-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

مكسورة ... الدكتورة فاطمة الديبي . المغرب

 مكسورة

الدكتورة فاطمة الديبي . المغرب




تغلقُ البابَ على صخبِ البيت، وتجلسُ في عتمةِ غرفتها. تضع قلمها جانباً وتلتفت إلى كوب الشاي البارد الذي نسيته على الطاولة منذ الصباح، وفاتورة الكهرباء المتأخرة التي تقض مضجعها. وقبل أن تفتح دفترها، وقعت عيناها على علبة ألوانٍ جافة مغبرة في زاوية الرف، فتذكرت — لوهلة — أن لها ذات يوم يداً كانت ترسم الأفلاك والوجوه، لا يداً لا تفعل الآن سوى حمل الأعباء ومسح الطاولات.

تتنهد برفق، ثم تفتحُ دفترَها العتيق؛ ملاذَها السريَّ الذي لا يلتفت إليه أحد، وتلمسُ أوراقَه بأناملَ ترتجفُ قليلاً من فرط الإعياء. هذا الورق ليس مساحةً للتدوين، بل هو المساحة الوحيدة المتبقية التي تجرؤ فيها على خلع قناع "القوة"، والاعتراف بضعفها. تسحبُ قلمَها، وتبدأُ في الكتابة، لتفرغَ شحنةً من تعب كادت تفتق صدرها:

"أكتبُ لأنَّ الصمتَ في هذا البيتِ أصبح خانقاً، ولأنَّ الكدَّ اليوميّ استنزفَ كلَّ مسرَّتي. كلُّ خطوةٍ أخطوها هي لأجلهم؛ أركضُ في ساقيةِ الواجباتِ كالمسحورة، أطحنُ عمري وأعصابي لأؤمنَ لهم غداً مستقرّاً. أنا غريبة هنا. يسكنني تيهٌ مرعب، واغترابٌ يقطعُ صلتِي بذاتي، حتى بتُّ لا أعرفُ مَن أكون خارجَ حدودِ نفعِي لمن حولي. وفي غمرةِ هذا السحقِ النفسي، أرسمُ على وجهي ابتسامةً مصطنعة؛ درعاً يحميهم من قسوةِ الحياةِ وقلقِها. يقولون إنني قوية، يمدحونَ صلابتي ليريحوا ضمائرهم، ثم يلقون بأثقالهم على كتفي، ويرحلونَ مطمئنين؛ دون أن يدرك أحدٌ منهم أنَّ هذه القوةَ ليست اختياراً، بل هي حكمٌ مؤبد بالاحتمال، وقناعٌ سميك لامرأةٍ تتآكلُ من الداخل. أكتبُ هنا لأعترف، في عتمةِ هذه الغرفة، أنني متعبةٌ بحدِّ الموت، وأنَّ هذا الحِمْل قد فاق ما يحتمله قلبٌ أكلته سنوات الصبر. أنا أموت كل يوم. تموتُ فيه (أناي) ليعيش الآخرون".

ثم سكتت.

فجأة، يمزق سكون الليل صوت أحد أطفالها يناديها من الغرفة المجاورة بنبرة ناعسة مستنجداً بها من كابوس عابر. تتوقف عن الكتابة فوراً. تطوي اعترافاتها في صدرها كما اعتادت دائماً، وتنهض نحوه قبل أن يوقظ بكاؤه البيت كله.

تُغلق الدفتر بعناية فائقة وتخبئه في أعماق درجٍ بعيداً عن الأعين. تتحرك عقارب الساعة نحو فجرٍ جديد لا يحمل سوى تكرار العبء ذاته. تنظر في العتمة إلى وجوه صغارها النائمين، وتستمدّ من حاجتهم وعجزهم طاقةً مريرة لتنهض من جديد. تُصلح هندامها، وتخفي وراء ملامحها المستكينة كسرَها الدفين، ثم تخطو نحو الباب، مستسلمةً لقدرها الصامت، وتاركةً نفسها لنهر الواجبات الذي سيجرفها مجدداً، دون أن ينتبه أحد لصرختها المكتومة.

لكن، وقبل أن تلمس فراشها لتستسلم لليلها وتستعد لنهارها المكرر، تلتفت بنظرة خاطفة نحو ذلك الدرج المغلق، وتمرر يدها على ثوبها حيث استقرت حرارة الدفتر في كفها.. تشعر — للمرة الوحيدة هذا اليوم — برجفةٍ دافئة تخبرها أن شيئاً من روحها، هناك في الظلمة، لم يمت تماماً، وأنها ما زالت تحرس كينونتها المخبأة خلف الجدار.

 

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية