حَدَثَ مَعِي
أ.د. لطفي منصور
"وَهَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ"
دَقَّ جَرَسُ التِّلِفُونْ عِنْدَما كُنْتُ أَهِمُّ لِلْخُروجِ مِنْ مَنْزِلي إلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ، لِأَشْتَرِيَ بَعْضَ حاجِيّاتِ الْبَيْتِ الَّتِي نَفِدَتْ. كانَ عَلَى الْجانِبِ الْآخَرِ صَدِيقٌ قَديمٌ، يُعِدُّ نَفْسَهُ شَيْخًا وَخَطِيبَ مَسْجِدٍ. سَأَلَنٍي: هَلْ قَرَأْتَ مَنْشُوري الَّذي وَضَعْتُهُ عَلَى عَتَبَةِ بَيْتِكَ قَبْلَ عِدَّةِ أَيّامْ؟
- تَناوَلْتُهُ وَلَمْ أَفْتَحْهُ بَعْدُ، أَمْهِلْنِي عِدَّةَ اَيّامٍ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ مَهامَّ أُخْرَى.
- لَكِنْ أُسْتاذْ أّنا…
قاطَعْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ: إنِّي مُضْطَرٌّ لِلْخُرُوجِ الْآنَ سَنَتَحَدَّثُ فِيما بَعْدُ.
وَبَعْدَ أَيّامٍ تَناوَلْتُ الْمَنْشُورَ لِأَنْظُرَ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ راجَعَنِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. فاجَأَني أنَّ هذا الْمَنْشُورَ قَدْ قَرَأْتُهُ قَبْلَ عِدَّةِ سَنَواتٍ، وَيَوْمَها قَدْ أَسْمَعْتُ كاتِبَهُ مُلاحَظاتي عَلَيْهِ، وَلا أَعْرِفُ ما الَّذِي دَفَعَ كاتِبَهُ لِإعادَتِهِ لِي لِأَقْرَأَهُ مِنَ جَدِيدٍ.
دَقَّقْتُ في الْأَمْرِ فَإذا هُوَ مَنْشُورٌ في مَجَلَّةٍ جَديدَةٍ، لَكِنْ لَمْ يُجْرِ فِيهِ أَيَّ تَغْيِّيرٍ فَفَهِمْتُ مُرادَهُ. وَهَذا هُوَ رَدِّي عَلَيْهِ:
يَتَناوَلُ هَذا الْمَقالُ مَقالًا آخَرَ كَتَبَهُ أَحَدُ الْباحِثِينَ الْعَرَبُ حَوْلَ كِتابِ "تاريخُ الْقُرْآنِ" لِلْمُسْتَشْرِقِ الْأَلْمانِيِّ نولدكه أَلَّفَهُ في الْعِقْدِ الثّاني مِنَ الْقَرْنَ الْماضِي. أَثْنَى فَيهِ الْكاتِبُ عَلَى الْمَعْلُوماتِ الْمُهِمَّةِ الَّتي جاءَ بِها هذا الْمُسْتَشْرِقُ الْمَعْرُوفُ في الْأَوْساطِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتي اهْتَمَّتْ بِالْحَضارَةِ الْإسْلامِيَّةِ.
إذًا مَقالُ صاحِبِنا نَقْدٌ لاذِعٌ عَلَى مَقالٍ آخَرَ، وَهُوَ يَحْمِلُ بِشِدَّةٍ عَلَى الْكاتِبِ لَأَنَّهُ أَثْنَى عَلَى الْمُسْتَشْرِقِ حَتَّى لَوْ ذَكَرَ فَضائِلَ الْقُرْآنِ .
لَمْ يَعْرِفِ "الشَّيْخَ " أنَّ كِتابَ نولدكه قد تُرْجِمَ إلى الْعَرَبِيَّةِ (تَرْجَمَةً نَقْدَيَّةً) عَلَى يَدِ رِضا محُمَّد الدَّقيقي، وَنُشَِرَتْهُ وَزارَةُ الْأَوْقافِ الْقَطَرِيَّةِ بِثَلاثَةِ مُجَلَّدات سنةَ ٢٠١١م.
فَلْيَسْأَلْ نَفْسَهُ: هَلْ قَرَأَ الْكِتابَ وَالتَّعْليقَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَهَجَّمَ - دُونَ عَلْمٍ - عَلَى كُتّابٍ آخَرينَ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُمْ مُسْتَشْرِقُونَ، دُونَ أنْ يَأْتِيَ بِأَدِلَّةٍ قاطِعَةٍ، وَيَقْرَعَ الْحُجَّةَ بِالْحُجَّةِ كَما يَفْعَلُ الْعُلَماءُ الدّارِسُونَ الْعالِمُونَ؟؟
كُتِبَ عَنِ الْمُسْتَشْرِقِينَ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ. يَكْفي أنْ تَنْظُرَ في مَوْسُوعَةِ الْمُسْتَشْرِقينْ الَّتي أَلَّفَها الْأُسْتاذُ عَبْدُ الرَّحْمَن بَدَوِي، لِتَعْلَمَ الْجُهْدَ الْكَبيرَ الّذِي بَذَلَهُ الْمُؤَلِّفُ لِتَعْريفِنا بِمُسْتَشْرِقي أوروبا في ثلاثِةِ قُرونٍ مَضَتْ. كَذَلَكَ ما كَتَبَهُ الْعالِمُ إدْوارْدْ سَعيد عَنِ الِاسْتِشْراقِ وَالْمُسْتَشْرِقِينَ وَأَعْمالِهِم وَأَهْدافِهِم.
لا شَكَّ أنَّ غالِبِيَّةَ الْمُسْتَشْرِقِينَ قَدْ خَدَمُوا أوْطانَهُمْ وَدِياناتِهِمْ وَدُوَلَهُمْ. وَأَهْدافَهُم الدِّينِيَّةُ وَالسِّياسِيَّةُ مَكْشُوفَةْ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَعْروفَةٌ.
غَيْرَ أَنَّ هُناكَ مُسْتَشْرِقَينَ خَدَمُوا دِينَنا وَأَدَبَنا وَلُغَتَنا وَحَضارَتَنا، لا يُمْكِنُ أَنْ نُنْكِرَ دَوْرَهُمْ بَلْ نَشْكُرُهُمْ عَلَى ما بَذَلُوا مِنْ جُهْدٍ كَبيرٍ في تَحْقِيقِ الْمَخْطوطاتِ كَتَحْقيق دِيوانِ أبي نُواسٍ لفاغنر، وَتاريخ الْأَدب العربي لبروكلمان، وَتاريخِ الشُّعوبِ الْإسْلاميَّة لَهُ، وتاريخ الْأدب العربي لبلاشير، وتاريخ اللُّغَةِ والأدَبِ الْعَرَبي لشار بلّا، وَكتاب غرينباوم في الْأَدبِ العربيِّ، وحضارَةِ العربِ لغوستاف لوبون، والحضارةَ الْإسْلامِيَّةِ لآدم متز، والمُعْجَم الْمُفَهْرَسِ لِألْفاظِ لِلْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّريف لوينسنك. وَدائِرَةِ الْمَعارِفِ الْإسْلامِيَّة، وَكتاب رايت في النَّحْوِ الْعَرَبِيِّ، وقاموس Lane, وقاموس دوزي "تكْمِلَةُ الْمَعاجِمِ الْعَرَبِيَّةِ، وغَيْرُها كَثِيرٌ. وَإنِّي أَمْلِكُ زُهاءَ مِائَةِ كِتابٍ لِلْمُسْتَشْرِقين مُتَرْجَمَةٍ لِلْعَرَبِيَّةِ. فَكَيْفَ لَنا أنْ نَجْحَدَ جُهودَ هَؤلاءِ؟
لا يَكونُ النَّقْدُ اعْتِباطًا وَفَوْضَى صادِرًا عَنْ جَهْلٍ ماحِقٍ ، وَتَعَصُّبٍ أَعْمَى. عَلَى النّاقِدِ أنْ يَقْرَأ بِدِقَّةٍ الْمادَّةَ الَّتي يَنْقُدُها، فَإنْ شاهَدَ ما هُوَ شاذٌَ نابِعٌ عَنْ عُنْصُرِيَّةٍ مَشُوبٍ بِالسِّياسَةِ عَلَيْهِ أنْ يَدْحَضَ هذا وَيُفَنِّدَهْ بَالْأَدِلَّةِ وَالْبَراهينِ القاطِعَةِ لا بِالْعاطِفَةِ الْجَوْفاءِ.
فَإذا زَعَمَ نولدكه أنَّ في القُرْآنِ الْكَريم مادَّةً أَو مَوادَّ تُشْبِهُ ما جاءَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتابِ في التَّوْراةِ وَالْإنْجِيلِ لا يَكُونَ جَوابُنا نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ بِالصُّراخِ والزَّعِيق، كَأَنَّنا نَجْهَلُ الحَقيقَةَ. وَإنَّما إجابَةٌ صادِقَةٌ عِلْمِيَّةٌ كَما أجابَ عالِمُ الْأُمَّةِ محمّدٌ حَميدُ اللَّهُ الْباكِسْتانيِّ الَّذي قالَ: نَعَمُ لِأَنَّ مَصْدَرَ الْكُتُبِ الثَّلاثِةِ واحِدٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ عَلَى موسَى مُلائِمَةً لِعَصْرِهِ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ عَلَى عِيسَى مُلائِمًا لِعِصْرِهِ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ حَتَّى يَقْبُضَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها.
هُناكَ وَحْدَةٌ في الْأَدْيانِ فَلْنُحافِظْ عَلَيْها.
وَلِلصّاحِبِ أَقُولُ : رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ فَوَقَفَ عِنْدَ حَدِّهِ.

