثر ديدانا تنبت منها جذور لمسوخ اشجار  ثمرها لحم اصفر من يتغذاها ينزع عنه ستره ويكون بقايا انسان .
الغراب: ايتها النيران الجميلة انت في محكمتي ..لقد خالفت سنتي واحببت النظر الى السماء ورعاية الارض ..مادفاعك ؟
نيران: هههه..يالها من تهمة؟ ايها الطير المظلم ..مااتعسك وماأشقاك وانت حبيس هذا العالم الاسود..ومااغبى جنودك..؟
الغراب: قبور احباؤك تناديك ان خالفتني.
نيران: احبتي في قلبي احياء وهم مثلي يحبون الحياة والنظر الى السماء.
الغراب: أها..اجل رأيت ميتتهم الفضيعة وحاولت ان اسقيهم من دمائي وطلبت منهم ان يكونوا بي مؤمنين ..فقالوا"نعوذ بالله من الشيطان الرجيم"..وياحسرتي ماتوا مبتسمين.
نيران:ماأسعدني بهذه الاخبار..
الغراب: ويلكِ مني يافتاة ...انك لاتعين ان هلاككم أمر منتهٍ , ان هذا العالم الأسود الذي تهزأين منه هو الباقي فالارض ستستحيل الى رماد ولن يبقى أثر لمن يحلمون..انما اريد ان تكوني من شعبي.. فالخط الفاصل بين الحقيقة والخيال..وبين البطولة والخيانة..هو قرار..وليس للحق والباطل هوية الان فكلاهما أساطير وليس بحكيم من يفكر بهما.
نيران: سأقبل منك الحقيقة والخيال فذلك خط معروف ولكن كيف اكون من شعبك ولا اكون خائنة؟!
الغراب: سؤال جيد..أنت هنا..حين تجوعين والطعام بيدي..ماتفعلين؟
نيران: سأقاتلك .
الغراب ضاحكا: جميل.. كيف تقاتلين وانت في مملكتي  مقيدة بسلاسل قوتي وكل شيء من حولك سلاحا بيدي.؟
نيران: ساترك نفسي للموت.
الغراب: لابأس..هذا لأنك لوحدك..لكن عندما يكون لك عائلة من اطفال يصرخون جوعا.. لاأظن غير قبولك بطعامي كما وصفتيه لحما أصفر ينزع الستر ويسلب الانسان صفته.
نيران: منطقك هذا ليس مطلقا..لقد خَبِرنا العيش بالفقر والجوع والموت.لابد ان يكون هناك حلا, بيدك القتل والتجويع والترهيب والاغتصاب وكل عمل حقير, لكنك لن تمس قلوبا صادقة.
الغراب: ياللعناد! كيف تفسرين تغير الكثيرين ممن يَدّعون النبل والفضيلة..هكذا دفعة واحدة حيث خرجوا من دائرة الهباء الى دائرتي حيث الرخاء والسلطة؟ كيف ؟؟ لاأحد يدري..انه قرار فقط...لقد ارتاحوا من علامات مشينة ومنها البكاء حيث لادموع تذرف ولا صداع من ضمير ثرثار..كما انهم ينامون براحة وبلا كوابيس...واشياء اخرى كثيرة.
نيران:لقد ارتفع عندهم مدّ الشهوات فحللوا المحرمات..فالحق الذي تصفه بالخرافة هو الجواب..حين يتنازل المرء عن ذاته يصبح مُلكٌ  لك..لقد باعوك انفسهم..فاصبح و جودهم كذبة..وانت تظن ان الكذبة,تعيش فوق,وتأمن وتعلوا وتنتصر أما الحق فهو خرافة واساطير ومكانه الدفن حيث الاسفل أيْ حيث تعيش الان ايها الغراب. انت تحاكم نفسك ياهذا فالحقيقة الوحيدة هي التي تبقى..انك خرافة ومحكمتك لمن هم من شعبك, تعلمون بنهايتكم حيث حفر النار..
الغراب: كيف استطعت ان تقلبي الموقف؟ لقد اهنتني.
نيران" بسطت يديها بلا مبالاة ": الحقيقة انك مجرد غراب اسود ومحكمتك سفلية ليس لها قرار..وسرعان ماتنقلب الامور وتتداول الايام لترتفع نحو الاعلى وينزل الكذب هنا حيث النار..وتعود الى مهنتك كغراب مشؤوم لن يعرف احد معنى لصوتك الاجش.
صمت الغراب قليلا ثم قال: لقد حكمت عليك بالموت الان امام عيني وسنرى ان كان حكمي ساريا ام لا.
نيران: اتحداك.
الغراب: ايتها الديدان عليكم بها هي طعامكم لا تبقوا لها اثر.
وكانت سرايا الديدان تتجه بكثرة نحو نيران..فصارت تركض وتدور في المكان حتى صاح الغراب: والان هل تؤمنين؟
نيران : بل زدتُ بما قلتُ يقين..ورمت بنفسها في حفرة النار..وسط صرخات الغراب ب"لا".كانت النار لمن يحلمون بالحياة والارض والسماء بردا وسلام.. وعادت نيران بقرب النهر مستلقية على العشب تتنسم عطر الورد وتنظر الى صفاء السماء وتحلم بيوم يموت فيه الكذب ويحترق الشعراء ، يوم قادم مع فجر جديد. رفعت رأسها نيران وتلفتت من حولها وقالت : كان حلما عجيبا وبشارة فرح جديد.
.
.

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية